وجهة نظر

جائزة المغرب للكتاب: بين منطق الاستحقاق وإكراهات سلطة الحقل الثقافي

ليست الجوائز الأدبية مجرد آليات لتتويج الأفضل، بقدر ما هي مرآة تعكس تصورات مجتمع ما عن الإبداع، وحدود ما يقبله أو يستبعده، بل أحيانًا، ما يعجز عن الاعتراف به. فهي لا تكتفي بقياس القيمة، بل تسهم، ضمنيًا، في إنتاجها وتثبيتها. وفي هذا الإطار، تندرج جائزة المغرب للكتاب بوصفها إحدى أبرز العلامات الثقافية التي يُفترض أن تؤطر الذوق الأدبي والفكري الوطني، وأن تمنحه، في الآن ذاته، شرعية رمزية. غير أن السؤال الذي يلحّ في هذا السياق، بعيداً عن صخب الاحتفال الذي يحجب الأسئلة، هو: إلى أي حد يمكن الحديث عن الإنصاف داخل منظومة تحكيم تشتغل في قلب حقل ثقافي مشحون بالتجاذبات، بما فيها تلك التي لا تُرى، ولكنها تفعل؟

من الناحية الشكلية، تبدو الجائزة مؤسسة على نص قانوني واضح (انظر دليل الجائزة المنشور)، يحدد بدقة عمل اللجان المختصة، ومراحل القراءات المتعددة، والمداولات التي تنتهي بالتصويت. غير أن هذه الآلية، على صرامتها الظاهرية، لا يمكنها أن تتحرر بالكامل من محددات أعمق؛ فالنص الأدبي لا يُقرأ في فراغ، بل يُستقبل داخل أفق انتظارات مشروط بالتكوين الفكري والنقدي للمحكّم، وبتموقعه داخل الخريطة الثقافية، وهي خريطة لا تخلو من مناطق نفوذ صامتة، تتحدد فيها مواقع القبول والرفض بشكل غير معلن. هنا، لا يستحيل التحكيم علمًا دقيقًا، بل يستقر بوصفه تأويلاً جماعيًا يُعيد إنتاج ذائقة سائدة بقدر ما يدّعي تقويمها. فالقيمة لا تُقاس في معزل عن الجهاز الذي يعترف بها، بل تتشكل داخله ومن خلاله.

بهذا المعنى، لا يصبح الاختلاف في التقدير مجرد احتمال، بل ضرورة بنيوية. غير أن هذا الاختلاف، حين يتخذ مسارات متكررة أو يفضي إلى نتائج تبدو متوقعة أكثر مما ينبغي، يغدو مؤشراً على انحباس القيمة داخل قوالب جاهزة؛ بل إن حجب الجائزة في بعض الأصناف لا يحسم النقاش بقدر ما يؤزمه، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المعيار نفسه: هل نحن أمام تقييم جمالي خالص، أم أمام ترجيح غير معلن لرؤى بعينها للأدب والفكر، يُعاد إنتاجها عبر دورات متعاقبة؟ يزداد هذا السؤال حدة حين نلاحظ أن بعض الأعمال التي تحظى بتقدير نقدي معتبر خارج إطار الجائزة، لا تجد طريقها إلى التتويج، في حين تُمنح الجائزة أحيانًا لأعمال تمر في التداول الثقافي مرورًا خافتاً. هنا، لا يعود الاستحقاق معطى يُكتشف، بل بناءً قابلاً للتوجيه، حيث تميل الكفة غالبًا نحو الأعمال التي لا تُحرج الذائقة المؤسسة، تلك التي تُشبه ما اعتادت اللجان الاعتراف به، أكثر مما تُفاجئه أو تُربكه.

وثمة معطى آخر يزيد المشهد تعقيداً، ويتعلق الأمر بدخول الأسماء الوازنة إلى حلبة التنافس، وهي أسماء اقترن حضورها بالجائزة في أكثر من دورة سابقة، بما يطرح إشكالاً حول ما يمكن تسميته بـأبدية الاستحقاق وتحول التتويج إلى شكل من أشكال الروتين الرمزي الذي يعيد إنتاج نفسه داخل الحقل. فمع تقدم كاتب يجلجل اسمه في الساحة، تبرز سطوةُ الشهرةِ ونفوذُ الاسمِ لتلقي بظلالها على معايير الاستحقاق، حيث يجد المحكّم نفسه، بوعي أو بدونه، أمام مواجهة غير متكافئة؛ إذ لا يعود النص هو موضوع التقويم الوحيد، بل يحضر تاريخ الكاتب، وحضوره الرمزي، وسلطته المعنوية كمرجع لا يسهل تجاوزه. وهنا لا يتحول التحكيم فقط إلى قراءة نقدية لنص جديد، بل إلى نوع من الوفاء المؤسساتي لأسماء أصبحت جزءاً من بنية الاعتراف نفسها، بما يجعلها أقرب إلى كونها ضمانة رمزية لاستمرارية الجائزة أكثر من كونها موضوعاً للتقويم داخلها. وفي هذا السياق، يغدو حجب الجائزة عن اسم بهذا الثقل مغامرة قد لا تجرؤ اللجان على خوضها، ليس فقط خوفاً من التشكيك في أهليتها النقدية، بل أيضاً لأن هذا الاسم ذاته أصبح مكوّناً من مكونات شرعية الجائزة. وتكمن خطورة هذا المنطق في كونه يكرّس تراتبية جامدة، تجعل الجائزة أداة لترسيخ المكرّس بدلاً من أن تكون منصة لاكتشاف المغاير، وبذلك يُظلم النص، سواء كان لصاحب الاسم الكبير أو لمبدع شاب، لصالح اللقب الذي أصبح يحجب خلفه جوهر الإبداع.

وإذا كان التحكيم داخل الحقل الثقافي يبدو، في ظاهره، خاضعًا لمعايير جمالية وتقنية مضبوطة، فإن هذا الظاهر يخفي مستوى أعمق من الاشتغال لا يمكن رصده من خلال النصوص المترشحة وحدها، بل من خلال البنية التي تُحدد مسبقًا شروط قابلية هذه النصوص لأن تُقرأ وتُناقش وتُعترف بها. هنا يمكن الحديث عن ما يُسمّى باقتصاد القبول، وهو ليس معيارًا صريحًا أو قاعدة معلنة، بل منظومة غير مرئية من التقديرات المتبادلة والميول المشتركة التي تُحدّد، قبل أي قراءة فعلية، حدود ما يمكن أن يُعتبر أدبًا ذا قيمة داخل الحقل.

هذا الاقتصاد لا يعمل عبر قرار مباشر أو تواطؤ واضح، بل عبر انسجام فكري وطبقي يميل، لا إراديًا، إلى تزكية الأعمال التي تُعزّز الطمأنينة المعرفية للجنة وتتوافق مع مرجعياتها الجمالية والمعرفية. إنها منظومة من الحساسيات والميول والاحترازات الدقيقة التي لا تُصرّح بذاتها، لكنها تُوجّه الاختيارات من الداخل وتُعيد ترتيب الأولويات دون إعلان صريح، بحيث يبدو القرار النهائي وكأنه نتيجة تقييم موضوعي، في حين أنه يتشكل داخل فضاء من التقارب غير المعلن بين أفق التلقي وأفق الإنتاج.

وفي هذا السياق، لا تُمارَس الإقصاءات بشكل فجّ أو قابل للتعيين المباشر، بل تُنجز عبر هذا الانسجام نفسه: إذ تميل بعض الأعمال، بفعل توافقها مع هذا الأفق غير المصرّح به، إلى الظهور كخيارات طبيعية، بينما تُدفع أخرى، رغم قوتها أو فرادتها، إلى مناطق أقل قابلية للاعتراف دون حاجة إلى رفض معلن. وهكذا لا تُستخرج القيمة من النص فحسب، بل تُسبق وتُعاد صياغتها داخل جهاز التحكيم، حيث يغدو الاستحقاق نتيجة توافق بنيوي هادئ بين النص وما يمكن للنظام الثقافي أن يعترف به دون اضطراب.

ومع ذلك، فإن اختزال الجائزة في هذه المحددات وحدها سيكون تبسيطًا مُخلاً؛ إذ لا يمكن إنكار أن عددًا من الأعمال المتوجة يعكس فعلًا جدية وعمقًا، وهو ما يدل على أن منطق القيمة لم يُستبعد كليًا. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في حضور القيمة أو غيابها، بل في الشروط التي تُعرّفها وتمنحها صفة الاستحقاق. ففي غياب نقاش نقدي مفتوح ومواكب للنتائج، يتحول الصمت الذي يلي الإعلان إلى آلية لإنتاج الشرعية؛ حيث تكتسب الأحكام قوتها لا من قابليتها للمساءلة، بل من غيابها. وهكذا تتحول النتائج إلى ما يشبه حقيقة مؤسساتية، لا لأنها تُقنع، بل لأنها لا تُناقش بما يكفي.

وإذا كان النقاش ينصبّ عادةً على الأعمال المترشحة، فإن سؤالاً أكثر جوهرية يظل معلقًا: ما مصير تلك الأعمال الإبداعية الرصينة التي يختار أصحابها، عن وعي، عدم التقدم للجائزة؟ إن هذا الإحجام الطوعي لا يُختزل في موقف شخصي، بل هو عرضٌ لخلل أعمق في صلب العلاقة مع المؤسسة؛ إذ يتحول الانسحاب من مشهد الجوائز إلى موقف صامت يتقاسمه المبدعون على اختلاف مشاربهم ويغدو الترشيح نفسه، لدى البعض، شكلاً من أشكال الامتثال لمعايير قد لا تستوعب مغامرتهم الجمالية، أو لعدم الثقة في قابلية هذه المعايير لاحتضان ما يخرج عن أفقها المألوف.

إن غياب هذه الأعمال لا يحرم المنافسة من جزء من طاقتها فحسب، بل يعيد تشكيلها في العمق، بحيث تصبح الجائزة، دون إعلان، فضاءً لما هو قابل للترشيح، لا لما هو جدير به بالضرورة. وهنا تجد الجائزة نفسها في مواجهة سؤال مُحرج: هل هي تتويج للمشهد الثقافي برمته، أم احتفاء ضمني بمن قبلوا الانخراط في شروطها؟

بهذا المعنى، تظل قيمة الاستحقاق نسبية ما دامت هناك نصوص وازنة تختار أن تبني شرعيتها خارج منطق التتويج، مفضلةً الإقامة في منطقة الظل الخصبة، لا بوصفها هامشًا، بل كحيّز بديل لإنتاج القيمة، بعيدًا عن المقاييس التي قد تعجز عن احتواء قلقها الإبداعي.

في النهاية، تظل جائزة المغرب للكتاب تجربة قائمة بين أفقين: أفق معلن يسعى إلى الإنصاف، وأفق ضمني يعيد إنتاج توازنات الحقل. وبين هذين الأفقين، لا يكون دور المبدع الحقيقي هو التسليم أو الرفض، وإنما الإقامة داخل هذا التوتر نفسه؛ لا بوصفه عائقًا، بل باعتباره شرطًا للكتابة. فالكتابة، في جوهرها، لا تسعى إلى نيل الاعتراف بقدر ما تسعى إلى مساءلة شروطه. ومن ثم، فإن المبدع لا يكتب ليندرج ضمن معايير جاهزة، بل ليُربكها، حتى وإن ظل، مؤقتًا أو دائمًا، خارج منصات التتويج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *