شَعْرَة مُعاوية
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود المشهد السياسي في المغرب إلى حالته الموسمية المعروفة؛ تكثر الابتسامات المفاجئة، وتنتشر المصافحات المجانية، وتظهر وجوه لم تُرَ منذ آخر حملة انتخابية، كأنها خرجت من سبات سياسي عميق بعد أن سمعت صوت الصندوق يناديها. وفجأة يصبح الجميع عاشقًا للفقراء، وخبيرًا في البطالة، وفيلسوفًا في العدالة الاجتماعية، وحارسًا أمينًا على مستقبل الشباب، حتى يخيل للمرء أن البلاد كانت تدار طوال السنوات الماضية من طرف ملائكة لا من طرف هؤلاء أنفسهم.
وفي وسط هذا السيرك الانتخابي الجميل، نتذكر عبارة معاوية بن أبي سفيان الشهيرة، تلك العبارة التي تصلح أكثر من كثير من البرامج الحزبية المعاصرة: “لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ إن شدّوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها.” يا لها من مدرسة كاملة في السياسة، تختصر فن الحكم، لا في الصراخ فوق المنصات، بل في معرفة متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تقترب، ومتى تبتعد، ومتى تترك للناس مساحة حتى لا يضطروا إلى قطع الشعرة من أصلها.
شعرة معاوية هي دستور غير مكتوب لكل سياسي يريد أن يعيش أكثر من موسم انتخابي واحد. إنها فن التوازن بين السلطة والناس، بين الوعود والواقع، بين الحضور والاختفاء، بين شد الحبل حتى لا ينفلت، وإرخائه حتى لا ينقطع. أما بعض سياسيينا اليوم، فقد فهموا السياسة على أنها شدٌّ دائم حتى اختنقت الشعرة نفسها، أو إرخاء كامل حتى صار المواطن يبحث عن السياسي بالمجهر الإلكتروني فلا يجده إلا في موسم “البحث عن الصوت”، مع أن بعضهم، في ميزان المحاسبة، أقرب إلى استحقاق السوط بدل الصوت.
بعضهم يتعامل مع الناخب كما يتعامل بائع النعناع مع الزبون آخر النهار – مع كامل احترامنا لبائع النعناع الذي يرزق بعرق جبينه لا بعرق الناخبين -؛ كلام كثير، وجودة مشكوك فيها، ووعد دائم بأن “المرة الجاية غادي تكون أحسن”، وأنهم سيفعلون كذا وكذا، حتى صار المستقبل نفسه مرهقًا من كثرة الوعود. وبعضهم الآخر من فصيلة “الحلايقية السياسيين”، لا برنامج له إلا فن الحلقة السياسية، ولا مشروع عنده سوى رفع الصوت وتحريك اليدين بثقة مسرحية، حتى إذا سمعته ظننت أنه على وشك تحرير غزة من سطوة الظلم والعدوان، فإذا به عاجز عن إصلاح مصباح في حيّ من أحياء المدينة يحمل اسم إحدى المدن الفلسطينية، يترشح فيه فقط ليدغدغ مشاعر الناس بالقضية الفلسطينية، لا ليحلّ قضاياهم اليومية.
هؤلاء لا يمارسون السياسة، بل يمارسون فن الحلقة؛ يجمعون الناس بالكلام، ويغادرون قبل أن يبدأ الحساب. يعرفون جيدًا متى يصفق الجمهور، ومتى يجب أن يرفعوا نبرة الصوت، ومتى يرمون جملة من نوع “الشعب يريد” أو “مصلحة الوطن فوق الجميع”، ثم ينصرفون وقد تركوا وراءهم دخان الحلقة، دون أثر مادي واحد يمكن قياسه إلا في عدد الصور الملتقطة.
والسياسي الحقيقي لا يحتاج إلى هذه المسرحية، بقدر ما يحتاج إلى أن يبرهن على مسؤوليته؛ بأن يعرف لماذا انقطعت الطريق في تلك القرية، ولماذا تأخر المستشفى، ولماذا أصبح الحصول على فرصة عمل أصعب من العثور على كنز مدفون في جبال الأطلس. الناس لا تطلب معجزات؛ إنها تطلب فقط ألا يُعامل عقلها كأنه موسم فلاحي يمكن حرثه كل خمس سنوات، ثم يأتي سياسي آخر ليدكّ ما حرثه سابقه، حتى ينطبق عليه المثل الشعبي المغربي: “اللي حرثو الجمل دكّو”.
إن أخطر ما يهدد شعرة معاوية اليوم ليس المعارضة، ولا المنافس الحزبي وحده، إنه الاستهلاك المفرط للكذب السياسي. فالشعرة لا تنقطع بضربة واحدة، إلا أنها تتقصف تدريجيًا؛ وعد فوق وعد، ثم نسيان فوق نسيان، حتى يأتي يوم تعلو فيه وجهَ المواطن السخرية. والسياسي قد ينجو من غضب الناس أحيانًا، لكنه نادرًا ما ينجو من سخريتهم، لأن السخرية هي الإعلان الرسمي عن سقوط الهيبة.
ولهذا، فإن بعض الوجوه التي شاخت فوق الكراسي، وتحوّلت من مسؤولين إلى أثاث إداري دائم، ربما عليها أن تتأمل المرآة قليلًا، لا البرنامج الانتخابي فقط. فالوطن ليس دارًا للضيافة السياسية المفتوحة إلى الأبد، والمناصب ليست إرثًا عائليًا ينتقل من موسم إلى موسم كأن الديمقراطية مجرد مناسبة عائلية كبيرة.
على بعض هؤلاء، وبكل محبة وطنية صادقة، أن يتركوا السياسة ويخلّوا السبيل للشباب؛ فالشباب لا يُطلب لأنه يملك عصًا سحرية، لأن بقاء السياسة وتدبير الشأن العام حبيس الوجوه نفسها يحوّل تداول السلطة إلى إعادة بثّ قديمة لمسلسل يعرف الناس نهايته قبل أن تبدأ الحلقة. والشباب، مهما أخطأ، يظل يحمل شيئًا لا يُشترى: إمكانية البداية، وجرأة المحاولة، ونَفَس المستقبل.
ولهذا تحديدًا، فإن فتح المجال للشباب لا يكون بتغيير الوجوه فقط، وإنما بإعادة المعنى الحقيقي للثقة السياسية؛ بأن يشعر المواطن أن صوته رقمٌ له وزن في القرار، لا ورقة تُرمى في الصندوق ثم تُنسى مع نتائج الفرز. وأن يرى أن السياسي يزوره بعد الانتخابات كما زاره قبلها، وأن المصافحة لا تكون موسمية مثل المشمش، تظهر في سبعة أيام مع بداية الصيف ثم تختفي في سائر السنة، وأن الوطن أوسع من صورة مبتسمة على لافتة انتخابية، وأثقل من وعد يُقال تحت مكبر الصوت ثم يطير مع أول ريح. فالسياسة ليست فن الكلام، هي فن البقاء في خدمة الناس دون أن تتحول إلى عبء عليهم. ومن لا يعرف كيف يحافظ على الشعرة، فالأفضل له أن يترك المشط أصلًا، قبل أن يضعه الأقرع في موقف لا يُحسد عليه؛ لأن ثقة الدولة لا تسقط فقط حين تضعف المؤسسات، بل أيضًا حين يتحول المواطن إلى متفرج ساخر يرى المشهد كله كحلقة طويلة لا نهاية لها.
في ختام مقالنا .. ليعلم أولئك السياسيون المتفيهقون أن الوطن لا يُدار بالميكروفون وحده، وأن المواطن لم يعد يصفق بسهولة، لأنه اكتشف منذ زمن أن بعض الخطب الانتخابية تشبه النشرة الجوية: كثيرة التوقعات .. قليلة الأمطار.
في السياسة، ليس أخطر من سياسي يظن أن ذاكرة الناس قصيرة .. إلا ناخب قرر أخيرًا أن يجعلها طويلة جدًا؛ فذاك شأنه… وعندها لا ينفع لا ميكروفون، ولا شعرة معاوية، ولا حتى المشط نفسه.
اترك تعليقاً