كيف زعزعت الحفريات الرؤية اللاهوتية وأخرجتنا من العالم المكتمل
في مستهل الحداثة، وبالضبط خلال القرن 17 م، وجراء متغيرات طارئة منها: الاستكشافات الجغرافية واستيعاب لانهائية الكون المرعبة وسيطرة فكرة أن الأصل في الطبيعة هو الحركة لا الثبات واكتشاف قدم الأرض بشهادة الصخور(المتحجرات) وانتشار نظرية التطور ليصبح لكل شيء تاريخ وتكوين محايث…
سيحدث تغيير جذري في رؤية العالم، إذ لم تعد فكرة أن “العالم مكتمل وثابت” مقبولة، ليتم تعويضها برؤية أخرى قوامها أن: “العالم غير مكتمل”. وهي أحد الاستعارات الكبرى التي ركز عليها الفيلسوف الألماني هانس بلومنبرغ لفهم البرنامج الوجودي الحداثي.
إن الاستعارتين: الأراضي غير المعروفة والكون غير المكتمل
شكلتا ركيزتين للمنطلق الحداثي، فالأولى تخبر بالقطع مع فكرة أن العالم قد تمت معرفته، إذ أن حجبا كثيرة لاتزال في حاجة للتكشف، والثانية وهي الأخطر، إذ تخبر بأن يد الإنسان غير مشلولة كما ساد في التصور القديم، وبإمكانها المساهمة في تشكيل العالم مادام أنه ليس جاهزا، فهو قابل للبناء المستمر…
فحينما اكتشف الانسان أن العالم غير مكتمل، وأنه يتشكل ولا يزال، تحرك بكل قوة في مهمة “وضع اليد في العالم ” لإتمام ما يقدر عليه، ولنقل ببساطة إن إنسان الحداثة قد انتقل من المهمة التأملية للعالم إلى المهمة الاستنطاقية، فهو لم يعد مكتوف اليد، بل يساهم في صناعة الحقائق ومن تم وضع اليد في تشكيل العالم، إنه أصبح فاعلا في ظل هذا العالم غير المكتمل.
على العكس من ذلك، كانت الرؤية ما قبل الحداثية للعالم، بقوامها: العالم مكتمل، لا تتيح للإنسان سوى مسارا محددا هو: معرفة وتأمل هذا العالم فقط، فهو لا يحتاج لزيادة.
أما وأن الأمر قد تغير واستحوذت على الإنسان فكرة أن العالم غير مكتمل، فهنا يكون المسوغ نحو الفعل والتدخل والمشاركة ممكنة، وهو ما حدث فعلا، فالإنسانية تحركت في مهمة تغيير العالم وليس فقط تفسيره. أو لنقل بعبارة أخرى: إن التفكير من خلال استعارة: العالم غير المكتمل: هي التي جعلت المعرفة تنحو نحو القوة التطبيقية، وهي التي منحت المشروعية للتدخل التقني في العالم ومن تم ممارسة الحرية، فالعالم الثابت المكتمل يعني مباشرة كبح للإنسان وسد الباب أمام فاعليتة وتوقف لحريته تماما…
وطبعا لا نحتاج إلا إلى التذكير بأمثلة أصبحت معروفة للجميع، تثبت التدخل البشري في تشكيل العالم: فنحن نتحدث الآن عن الأنثربو سين: وهي الحقبة الجيولوجية للإنسان، إذ يشير الجيولوجيون إلى ظهور أثر بشري في السجل الجيولوجي بعد الثورة الصناعية (التلوث، تغير المناخ، تدمير النظم البيئية، بقايا المواد الصناعية والخرسانة والنفايات…). وكذلك نعرف ذلك الانتشار الهائل للتدخل الجيني: بالاستبدال والتعطيل والاضافة (مثال الأوجينيزم: تحسين النسل). والتغيير في التضاريس بتحويل مسار الأنهار والجبال (بناء السدود والمحاجر…). والتحكم في المناخ عن طريق الاستمطار وتفكيك السحب…
باختصار شديد نقول: إن الحداثة أخذت مسارا صناعيا في كل شيء، فهي تغادر كل يوم عالمنا الطبيعي.
ولمزيد من القاء الضوء على هذه الاستعارة المحركة للبرنامج الوجودي الحداثي،لا بأس من الوقوف عن أحد أهم المحركات لها وهي ظهور علم الحفريات.
• الحفريات والتأسيس لعالم دائم التشكل
إذا كانت الحفريات هي كل ما يستخرج من الأرض من معادن وأحجار كريمة… فهي أصبحت تعني حصريا تلك البقايا العضوية المتحجرة، التي بواسطتها أعاد الإنسان كتابة تاريخ الأرض وتاريخ الحياة فوقها بمنطق المحايثة ومنطق التكشف ومنطق تكوين الشيء لا خلق الشيء. إنها شهادة الصخور التي غيرت نظرتنا للعالم وجعلته قد تشكل ولازال يتشكل، بكلمة واحدة، ساهمت الحفريات في جعل عالمنا غير مكتمل.
وبالعودة إلى اسم محدد، سنجد اسما بارزا هو العالم الإنجليزي الشهير روبرت هوك وبالضبط عام 1665 م خاصة بعد صدور كتابه:” محاضرات ومقالات عن الزلازل” الذي معه سيتم التعامل مع الحفريات ليس فقط باعتبارها أشياء غريبة تثير الفضول، بل أساسا لثورة علمية هائلة هددت أصولا ثابتة في علم اللاهوت.
إن الحفريات ومنذ القرن 17 م، أصبحت دليلا حاسما على أن الأرض تعرضت لتغيرات بالغة في القدم، فمثلا نجد بحارا بعمق سحيق كانت تحتل مواضع أصبحت يابسة بعدها. كما جعلتنا نفهم تلك الحركة الدائبة للقارات وتلك التقلبات المناخية التي طرأت على سطح الأرض (مثلا زحزحة القارات بسبب تكتونية الصفائح). وأيضا مكنتنا – الحفريات-من وضع اليد على تلك السلسة التي لا تهدأ في عمليات النشوء والانقراض، والمباغت أحيانا. إنها مهدت وقبل قرنين من الزمن لظهور تشارلز داروين وكتابه الزلزال: ” أصل الأنواع” الذي كرس فكرة التطور، حيث ظهر الإنسان العاقل مجرد وافد جديد على عالم الحيوان، وأنه في الغالب محكوم بدوره بإمكانية الانقراض مثله مثل بقية المخلوقات الأخرى.
لقد شكلت الحفريات مزيجا مبهرا ما بين الجانب الرومانسي والمتمثل في الهواة والمتاحف والزوار، لا بل حتى ألعاب الأطفال (الديناصورات مثلا) والجانب العلمي الواضح والقاسي والمغير لرؤيتنا للعالم.
إذا كانت الحفريات معروفة قديما، ولربما أثارت فضولا حتى، إلا أنها لم تكن لتستخدم كحجج دامغة لفكرة التطور، فالذي تغير وجعلها بدلالات مختلفة هو النسق النظري العلمي الطارئ في القرن 17، فالجزء كما نعلم لا قيمة له إلا في إطار الكل، فتغير المنوال(البرادايم) يغير نظرتنا للتفاصيل…
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجمهور لم يتقبل حقا أن المتحجرات كائنات عضوية وبقايا حيوانات إلا في القرن 19م. فقد كان من المفاجئ جدا وجود أسماك ورخويات في الجبال، فالأمر كان مدعاة للسؤال: كيف وصلت هناك؟
وهو ما عبر عنه روبرت هوك مبكرا وبجلاء حينما قال:
” والآن لو أن كل تلك الأجسام كانت في الحقيقة أصداف أسماك، وهي الأقرب في الشبه إلى ذلك، وأن تلك الأجسام توجد على قمم أكبر جبال العالم… فإن حجة قوية على أن الأجزاء السطحية من الأرض تعرضت لتغيرات شديدة من البداية، وأن قمم الجبال كانت في الأصل مغمورة تحت الماء، ويمكن الزعم كذلك أن أجزاء متنوعة من قاع البحر كانت في ذلك الحين جبالا”.
ليؤكد أيضا -روبرت هوك-في محاضرة ألقاها بالجمعية الملكية عام1694 وهو يتحدث عن أخطر قضية فجرتها الحفريات وهي “الانقراض” بقوله:
” من المؤكد أن العديد من الأنواع في الطبيعة لن نرها مطلقا، ويجوز أنه كانت هناك كذلك العديد من مثل تلك الأنواع في عصور العالم السابقة التي ليس لها وجود في الوقت الحاضر، وأشكال عديدة من تلك الأنواع الآن، التي ربما لم تكن موجودة في فترات زمنية سابقة: فنحن نشهد ما يتمخض عنه تباين الأنواع، وتباين أنواع التربة والمناخ، وغيرها من الأحداث الظرفية الأخرى”.
في الختام نؤكد على أن الحفريات باعتبارها شهادة الصخور أدت إلى زعزعت الرؤية اللاهوتية وفكرتها القديمة عن الخلق، فهي أظهرت أن الانسان ليس محور الكون، فالحياة مسلسل طويل الأمد، والإنسان فيه مجرد حلقة ضمن حلقات هذا المسلسل. كما كشفت عن فكرة الانقراض المرعبة التي أصابت الانسان بالرعب. لقد جعلت الحفريات المنظور اللاهوتي في حرج، فهي ساهمت في تقديم تفسير يسير عكس فكرة الخلق الواحدة الذي تم في حدث واحد وعلى أكمل وجه. لقد ظهرت الرؤية ما قبل الحداثية وكأنها تجعل “الله قد غير رأيه ومقرا بوجود أخطاء في خلقه”… ويكفي أنها أظهرت عمر الأرض أقدم بكثير من الرواية الدينية (طبعا الحسابات الآن تعطيها 4.5 مليار سنة).
إن هذا الأمر المفزع والمربك الذي ساهمت فيه الحفريات، ستجعل الراهب الأيرلندي: “جيمس أشر” في عام 1656م يسارع ليضع انطلاقا من دراساته اللاهوتية تاريخا محددا لبداية الخلق في خطوة اعتقد فيها أنه يرد ماء وجه الرؤية اللاهوتية فكان هو: 23 أكتوبر 4004 قبل الميلاد.
اترك تعليقاً