منتدى العمق

ثمن التفاحة.. سراب المزيد

في تاريخ الفكر الإنساني حكاياتٌ وُلدت للتسلية، ثم تجاوزت حدود الأدب لتتحول إلى مرايا كبرى يرى الناس فيها وجوههم وأحلامهم وأخطاءهم. ومن بين تلك الحكايات القليلة التي غادرت صفحات الكتب لتستقر في الذاكرة الإنسانية قصة رجل اسمه فاوست. لم يكن فاوست، في صورته الأدبية الخالدة، عالمًا منشغلًا بالكتب فحسب، ولا حكيمًا يوزّع المعارف على طلابه، وإنما كان تجسيدًا لذلك القلق العميق الذي يسكن الإنسان كلما ظن أنه بلغ الغاية ثم اكتشف وراءها غايةً أخرى.

لقد امتلك فاوست من العلم ما يجعله موضع إعجاب، ومن المعرفة ما يكفي لملء خزائن كاملة من الكتب، ومن المكانة ما يدفع كثيرين إلى تمني حياته. ومع ذلك ظل يشعر أن شيئًا ما ينقصه، وأن ما بين يديه أقل مما ينبغي، وأن وراء كل باب بابًا آخر، ووراء كل قمة قمةً أعلى منها. كان كل إنجاز يفتح أمامه رغبة جديدة، وكل إجابة تلد سؤالًا جديدًا، حتى أصبح أسير ذلك الوهم القديم الذي رافق الإنسان منذ فجر التاريخ: وهم أن المزيد قادر دائمًا على إطفاء عطش المزيد.

ومن هنا تبدأ حكاية فاوست الحقيقية. تروي الأسطورة الأوروبية القديمة، التي منحها الشاعر الألماني” يوهان غوتة” صمودًا أدبيًا في رائعته الشهيرة المسرحية “فاوست” (Faust)، فاوست هذا الذي أمضى عمرًا طويلًا بين الفلسفة والطب والعلوم واللاهوت، حتى بلغ منزلةً يتطلع إليها كثيرون ويحسدونه عليها. فقد عرف ما يكفي ليُسمّى عالمًا، وقرأ ما يكفي ليُعدّ حكيمًا، ونال من المكانة ما يجعل الناس يقصدونه طلبًا للرأي والمعرفة. غير أن كل ذلك لم يمنحه السكينة التي كان يبحث عنها.

كان يشعر، كلما أغلق كتابًا، أن كتابًا آخر ما يزال ينتظره. وكلما كشف سرًا من أسرار المعرفة، لاح له في الأفق سرٌّ أبعد منه وأشد غموضًا. ولم يعد العلم بالنسبة إليه طريقًا إلى الطمأنينة، بل أصبح وقودًا لعطشٍ يتجدد كلما ظن أنه اقترب من الارتواء. وهكذا وجد نفسه واقفًا على الحافة الفاصلة بين الطموح المشروع والرغبة التي لا تعرف حدًّا، بين السعي إلى المعرفة والانجذاب إلى وهم الكمال المطلق.

وفي تلك اللحظة الحاسمة ظهر مفيستوفيليس، الشخصية التي جسدت في الأسطورة معنى الإغراء والشيطان معًا، ليعرض عليه صفقة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها كانت في حقيقتها أغلى من كل ما يمكن أن يدفعه إنسان. وعده بأن يفتح له أبواب المعرفة والقوة والمتعة وتحقيق الرغبات، وأن يمنحه فرصة تذوق كل ما عجز عن بلوغه من قبل، على أن تكون روحه الثمن المؤجل عند انتهاء الرحلة. ولم يكن العرض في جوهره سوى السؤال القديم الذي يتكرر في صور لا تحصى: كم يدفع الإنسان مقابل المزيد؟

وافق فاوست على بيع روحه مقابل الحصول على المعرفة المطلقة وملذات الحياة الدنيا، وهكذا بدأت الرحلة التي تجاوزت حدود الحكاية لتصبح رمزًا عالميًا. ومنذ ذلك الحين لم يعد اسم فاوست يشير إلى رجل بعينه، وإنما إلى كل إنسان يعتقد أن السعادة تقف دائمًا خلف الباب التالي، وأن المزيد قادر أخيرًا على إخماد عطشٍ لا يعرف النهاية.

ومن رحم هذه الحكاية وُلد مفهوم “الفاوستية”، الذي تجاوز حدود الأدب ليصبح وصفًا لحالة إنسانية تتكرر عبر العصور بأسماء وصور مختلفة. فالـفاوستية لا تشير إلى شخص فاوست وحده، وإنما إلى ذلك الميل العميق في النفس البشرية إلى مقايضة شيءٍ ثمينٍ ودائم بشيءٍ لامعٍ وعاجل؛ إلى التضحية بما هو راسخ في سبيل ما يبدو أكثر إغراءً، وإلى السعي وراء مكسبٍ قريب دون التوقف طويلًا عند كلفته البعيدة.

إنها الفكرة القديمة التي تتجدد في كل زمن: أن يرى الإنسان أمامه ثمرةً براقة، فيحسب أن قيمتها تكمن فيما تمنحه من لذة أو قوة أو منفعة، فيمد يده إليها بكل حماس، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أن الثمن الذي دفعه كان أعظم بكثير مما ناله. فليست المأساة في الرغبة ذاتها، ولا في الطموح إلى الأفضل، وإنما في ذلك الوهم الذي يجعل المكسب القريب يحجب عن العين حقيقة الخسارة البعيدة.

ولهذا أصبحت الفاوستية رمزًا لكل صفقة يربح فيها الإنسان شيئًا صغيرًا ويخسر في المقابل شيئًا أكبر، ولكل لحظة يظن فيها أن المزيد سيمنحه الاكتفاء، فإذا بالمزيد نفسه يوقظ رغبةً جديدة في المزيد. إنها الحكاية المتكررة للإنسان حين يخلط بين القيمة والبريق، وبين الحاجة والإغراء، وبين الثمرة التي تُغذّي الحياة وتلك التي لا تترك وراءها سوى طعم الندم.

ولو تأملنا العالم من حولنا قليلًا، لاكتشفنا أن فاوست لم يمت قط؛ كل ما في الأمر أنه غيّر ملامحه وأسماءه وأزياءه. فما عاد يرتدي عباءة عالمٍ ألماني يطارد أسرار المعرفة، وإنما صار يظهر في صورٍ لا حصر لها بين الناس. قد نراه في موظف يساوم على ضميره من أجل ترقية عابرة، أو في تاجر يفرط في سمعته التي بناها خلال سنوات طويلة مقابل صفقة سريعة، أو في سياسي يستبدل مقعدًا في السلطة بالحقيقة، أو في شاب يبدد أجمل سنوات عمره وهو يطارد سراب الشهرة السريعة، معتقدًا أن الأضواء قادرة على أن تمنحه معنى الحياة.

وقد لا يكون فاوست دائمًا في مواقع النفوذ والمال؛ فهو يتسلل أحيانًا إلى التفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية في ظاهرها. يظهر حين يضحي الإنسان بصحته من أجل ثروة لا يجد وقتًا للاستمتاع بها، أو يرهق عمره كله في جمع المكاسب ثم يكتشف أنه خسر الأشخاص الذين كان يريد إسعادهم بها. ويظهر حين يبيع راحته من أجل سباقٍ لا يعرف نهايته، أو يؤجل حياته عامًا بعد عام انتظارًا للحظة يظن أنها ستمنحه الاكتفاء الكامل، فإذا به يكتشف أن تلك اللحظة تتحرك أمامه كلما اقترب منها خطوة.

ولعل أكثر ما يميز عصرنا أن الشيطان لم يعد بحاجة إلى أن يظهر بقرنين وعباءة سوداء كما في الأساطير القديمة. لقد صار أكثر تهذيبًا وذكاءً. يظهر في إعلان يعد بالسعادة الفورية، أو في شاشة صغيرة تهمس لصاحبها بأنه يحتاج إلى المزيد، أو في خطاب يقنع الناس بأن الغاية تبرر كل وسيلة. إن الإغراء المعاصر لا يطلب من الإنسان أن يبيع روحه دفعة واحدة؛ بل يكتفي أحيانًا بشراء أجزاء صغيرة منها بالتقسيط المريح، ومع مرور الأيام يكتشف المرء أنه دفع ثمنًا كبيرًا دون أن يشعر بلحظة البيع نفسها.

من هنا تبدو الفاوستية اليوم أكثر حضورًا مما كانت عليه في زمن فاوست نفسه. فما كان يومًا حكاية رجل واحد أصبح، في كثير من الوجوه، منطق عصرٍ كامل. فالعالم الحديث يقوم إلى حدٍّ بعيد على فكرة الزيادة الدائمة: المزيد من الأرباح، والمزيد من الاستهلاك، والمزيد من النفوذ، والمزيد من السرعة، والمزيد من المتابعين، والمزيد من كل شيء. وكأن التوقف لحظةً للاكتفاء أصبح نوعًا من الخسارة، أو أن الرضا تحول إلى تهمةٍ تُوجَّه لمن تجرأ على الخروج من سباق المزيد.

غير أن النفس البشرية تحمل مفارقة عجيبة؛ فهي كثيرًا ما تتصور أن سعادتها تقف خلف الشيء التالي مباشرة. فإذا حصلت عليه، انتقل الأمل إلى ما بعده. وإذا بلغت غايةً طال انتظارها، ظهرت في الأفق غاية أخرى أكثر إغراءً. وهكذا لا تنتهي المطاردة، لأن المشكلة لا تكمن دائمًا في قلة ما نملك، وإنما في طبيعة الرغبة نفسها حين تتحول إلى أفقٍ يبتعد كلما اقتربنا منه.

ولذلك لا تشبه الرغبة حفرةً نملؤها فتمتلئ، وإنما تشبه بئرًا تتسع كلما ألقينا فيها المزيد. فكل مكسب يوقظ رغبة جديدة، وكل قمة تكشف قممًا أخرى، حتى يجد الإنسان نفسه يركض سنوات طويلة خلف سرابٍ يتبدل شكله كلما ظن أنه أمسك به. وما كان يراه بالأمس حلمًا نهائيًا، يصبح اليوم مجرد محطة عابرة في طريق لا يعرف نهايته.

وهنا تكمن المأساة الفاوستية الحقيقية: ليست في أن الإنسان يريد الأفضل، فذلك من طبيعة العمران والتقدم، وإنما في أن يظن أن المزيد وحده قادر على أن يمنحه الاكتفاء. فعند تلك اللحظة تتحول التفاحة من ثمرةٍ يتذوقها الإنسان إلى وعدٍ لا ينتهي، يورث صاحبَه إسهالًا مزمنًا من الرغبات، ويتحول السعي من وسيلةٍ للحياة إلى سباقٍ لا يُعرف له بدءٌ واضح ولا نهاية.

ولذلك كان الدرس الخفي في حكاية فاوست أعمق بكثير من مجرد التحذير من الشيطان. فالشيطان في الأسطورة ليس إلا رمزًا لكل إغراء يدفع الإنسان إلى النظر إلى المكسب القريب ونسيان الثمن البعيد، وإلى التركيز على بريق اللحظة وإهمال ما يختبئ خلفها من عواقب. أما المأساة الحقيقية فلا تسكن في الشيطان، بل في الوهم الذي يجد فيه الشيطان طريقه إلى النفس؛ ذلك الوهم القديم الذي يهمس للإنسان بأن السعادة تقيم دائمًا في الخطوة التالية، وفي المكسب التالي، وفي اللذة التالية، وفي الباب الذي لم يُفتح بعد.

غير أن هذا الوعد يملك قدرة عجيبة على التراجع كلما اقتربنا منه. فما إن يبلغ الإنسان الغاية التي سعى إليها طويلًا، حتى تتحول في عينيه إلى محطة عابرة، ويظهر في الأفق هدف جديد أكثر بريقًا. وما إن يفتح بابًا ظل يظنه مدخل الراحة النهائية، حتى يلمح خلفه بابًا آخر يدعوه إلى مواصلة السير. وهكذا لا تنتهي الرحلة، لأن المشكلة ليست في الأبواب، وإنما في الاعتقاد أن الباب التالي سيمنح ما عجزت الأبواب السابقة عن منحه.

إن الإنسان يحتاج إلى الطموح كما تحتاج السفينة إلى الريح، لكنه يحتاج كذلك إلى بوصلة تهديه الاتجاه؛ فليست كل ريحٍ طريقًا إلى النجاة، وبعضها يقود إلى الصخور قبل أن يقود إلى الشواطئ. ولا يكمن الخطر في طلب النجاح أو المعرفة أو الثروة، فهذه جميعًا من دوافع العمران والتقدم، وإنما يظهر حين تتحول من أدوات تخدم الحياة إلى مراكز تدور الحياة حولها. فعندما تصبح الوسيلة غايةً قائمة بذاتها، ويتحوّل المكسب إلى عقيدة، وتغدو اللذة الحكم الأخير على الأشياء، يكون العقد الفاوستي قد بدأ فعلاً، حتى لو لم يُكتب، ولم يُعلن، ولم يشعر صاحبه بلحظة توقيعه.

ولهذا فإن أسمى الانتصارات لا تُقاس بحجم التصفيق في الساحات، ولا بعدد المصفقين، وإنما بما يتحقق في أعماق النفس بعيدًا عن الضجيج والأضواء. فأن يهزم الإنسان جشعه، ويضع حدًّا لغروره، ويتحرر من الوهم الذي يقنعه بأن المزيد وحده هو الطريق إلى حياة أفضل، يعدّ نصرًا يفوق كثيرًا من الانتصارات التي تملأ الأخبار ثم يطويها النسيان.

فكم من فقيرٍ أغمض عينيه مطمئن القلب، يملك من السكينة ما لا تُشترى أثمانه، وكم من غني أحاط نفسه بأسباب الراحة والمتعة، ثم ظل يبحث عبثًا عن ساعة واحدة من الطمأنينة لا يجدها في خزائنه ولا في حساباته. وكم من إنسان ظن أنه ربح العالم بأسره، حتى إذا توقف لحظة ليتأمل الطريق الذي سلكه، اكتشف أن أثمن ما كان يملكه قد ضاع منه أثناء الرحلة.

ولعل الحكمة التي بقيت حية بعد قرون من ولادة أسطورة فاوست هي أن الأشياء الثمينة لا تُقاس بثمنها في السوق. فالكرامة لا تُشترى، والضمير لا يُستبدل، والوقت لا يُسترجع، والروح لا تُعوَّض. وكل مكسب يقتضي التفريط بهذه الكنوز يستحق أن يُعاد النظر فيه ألف مرة قبل الإقدام عليه .. فليست قيمة الحياة فيما نجمعه من الأشياء، وإنما فيما نحافظ عليه من المعاني. وقد يستطيع المرء أن يضيف إلى ممتلكاته الكثير، غير أن الحكمة الحقيقية تبدأ حين يعرف ما الذي لا ينبغي أن يدفعه ثمنًا لأي تفاحة أخرى، مهما بدا بريقها فاتنًا، ومهما وعدته بسراب المزيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *