منتدى العمق

بداهة الإدراك أم سؤال الشروط

لا يتأسس اختلال الإدراك بوصفه حادثا طارئا يلحق بالوعي من خارجه، بل باعتباره بنية كامنة في شروط تشكله عينها. فالمأزق لا يكمن في خلل “الرؤية”، وإنما بطريقة إنتاج ما يُعد مرئيا، أي بتلك المحددات التي ترسم حدود الظهور قبل أي مواجهة مع الموضوع.

الإدراك لا ينطلق من فراغ، بل من مسلمات غير مُصرح بها تمارس فعلها بوصفها أرضية صامتة للفهم. هذه المسلمات لا تعمل كأفكار داخل الوعي، بل كبنية سابقة تحدد ما يمكن أن يُفكر فيه، وما يُستبعد بوصفه غير قابل لها. يغدو معه الانغلاق ليس نقصا في المعطى، بل امتلاء قبليا يجعل التجربة مجرد إعادة تثبيت لما هو مفترض سلفا.

من هذا المنظور، لا يُفهم الإدراك كعلاقة مباشرة ومحايدة مع الواقع، بل كممارسة مشروطة باللغة، وبنية المفاهيم، وتراكمات التمثل الاجتماعي والقناعات. ومن ثم، فإن ما يُقدم بوصفه وضوحا ليس سوى درجة استقرار داخل نظام تأويلي معين، استقرار يخفي شروط إنتاجه أكثر مما يكشفها. بحيث يبدو نظام الفهم مشتبكا مع آليات إقصاء غير مرئية، لا تنكشف إلا عند مقارنته بإمكانات أخرى للفهم.

غير أن لب المسألة يتجاوز البعد المعرفي الصرف، ليطال علاقة الوعي بمعناه الإيتيقي. إذ يمكن للإدراك أن يحيط بالوقائع دون أن تتحول هذه الإحاطة إلى انخراط في دلالتها، فتظل المسافة قائمة بين التمثل بوصفه معرفة، والتجربة. في هذه المسافة تتجلى قدرة الوعي على الفصل بين ما يُفهم وما يُعاش، بما يجعل الوقائع قابلة للوصف دون أن تمس بنيته الداخلية.

والأكثر دلالة، أن هذا النمط من الانغلاق لا يُدرك ذاته بوصفه إشكالا، لأنه يعمل من داخل بداهة تعتبر العالم منتهيا في صيغته الراهنة. وحين يتحول الممكن إلى ما هو مُعطى بشكل نهائي، ينغلق أفق التحول، ويتحول التفكير إلى حركة داخل حدود لا تُرى بوصفها حدودا. ما يفقد الوعي قدرته على مساءلة شروطه، ويكتفي بإعادة إنتاجها.

ولا يروم النقد الفلسفي البحث عن يقين بديل، بل تفكيكا لشروط إنتاج اليقين ذاته. إنه انتقال من مستوى المحتوى إلى مستوى البنية، ومن سؤال ماذا نفكر؟ إلى سؤال كيف يُسمح للفكر أن يتشكل داخل قالب أحادي دون غيره؟

لذلك، لا يتعلق الأمر بتجاوز حالة نقص نحو اكتمال، بل بإبقاء شرط السؤال مفتوحا داخل كل ادعاء بالاكتفاء. فكل نظام يطمئن إلى تمامه يتحول، دون وعيه بذلك، إلى صيغة مغلقة من الفهم تؤيد شروط تشكله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *