وجهة نظر

العفو الملكي عن المشجعين السنغاليين: من واقعة رياضية عابرة إلى رسالة سيادية ذات أفق إفريقي

يكتسب العفو الملكي الصادر في حق المشجعين السنغاليين، على خلفية الأحداث المرتبطة بمنافسات كأس إفريقيا للأمم التي احتضنتها المملكة المغربية، دلالة تتجاوز حدود الواقعة الرياضية المباشرة، لما اقترن به من توتر جماهيري، واعتبارات إنسانية، وحساسية دبلوماسية متصلة بعمق العلاقات المغربية السنغالية، ومن ثم، لا يقرأ هذا العفو بوصفه إجراء قانونيا معزولا، بل باعتباره فعلا سياديا يرشد أثر الواقعة، ويزن مآلاتها، ويحفظ الروابط الكبرى من الانفعال العابر.

ويمثل بلاغ الديوان الملكي مدخلا منهجيا لفهم منطق القرار، إذ صيغ بلغة دقيقة وبناء دلالي مكثف، يؤطر العفو ضمن شبكة من المعاني المتداخلة، ويكشف الأسس التي نهض عليها في سياقه الوطني والإفريقي.

وتنبع أهمية هذه القراءة من كون القرار يكشف عن نمط مغربي مخصوص في تدبير اللحظات الدقيقة، نمط يجمع بين صيانة النظام وفتح أفق الصفح، وبين مقتضى القانون وحكمة المآل، وبذلك يغدو العفو الملكي رسالة سيادية وإنسانية، يمكن مقاربتها من خلال خمسة مرتكزات تكشف منطقه الداخلي، وتبرز أبعاده المتداخلة، وتصل بين مناسبته المباشرة وأفقه الرمزي والإفريقي.

أولا: المرتكز الديني

يرتبط أول وجوه العفو الملكي بالإطار الديني الذي صدر فيه القرار، حيث ورد في البلاغ أنه جاء «بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك»، وتحمل هذه الإشارة قيمة تتجاوز مجرد التحديد الزمني، لأنها تمنح القرار أفقا رمزيا متصلا بما يختزنه العيد في الوجدان الإسلامي من معاني التضحية والرحمة والصفح وتجديد روابط الأخوة، وبهذا الاعتبار، يغدو توقيت العفو جزءا من بنيته الدلالية، إذ يدرج القرار ضمن لحظة دينية يتقدم فيها معنى الرأفة على أثر الواقعة، ويتحول فيها الصفح إلى إمكان أخلاقي وسياسي في آن واحد.

وتزداد هذه الدلالة عمقا في السياق المغربي، حيث تتصل المبادرة بالمؤسسة الملكية بما لها من سند روحي مؤسس على إمارة المؤمنين، فالعفو، في هذا المقام، يصدر عن موقع يجمع بين الرعاية الدينية والتدبير السياسي، ويجعل الرحمة مكونا من مكونات النظر في ما ينبغي أن تستقر عليه الأمور بعد الحدث، لذلك يظهر القرار فعلا سياديا مؤطرا بروح دينية تمنح الصفح معناه، وتضعه في مقام الحكمة، وتجعله جزءا من تدبير مسؤول لعلاقة تجمع شعبين شقيقين.

ومن هنا، تحضر مناسبة عيد الأضحى في البلاغ بوصفها إطارا معنويا يوجه دلالة القرار ويعمق أثره، فقد انتقل العفو، داخل هذا الأفق، من إجراء قانوني يخص أفرادا محكومين إلى رسالة رمزية تعيد وصل ما أصابته الواقعة من اضطراب، وبهذا المعنى، تكشف الإحالة على العيد أن الرحمة، حين تصدر عن مقام السيادة، تصبح أداة لصيانة الأخوة، ورد الحدث إلى معنى جامع يتقدم فيه الصفح على الانفعال.

ثانيا: المرتكز الهوياتي القيمي

ينتقل البلاغ من الإطار الديني للعفو إلى تأصيله ضمن البنية القيمية للمملكة، حين جعله تجسيدا لـ«القيم والتقاليد الراسخة التي ترتكز عليها الهوية المغربية الأصيلة»، وفي مقدمتها «قيم الرأفة والرحمة والعطف والكرم وروح التسامح»، وتكشف هذه الصياغة أن القرار يستند إلى مرجعية تتجاوز التدبير الظرفي للواقعة، وترده إلى رصيد حضاري عميق في التجربة المغربية، حيث تتصل ممارسة السلطة بمنظومة من القيم التي تشكل صورة المغرب عن ذاته، وتحدد طريقته في بناء علاقته بمحيطه.

وتحمل عبارة «الهوية المغربية الأصيلة» دلالة مركزية في بناء معنى العفو، فهي تحيل على شخصية تاريخية تشكلت عبر تفاعل الدين والروح والثقافة والتجربة السياسية، وأنتجت نمطا مغربيا مخصوصا في تدبير العلاقة مع الآخر، ومن ثم، فإن القيم التي استحضرها البلاغ ترد بوصفها مكونات مؤسسة لطريقة مغربية في جعل النبل الأخلاقي جزءا من الفعل السيادي، وتحويل الرصيد القيمي إلى ممارسة مؤثرة في الواقع.

ومن هذا المنظور، يكشف العفو عن الخصوصية الأخلاقية للدولة المغربية، إذ تبدو قوة الدولة متسعة للردع والرأفة معا، وتبدو الرحمة في هذا المقام وجها من وجوه الحكمة في صيانة المعنى وحفظ العلاقة، فالكرم هنا تعبير عن عمق حضاري، والتسامح صورة من صور القوة الرمزية التي تجعل السيادة مشدودة إلى القيم، وتجعل الهيبة مقرونة بحسن التقدير.

وبذلك يغدو المرتكز الهوياتي القيمي مفتاحا لفهم دلالة جوهرية في القرار، ذلك أن العفو عن المشجعين السنغاليين صدر من شخصية سياسية وروحية ترى في الرأفة والكرم والتسامح عناصر مكونة لحضور المغرب في امتداده الإفريقي، ومن هنا بدا العفو تعبيرا عن رسوخ الشخصية المغربية، وعن قدرتها على نقل لحظة التوتر من مجال الانفعال إلى مجال السمو القيمي وحفظ الروابط.

ثالثا: المرتكز الإنساني

يتأسس هذا المرتكز في البلاغ على العبارة الجامعة التي قرنت العفو بـ«اعتبارات إنسانية»، وهي عبارة موجزة في مبناها، كثيفة في معناها، لأنها تجعل الإنسان حاضرا في تقدير القرار بعد أن أخذت الواقعة مسارها القانوني، وذلك من زاوية النظر فيما يتيحه الصفح من إمكانات للعودة، وتهدئة ما خلفه الحدث من اضطراب، وبهذا الاعتبار، يحضر الإنسان في البلاغ ضمن مسار يتجاوز معنى الجزاء إلى أفق جامع للمصالحة وحفظ الروابط.

وتتضح قيمة هذا البعد حين ننظر إليه في امتداد ما سبقه، فالقيم التي أحال عليها البلاغ، من رأفة ورحمة وعطف وكرم، تجد في هذا الاعتبار مجالها العملي، فالرحمة هنا تتحول من معنى قيمي إلى فعل سيادي مسؤول، يمنح تلك القيم حضورها الواقعي، ويجعل العفو طريقا لترجمة الصفح إلى ممارسة مؤثرة في سياق مخصوص، خاصة وقد صدر القرار في مناسبة دينية ذات حمولة وجدانية كعيد الأضحى، ومن ثم، يغدو هذا البعد مستوى تتجسد فيه القيم، وتنتقل من دائرة الإعلان إلى دائرة الفعل.

ويمتد هذا الاعتبار إلى ما أحدثته الواقعة في الصور والانطباعات المتبادلة، فالشغب، بحكم طبيعته، يجاوز حدود الملعب، وقد ينعكس في صورة كل شعب لدى الآخر، أو في تمثل علاقة تاريخية بكاملها، لذلك حمل العفو وظيفة ترميمية، أعادت توجيه الحدث من دائرة الاحتقان إلى أفق الاستيعاب، ومن الجرح الرمزي إلى إمكان استعادة الثقة.

ومن هنا تكشف الدلالة الإنسانية للقرار عن وجه من وجوه حكمته، فهو ينظر إلى الإنسان والعلاقة والمصير المشترك، ويجعل الصفح جزءا من تدبير الحدث بعد ثبوت المسؤولية القانونية، وبهذا المعنى، يصبح العفو فعلا إنسانيا وسياديا في آن واحد، يستحضر قابلية البشر للخطأ وحاجتهم إلى إمكان الاستدراك، ويحول الرحمة إلى قرار مسؤول يوازن بين مقتضيات العدالة وحفظ الروابط، وفي هذا المستوى، تغدو الإنسانية في البلاغ لغة من لغات الحكمة في تدبير ما بعد الواقعة.

رابعا: المرتكز التاريخي

يستند البلاغ في بناء العفو إلى خلفية تاريخية واضحة، حين افتتح تعليله بعبارة: «اعتبارا لعلاقات الأخوة التاريخية التي تجمع المملكة المغربية وجمهورية السنغال»، وتحمل هذه العبارة وظيفة أساسية في توجيه فهم القرار، إذ تنقل الواقعة من حدودها الرياضية المباشرة إلى مجال الذاكرة المشتركة، وإلى المسار الطويل الذي ربط البلدين عبر روافد متعددة.

وتنبع قيمة هذا المعطى من طبيعة الصلة المغربية السنغالية ذاتها، فهي صلة تشكلت عبر امتدادات روحية ودينية وثقافية ودبلوماسية وإنسانية، فقد ظل المغرب حاضرا في الوجدان السنغالي من خلال روابط علمية وروحية ممتدة، كما احتلت السنغال موقعا خاصا في الرؤية المغربية لإفريقيا، بما راكمه البلدان من تعاون وثقة وتطابق في عدد من القضايا والمواقف.

ومن هذه الزاوية، يصبح استحضار الذاكرة المشتركة عنصرا حاسما في تقدير القرار، فالعفو يضع ما وقع في الملاعب في موضعه الطبيعي، واقعة محدودة داخل علاقة ذات عمق وامتداد، ولذلك جاءت الإحالة على «الأخوة التاريخية» لتؤكد أن العلاقات بين الدول والشعوب تقاس بما تراكم فيها من رصيد مشترك، وبقدرتها على استيعاب لحظات الانفعال وتجاوز آثارها.

وتتجلى قيمة هذا البعد حين نستحضر المكانة التي حظيت بها السنغال في الحضور الإفريقي للمملكة، فقد كانت من الدول التي استقبلت زيارات ملكية متكررة، كما احتضنت عاصمتها دكار خطاب ذكرى المسيرة الخضراء سنة 2016، في لحظة سياسية ورمزية ذات دلالة خاصة، فاختيار دكار لإلقاء خطاب متصل بقضية وطنية مركزية يعكس مستوى رفيعا من الثقة، ويبرز موقع السنغال في رؤية المغرب لعمقه الإفريقي.

وبذلك تكشف الدلالة التاريخية للعفو عن كونه صيانة لذاكرة أخوية ممتدة، وحماية لمسار دبلوماسي راكمه البلدان عبر الزمن، فقد جاء القرار وفيا للماضي المشترك، موجها إلى المستقبل، ومغلبا لمنطق الأخوة والتراكم على أثر الانفعال الظرفي.

خامسا: المرتكز القانوني

يحضر المرتكز القانوني في البلاغ من خلال أساسين متلازمين، أولهما الأساس الدستوري للعفو، باعتباره اختصاصا ملكيا مقررا في الفصل 58 من الدستور الذي ينص على أن «الملك يمارس حق العفو»، وثانيهما توصيف المعنيين به بوصفهم «المشجعين السنغاليين المحكوم عليهم بسبب الجنح والجرائم المرتكبة»، ومن خلال هذا التلازم بين الاختصاص الدستوري والحكم القضائي، يتحدد القرار بوصفه فعلا سياديا صادرا من داخل البنية القانونية للدولة.

وتكشف عبارة «المحكوم عليهم» أن الواقعة استوفت مسارها القضائي، وانتقلت من طور المتابعة إلى طور الحكم وثبوت المسؤولية، وبذلك يأتي العفو في موضع لاحق على قيام العدالة بوظيفتها، بوصفه ممارسة دستورية تفتح للجزاء مجالا يتصل بحكمة التدبير، وصيانة ما يرتبط بالواقعة من روابط ومعان.

وتكمن أهمية هذا المرتكز في أنه يمنح الدلالات السابقة ضبطها القانوني، فالدين، والهوية، والإنسان، والتاريخ، تمنح العفو امتداده القيمي والرمزي، بينما يمنحه الدستور سنده المؤسسي، ومن ثم، فإن الرحمة هنا تجري من داخل الدولة وباسمها، وفي مستوى تال على ثبوت المسؤولية، بما يجعل الصفح اختيارا سياديا يوازن بين مقتضى الجزاء وحكمة الترميم.

ومن هذه الزاوية، يكشف البعد القانوني عن الدلالة السيادية العميقة للقرار، فالعفو يصدر من موقع إنفاذ القانون، ومن سلطة تقدير اللحظة التي يصير فيها الصفح وجها من وجوه صيانة المعنى وحفظ الروابط، وبذلك يجمع القرار بين صرامة العدالة وحكمة الرحمة، ويؤكد أن هيبة الدولة تبلغ تمامها حين تجعل من القانون أساسا للنظام، ومن العفو وجها راقيا من وجوه السيادة.

وبهذا يغدو العفو الملكي عن المشجعين السنغاليين فعلا سياديا دالا على خصوصية المقاربة المغربية في تدبير الوقائع العارضة، إذ ارتقى باللحظة من حدودها المباشرة إلى معنى سياسي وأخلاقي أرحب، تتجلى فيه حكمة الدولة، وتصان من خلاله وشائج الأخوة الممتدة بين المغرب والسنغال.

وتتأكد قيمة هذا الفعل حين يقرأ في امتداد تقليد ملكي راسخ جعل من المناسبات الدينية والوطنية مجالا لإشاعة الصفح والرأفة، بما يمنح السلطة السيادية بعدها الإنساني، ويجعلها أقرب إلى روح الرحمة وحسن التقدير. وقد اتخذ هذا التقليد، في بعض تجلياته، بعدا إفريقيا واضحا، كما ظهر في العفو الملكي الاستثنائي الصادر سنة 2020 لفائدة عدد من نزلاء المؤسسات السجنية من رعايا دول إفريقية.

وقد وجد هذا المعنى صداه في التلقي السنغالي الرسمي، حيث عبّر رئيس جمهورية السنغال، باسيرو ديوماي فاي، عن شكره لجلالة الملك محمد السادس، معتبرا هذه المبادرة تعبيرا عن الرأفة والإنسانية، وتجسيدا لأخوة عريقة تجمع البلدين. وبذلك انتقل أثرها من دائرة الواقعة الرياضية إلى مستوى الاعتراف السياسي بقيمتها، وإلى تأكيد عمق الثقة التي راكمتها العلاقات المغربية السنغالية.

ومن ثم، فإن القيمة العميقة لهذا العفو تكمن في قدرته على تحويل حادث محدود إلى رسالة سياسية وروحية وإنسانية، تؤكد أن قوة الدولة تتجلى في الحكمة الهادئة، وفي حسن تقدير اللحظة التي يصير فيها الصفح أفقا لترميم المعنى وصيانة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *