منتدى العمق

الرواية المغربية وسؤال التأسيس.. بين القصور المنهجي والتواطؤ المعرفي

تمهيد: أسطورة البدايات وسؤال التأسيس

تُظهر المراجعة النقدية للتاريخ الأدبي كيف يمنح التكريسُ المتواتر شرعيةً غير مستحقة لأحكام عابرة، لتتحول مع الوقت إلى مسلمات تحجب حقائق التأسيس الأول. لقد استقر الوعي النقدي المغربي على سردية جاهزة تُتوج أعمال الكاتب أحمد الصفريوي (1915-2004)، وتحديداً روايته الشهيرة «صندوق العجائب» الصادرة عام 1949، بوصفها نقطة الصفر واللحظة التأسيسية الأولى للرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية. غير أن اليقينيات التاريخية غالباً ما تُربكها الأرشيفات المطمورة؛ فقد أعادت الترجمة العربية الحديثة لرواية «فسيفساء باهتة» (Mosaïques ternies) فتح ملف أدبي شائك ظل مسكوتاً عنه لعقود. هذا العمل الذي خطّه قلم كاتب مغربي شاب ومغمور آنذاك يُدعى عبد القادر الشاط (1904-1992) في فضاء طنجة عام 1930، ونُشر في باريس سنة 1932 (أي بفارق سبعة عشر عاماً قبل ظهور «صندوق العجائب»)، جاء ليزعزع البنى النقدية الجاهزة، ويفجر معضلة تاريخية وأجناسية حادة: كيف أمكن لنص يمتلك الأسبقية الزمنية والعمق الجمالي أن يُقصى بالكامل من سردية التأسيس الأدبي؟ 

إن قضية عبد القادر الشاط وروايته اليتيمة لا تقف عند حدود الرغبة في التصحيح الكرونولوجي الجاف، بل تمثل مشكلة حقيقية في تاريخ الأدب المغاربي؛ لكونها تكشف عن تواطؤ على الصمت طال المدونات والأنطولوجيات التأسيسية التي أسقطت العمل تماماً من حساباتها التاريخية، مدفوعة بآليات إقصاء ممنهجة مارستها المؤسسة الثقافية ومراكز النفوذ الاستعماري التي احتكرت لاحقاً صكوك الاعتراف الأدبي. وحين نجحت الترجمة العربية مؤخراً في تحريك هذه المياه الراكدة، واجه النص منطقاً عجيباً من المقاومة والمسكوت عنه، بل إن الأمر اتخذ أبعاداً أكثر فجاجة حين تحول العجز عن استيعاب حداثة النص المبكرة إلى طعن علني في أهليته الأدبية.

فبدل أن يُقرأ النضج الجمالي للنص بوصفه دليلاً على وعي أدبي مبكر، تحوّل، في بعض القراءات النقدية، إلى مدخل للتشكيك في «أبوة النص» نفسها. وقد عبّر الأستاذ الجامعي عبد العزيز بيضا عن هذا الارتياب بصورة صريحة، في مجلة TelQuel، حين افترض احتمال وجود تدخل لغوي أو تحرير أجنبي خلف العمل، مستندًا إلى «جودة الفرنسية» و«النظرة الإثنوغرافية» للنص، وهو ما يمثل ذروة التواطؤ المعرفي الذي لا يرى في «الآخر» المغربي إلا تابعاً أو مستلباً، حتى حين يبدع سبقه التاريخي الخاص. غير أن هذا الافتراض يكشف، في العمق، صعوبة تمثّل إمكانية ظهور كتابة روائية مغربية مبكرة خارج المجال الثقافي الذي تشكّل داخل مراكز النفوذ الاستعماري الفرنسي بالمغرب، والذي احتكر لاحقًا سردية التأسيس الأدبي.

وهنا يثور التساؤل بدهشة ممزوجة بالمرارة: كيف يتحول السبق الجمالي لكاتب مغربي في مطلع الثلاثينيات إلى تهمة تستوجب التشكيك، وكيف يستسهل العقل النقدي المحافظ تجريد المبدع من منجزه لمصلحة وصاية أجنبية متوهمة، لمجرد أن النص لم يمتثل لقوالب التأسيس الجاهزة؟

ولم يتوقف التشكيك في أهلية الشاط عند حدود الارتياب في هوية النص ومصدره، بل امتد إلى التحفظ على قيمته الجمالية ذاتها؛ إذ سارع الخطاب النقدي المحافظ إلى الاحتماء بمقولات «نقاء الجنس الروائي»، واصفًا العمل تارةً بالوثيقة الإثنوغرافية، وتارةً أخرى بسردٍ مشظّى يفتقر إلى انتظام التدفق الحكائي. غير أن هذا التشبث التصنيفي الصارم لا يكشف، في العمق، عن حرص إبستيمي على ماهية الرواية بقدر ما يفضح ارتباكًا نقديًا أمام تصدع سردية تأسيسية ظلت المؤسسة الثقافية تكرّسها بوصفها حقيقة نهائية عصية على المراجعة.

إن محاكمة عمل أدبي كُتب في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي بمقاييس روائية تقليدية استقرت لاحقًا في المدونة النقدية، تضع الأدوات النقدية السائدة في موضع مساءلة وتكشف حدودها قبل أن تُدين النص نفسه. فـ«فسيفساء باهتة» لا تقف اليوم في موقع المتأخر عن محاكاة النموذج الروائي الكلاسيكي، بل تبدو نصًا سابقًا لعصره في وعيه المبكر بجماليات التشظي والهجنة وتفكيك المركز الحكائي؛ وهو ما ينقل قيمتها من مجرد ريادة كرونولوجية جافة إلى خلخلة بنيوية لليقينيات التجنيسية التي وجّهت الوعي النقدي المغربي لعقود طويلة. ومن هنا تحديدًا، يتجلى هذا السبق في معمارها الروائي القائم على ما يمكن وصفه بـ«بنيوية التجميع»، أي ذلك الشكل السردي الذي يقوم على تركيب وحدات حكائية متجاورة بدل الانصهار داخل مسار سردي خطي متصل.

1. بنيوية التجميع وتجاوز الاتساق الخطي.

ينطلق التشكيك الأجناسي الذي واجه «فسيفساء باهتة» من حدود الوعي النقدي التقليدي في استيعاب هندسة المتن الروائي، حيث تلقّى الخطاب النقدي تداخل البنيات الزمنية بوصفه تفككًا بنيويًا، والتبس عليه منطق التوزيع الهيكلي للرواية الذي يتحرك بين مستويين زمنيين متداخلين: «زمن الحاضر السردي» بوصفه متنًا إطاريًا يرتبط بطنجة الدولية، و«زمن المحتوى» الاستعادي الذي يرتد نحو الماضي لتتبع سيرة شخصية “قدور العلمي” ومغامراته في فضاءات الجنوب (دكالة، الشاوية، وغيرها).

والواقع أن ما اعتبره المنظور الكلاسيكي تشتتًا أو انقطاعًا في الاتساق الحكائي لا يعكس عجزًا في الضبط التقني لدى الشاط، بقدر ما يكشف عن خيار جمالي واعٍ، ينبني على استراتيجية نصية تتقاطع بنيويًا مع عتبة العنوان وميثاقها الدلالي: «الفسيفساء». ففي رصده لـ«الحاضر السردي»، يقدم الشاط تشريحًا سوسيولوجيًا لبنية فضاء طنجة؛ حيث تتجلى الصيرورة الزمنية بوصفها زمنًا هادئًا ودائريًا ومكتفيًا بذاته، كما ترسمه الرواية:

«كانت الحياة كامنة مُلغزة، تسير بنفس الوتيرة، مستخفة بالقلق في شأن أي شيء لم يلمسها في اهتماماتها الفورية واحتياجاتها اليومية. كانت النساء يولين كامل الاهتمام لإنجاز أشغال البيت في فناء الدار، وكان الرجال يغفون في متاجرهم في انتظار زبون، أو يتجاذبون أطراف الحديث على باب مقهى من المقاهي».

إن هذا الركود الزمني الهادئ، الكامن في فضاء صناعة النعال بين ركام قطع الجلد والورق المقوّى، يشكّل عتبة بنيوية تمهّد لطمأنينة العادة المدينية واستقرار إيقاعها اليومي. ويكتسب هذا الركود أهميته من كونه لا يقدَّم بوصفه خلفية وصفية محايدة، بل بوصفه آلية تنظيم للزمن السردي، إذ يخلق لحظة سكون أولى تُبنى عليها استراتيجية الانتقال من الحاضر إلى الاسترجاع.

ومن هنا، يوظف الشاط هذا الاستقرار الظاهري ليفعّل عبره آلية القطع والوصل من خلال تقنية الاسترجاع، بحيث لا تأتي التحولات الزمنية بوصفها انتقالات تفسيرية معلنة، بل كقفزات داخل نسيج سردي يبدو في ظاهره ساكنًا. فالكاتب ينقل القارئ، دون تمهيدات أسلوبية تقليدية أو جسور انتقالية مألوفة، من هذا السكون الأولي إلى توتر الزمن المتسارع داخل المغرب العميق. ومع مطلع الجزء الثاني، ينكسر هذا التدفق الوصفي ليدخل المتن في طور السيرة الاستعادية:

«عاش الحمَّال العلمي حياة شبابية جد مغامرة، اقتيد ذات ليلة من ليالي رمضان في منزل عبد الله إلى الكلام عن نفسه… ولذلك لم يستطع أن يرفض إرضاء جمهوره الموقر».

يتبلور التداخل بين «الحاضر السردي» المستقر في طنجة، و«الماضي التراجيدي» لقدور العلمي كما يُستعاد سرديًا، بوصفه بنية تجميعية (كولاج)، حيث تُوضع وحدة «زمن الجوع والقسوة» في مقابلة مباشرة مع وحدة «الزمن المديني الخامل». ويعمّق الشاط هذا البناء التقابلي حين يجعل الفصل الواحد قابلاً لاحتواء خطابين زمنيين متوازيين؛ فبينما يسترسل العلمي في سرد مأساة يُتمه وقسوة عمِّه، تتخلل مسار حكايته إشارات انتقالية تعيد القارئ إلى الفضاء الإطار لبيت عبد الله، بما يحمله من تفاصيل تأثيثية يومية (حركة الياقوت وعنبر، وإعداد الموائد…).

تأسيسًا على هذا المعمار، لا يتحقق التماسك البنيوي في الرواية عبر النمو التراتبي الخطي للأحداث، بل عبر منطق التجاور والمفارقة وتراكب الشظايا السردية. ويبدو أن الشاط يستبطن، منذ هذا النص المبكر، إدراكًا بأن الواقع المغربي في تلك المرحلة لا يمكن احتواؤه ضمن قالب روائي كلاسيكي متجانس، فابتكر شكلًا تتشكل وحدته الكلية من تفاعل القطع المتجاورة داخل بناء بصري أقرب إلى اللوحة. وهي بنية تعكس، في النهاية، طبيعة فضاء طنجة ذاته بوصفه حاضنة جغرافية وتاريخية لامتزاج هويات متعددة، صهرت حكاياتها المتباينة في صيغة مدينية فسيفسائية تأبى الاختزال.

2. سيميولوجيا الصوت والهندسة الزمنية الحاكمة.

لا ينبثق التماسك البنيوي لـ«فسيفساء باهتة» من حبكة سببية تقليدية، وإنما يتولد من هندسة زمنية صارمة تخضع لها المادة الحكائية. فالرواية لا تتحرك اعتباطاً، بل تنضبط مفاصلها المعمارية وصيرورة الأحداث داخل فصولها على إيقاع سمعي مشترك يدمج بين النداء الطقسي للمؤذن ونواقيس الكنائس، مما يحول الصوت إلى بندول إيقاعي يضبط حركة السرد والشخوص على مدار اليوم. ويتشكل هذا التناظر السمعي الفضائي منذ العتبة الاستهلالية للرواية، ليختزل التعددية الهوياتية لفضاء طنجة ويحوّلها إلى نظام سمعي متداخل:

«إنه يوم من أيام الجُمَع، يوم حار. الثانية ظهرا تطن من ساعة المبشرين الفرنسيسكان. في البعيد، ناقوس الڭرَّابة الأبدي يمزق بصوته النحاسي صمت الدروب الضيقة والمتسلقة (…) في نفس اللحظة في الجامع الكبير، أنهى على التو المؤذن طقوس الوضوء (…) يشرع في إنشاء التهليلة بصوت خافت ويلعن الشيطان الرجيم قبل أن يرسل بصوته الجهوري دعوته المتكررة بانتظام للناس إلى الصلاة: الله أكبر! الله أكبر!».

هذا التزامن بين ناقوس كنيسة الفرنسيسكان وأذان الجامع الكبير يمثل عتبة كرونولوجية تتكرر مع فواتح الفصول كآلية للربط والاتساق؛ حيث يغدو الأذان هو المرجعية الحاكمة لحركية الشخوص الاجتماعية والبيولوجية. فمع الانتقال إلى فضاء السوق، ينفتح الفصل على الصوت بوصفه محدداً بنيوياً:

«في الزوال، كانوا يصِلون إلى السوق وصوت المؤذن يصدح بالأذان. يقصدون مطعما قذرا يبتلعهم الواحد تلو الآخر».

ويعود الصوت ذاته ليؤطر ردود الفعل الآلية للمجموعات البشرية:

«عاد المؤذن ليطلق دعوته للمؤمنين، وكل هذا العالم الصغير غير المكثرت بما يذخر له القدر، يعجل بالدخول إلى بيت الله لأداء بشكل آلي (…) طقوس الركوع للخالق القهار».

بيد أن عبد القادر الشاط ينأى بهذا المعطى السمعي عن السقوط في وثوقية «التأثيث الفلكلوري» الجاف، ليجعله عنصراً سيميوطيقياً مندمجاً في بنية الفضاء؛ فالصوت يذوب في تفاصيل المعيش اليومي للمدينة متناغماً مع ركود حياتها المستخفة بالقلق: 

«لا تبدو أنها تشعر بأثر صوت المؤذن مهما كان حادا، لأن هذا الصوت أصبح منذ مدة طويلة جزءا من الكل، وعنصرا من طابعها الممل والخامل».

ومع ذلك، يتحول هذا الإيقاع الرتيب في مفاصل نصية أخرى إلى محرك للنشاط الإنساني والتحولات الفيزيولوجية الحرجة؛ فمع الأذان تتخلق الحركة والحياة داخل البيت الصغير في الحافة:

«داخل المنزل الصغير في الحافة، تولدت مع صوت المؤذن ضجة نابضة بالحياة. عنبر ووالدتها وفرجي الخادم يتحركون في الفناء، ينشرون ثلاث زرابي رباطية». ومعه أيضاً تنفجر آلام المخاض لترسم زمناً تراجيدياً حاسماً:

«كان المؤذن قد أنهى لتوه آخر أذان له في اليوم، عندما غادرت الشابة ارحيمو غرفة زهرة على عجل (…) شعرت زهرة بألم أعراض الولادة».

وحتى حين يغرق الشخوص في حواراتهم وينفصلون عن إدراك الصيرورة، يأتي الصوت ليعيد صدمهم بالواقع الكرونولوجي للقصة الإطار: 

«محادثة الضيوف البطيئة والاندفاعية منعتهم من الإحساس بانسياب الزمن، حتى أنهم تفاجأوا بسماع صوت المؤذن لصلاة الظهر يتردد من المسجد المجاور». وصولاً إلى أطراف الضاحية المعزولة حيث يتضافر الصوت مع الحركة البصرية المنبعثة من الصومعة: «أوقد مؤذن المسجد الصغير في الهضبة المعشوشبة فانوسه في قمة الصومعة. يبصر المتأخرون (…) الفانوس صاعدا على طول السلسلة وهو يحدث صريرا فيميزون هذا الصرير في سكون الليل».

تثبت هذه الشواهد النصية المتواترة أن المعمار الروائي محكوم بوعي هندسي دقيق؛ فبينما تتشظى الحكايات الصغرى سيرةً واسترجاعاً، يتدخل «الإيقاع السمعي الطقسي» (أذان/ ناقوس/ فانوس الصومعة) كقوة ناظمة تعيد تجميع الفسيفساء وتضمن اتساقها، محولاً الزمن الإشاري العابر إلى بنية جمالية واعية تنفي عن النص أي شبهة للارتجال التقني.

  1. ميتاسرد السمر  وآلية التوليد الحكائي.

ولا ينفصل هذا التنظيم السمعي للزمن عن آليات إنتاج الحكاية ذاتها داخل النص، حيث ينتقل التحكم من إيقاع الصوت إلى إيقاع السرد. ففي الوقت الذي حرصت فيه الرواية الكلاسيكية ذات النزعة الواقعية على صيانة «الإيهام بالواقعية» عبر سلطة سارد كلي المعرفة يتوارى خلف الأحداث، ذهب عبد القادر الشاط نحو خلخلة هذا الإيهام بوعي ميتاسردي مبكر؛ فهو لا يقدّم للمتلقي حكايات منجزة ومغلقة الصنع, بل يكشف له عن ميكانيزمات صناعتها الفنية، محوّلاً فعل «الحكي» في حد ذاته إلى حدث درامي يتولد ديناميكياً أمام أعيننا.

ويتجلى هذا الوعي في تعرية آليات توليد الحكاية بوصفها نتاجاً لجدلية التفاعل بين السارد (العلمي) وجماعة المسرود لهم (عائلة عبد الله وضيوفه)، مستدعياً بنية التضمين أو «وضع الحكاية في الحكاية». فالحمّال العلمي لا يتدفق سردياً بفعل استرسال ذاتي معزول، بل يتم استنطاقه وتحفيزه، بل وتوجيه مسارات ذاكرته الاسترجاعية عبر استراتيجية الحوار والتوجيه البنيوي المباشر، وهو ما يظهر في المشهد الختامي للرواية حين يتدخل الحاضرون لضبط النتيجة النهائية للسيرة وصياغة قفلتها:

« – في الحقيقة، في الحقيقة! ماذا كنت قد اخترت طنجة أم العرائش؟ 

–  كنت قد اخترت طنجة، حيث، في الأسبوع الأول، رسمت لنفسي طريقاً هادئاً، شريفاً ولكنه متواضع.

 قال كل الحاضرين: أي طريق؟

 –  هذا الذي أنا لا زلت فيه: مهنتي حمال في الميناء».

إن هذا التدخل التفاعلي من قِبل الحاضرين لتوجيه دفة السرد يتجاوز المحاكاة البسيطة لبنية السمر الشفاهي التقليدي؛ ليصبح استراتيجية حداثية تنقل الرواية نحو أفق النص المفتوح والوعي الذاتي بالنوع الأدبي. فمن خلال تحويل المستمعين داخل الفضاء الروائي إلى شركاء في إنتاج النص وتحديد نهاياته الكرونولوجية، يمارس الشاط مراجعة جذرية لآليات الرواية الكلاسيكية الصارمة؛ إذ يثبت عبر هذا المعمار الحواري التوليدي وعياً بـنسبية السرد وتعدد زوايا النظر، رافضاً الخضوع التام للنموذج الروائي المحاكي الذي يصادر صوت المتلقي لحساب أحادية الراوي المهيمن.

  1. سوسيولوجيا الهامش وتقويض المركزيات المرجعية

وإذ يُسجَّل على الرواية، في منظور نقدي تقليدي، أنها تغرق في التوثيق الإثنوغرافي لتفاصيل المعيش اليومي (الطقوس الجنائزية، الأعراس، حركية الأسواق)، بما يجعلها تبدو وكأنها تقرير اجتماعي يفتقر إلى التخييل؛ فإن تفكيك آليات اشتغال الإثنوغرافيا داخل النص يكشف تهافت هذا الحكم الاختزالي. فالشاط لا يسجل المظاهر بعين المستشرق المتفرج الذي يشيّئ المجتمع، بل يشحن هذه المادة السوسيولوجية ببعد سيكولوجي وصراعي، ويمارس من خلالها تقويضاً حاداً للمركزية البرجوازية ليصنع ما تصطلح عليه الأدبيات النقدية المعاصرة بـ«المعرفة من الأسفل» .

وتتجلى هذه الجمالية في إزاحة حاسمة لنظام التبئير، حيث ينقل النص مركز الثقل المعرفي من فضاءات التجار والأعيان إلى الحمال البسيط في ميناء طنجة، «قدور العلمي»، بوصفه محورًا سرديًا بديلًا. وتبدو سيرته تجسيدًا روائيًا مبكرًا لإمكانات صوت التابع، من حيث انبثاق خطاب هامشي يعيد تشكيل الذاكرة الاجتماعية للمغرب المقموع؛ مغرب اليتم والجوع والأوبئة، كما يتبدى في استعادته لـ«وقت فارينا» (عام الجوع) في مازاغان:

«في كل مكان كان يُرى أناس شبه عراة، تسترهم أسمال خشنة، يجوبون الأزقة: — الخبز! على سيدي ربي!… وإذا كان أحدهم يحمل قفة من الخضر أو خبز فارينا المُرِّ يتم التربص به حتى يمر من درب مهجور لكي تنتزع منه القفة بالقوة».

ولا يقف تقويض المركزيات عند حدود تعرية بؤس الهامش الاجتماعي، بل يمتد ليتخذ أبعاداً سياسية حادة تفكك آليات إنتاج النخب وصناعة الولاءات داخل البنية التقليدية للمخزن. فمن خلال وعي سياسي تحديثي، ممزق بين إغراءات المعاصرة وضغوط التقليد، ينحاز النص بوضوح إلى قيم التنوير عبر توجيه نقد جذري للمؤسسة التعليمية والسياسية الرسمية؛ حيث تظهر الدراسة في جامع القرويين، في منطلقها، لا كأداة لإنتاج الوعي، بل كقناة للترقي الانتهازي والمقايضة الأيديولوجية التي ينفذ منها المثقف نحو الوظيفة السلطوية، كما يفضح ذلك خطاب شخصية عبد الله:

«كان عبد الله يصفر ضعفا ويحمر خجلا من فكرة أن معظم الأصدقاء الذين تمكن من الارتباط بهم خلال شبابه وأثناء إقامته في جامع القرويين، لأنهم قايضوا فيما مضى بشكل مخز مُثُلَهم النبيلة والكريمة مقابل شرف وظائف المخزن. كان يعي بأن دراساتهم لم تفدهم في شيء سوى أنها سهلت لهم البلوغ إلى هذه الوضعيات المشتهاة من طرف الجميع (…) هذا عوض أن يحاولوا فتح بصيرة هذه الكتلة عبر تنويرها بالحديث البسيط عن الأحداث التاريخية (…) كان بالإمكان أن يأخذ التطور طريقه».

يكشف هذا المنظور النقدي عن وعي مبكر بوظيفة المثقف العضوي في مواجهة المثقف التقليدي؛ فالشاط يضع يده على الوعي الزائف للنخب التي توظف المعرفة لإساءة استخدام السلطة على حساب «الكتلة الساذجة»، عوضاً عن ممارسة دورها التاريخي في التنوير وإيقاظ الوعي الجمعي لتيسير عبور المجتمع نحو التحديث. وبذلك، يتحول النص من مجرد رصد إثنوغرافي عابر، إلى إدانة صريحة للآليات التقليدية التي تعيق سيرورة التطور التاريخي، لينتقل الهامش من مجرد خلفية فلكلورية لتأثيث المشهد، إلى مركز سردي ناظم يعيد قراءة تاريخ البلد من قاع المجتمع ونزولاً عند شروطه المادية الصعبة.

  1. «الفسيفساء» كإيديولوجيا شكل.

تتراجع كل الادعاءات التي وسمت النص بالقصور التقني أمام القضية المركزية التي تؤسس لريادته؛ فالشكل الفسيفسائي المتشظي في «فسيفساء باهتة» ليس عجزاً في الصنعة، بل هو موقف معرفي من العالم يعكس وعياً حاداً بما يصطلح عليه في النقد الحديث بـ«إيديولوجيا الشكل». فامتناع عبد القادر الشاط عن الانصياع للقالب الروائي المحاكي القائم على الحبكة الخطية المتجانسة، لم يكن جهلاً بالنموذج، بل لعلّة أن الواقع السوسيو-تاريخي المغربي الذي كان يعيشه ويكتبه لم يكن واقعاً منسجماً في حد ذاته. فـطنجة إبان تلك الفترة كانت تمثل فضاءً كولونيالياً متشظياً بامتياز؛ حاضرة دولية تعيش تداخل الثقافات والشرائح الهوياتية المتباينة، وفي الآن ذاته، كان مغرب الداخل يعيش تمزقاً انتقالياً عنيفاً بين تركات عهد السيبة وضغوط الحماية الصاعدة.

ومن هذا المنطلق، يتأسس التناظر البنيوي بين جغرافيا الفضاء وجغرافيا النص؛ فلو اصطنع الشاط للرواية حبكة خطية متناغمة، أو بطلاً برجوازياً نامياً على الطريقة الكلاسيكية الأوروبية، لكان قد سقط في التزييف الجمالي والتاريخي معاً، ولكان عمله مجرد محاكاة آلية لشكل روائي نشأ بنيوياً ليعبر عن مجتمعات غربية مستقرة ومكتملة البناء الطبقي.

إن خيار الشك في بناء السرد، وبعثرة السيرة البيوغرافية، وتجميع الحكايات الصغرى، ووسم اللوحة في عتبتها النهائية بصفة «باهتة» — بوصفها دلالة على النسبية، والتحول، وغياب اليقين— يمثل وعياً سياسياً بالنوع الأدبي. لقد ابتكر الشاط شكلاً روائياً مشظّى ليعبر به عن مجتمع ممزق تحت وطأة تحوّل تاريخي حرج؛ وفي هذا التناظر البنيوي تحديداً تكمن خصوصيته الفنية التي سبقت الوعي الفكري لنقاد عصره.

  1. تفكيك المخيال العجائبي ونقد الفكر الخرافي

ارتباطاً بهذا المعمار التجميعي وتأسيسه الهندسي، فإن علّة إيراد تلك الحكايات العجيبة والمواقف المتشظية الغارقة في الغيبيات والقصص الشعبية، لا يمكن للقارئ أن يستوعب دلالتها البنيوية العميقة إلا بالانتباه إلى الخطاب النقدي والوعي التنويري الحاد الذي يبثه الشاط على لسان الرواة والشخصيات؛ لا سيما تأملات عبد الله وسيدي سعيد. فالنص يعرّي تلك البنية الفكرية والذهنية التقليدية للإنسان المغربي لكونه غارقاً في تفكير تحكمه الخرافات والأوهام التي تحملها وتغذّيها هذه الحكايات المتوارثة.

فالشاط يسوق شظايا الخوارق والميثولوجيات العامة لا ليتبناها فنيّاً أو يكرّسها فلكلورياً، بل ليمارس عليها تشريحاً سوسيولوجياً يفضح زيفها، ويرى فيها مكمن التكبيل الذي يمنع العقل الجمعي من التحرر وصناعة وعي حقيقي بالواقع وقوانين التطور التاريخي. إنه يؤكد بمرارة، من خلال شخوصه، أنه عوض أن تُفتح بصيرة الكتلة وتُنوَّر بالحديث البسيط عن حقائق التاريخ وقوانين الصيرورة، ظلت مستسلمة لأحكامها المسبقة الفتاكة وخرافاتها السلبية الخاملة. وفي هذا التناظر البنيوي والفكري تحديداً تكمن خصوصية النص الفنية الطليعية التي سبقت الوعي التقني لنقاد عصره، لتظل الرواية وثيقة حداثية تنويرية تتمنع على القراءات الاختزالية المحافظة.

  1. خاتمة: أسبقية المعمار والأثر

يتأسس مأزق القراءات التي حاولت نزع صفة «الرواية» عن «فسيفساء باهتة» على وعي نقدي تقليدي ظلّ يستند إلى نموذج معياري واحد للرواية، هو النموذج الواقعي الكلاسيكي بما يفرضه من حبكة خطية وشخصيات نامية واتساق سببي صارم؛ في حين أن تفكيك البنية المعمارية للنص يكشف أن هذا المعيار نفسه ليس طبيعيًا أو كونيًا، بل هو تاريخي ومرتبط بسياق تشكّله الخاص.

ومن ثمّ، فإن ما يبدو في «فسيفساء باهتة» خروجًا عن قواعد الرواية، لا يُفهم فقط بوصفه تجاوزًا تقنيًا، بل بوصفه مساءلة ضمنية لتلك القواعد ذاتها، أي مساءلة للشروط التي تجعل من شكلٍ ما «نموذجًا» ومن شكل آخر «انحرافًا». فالنص لا يقف خارج النموذج، بل يشتغل في منطقة تسبق اكتمال النموذج نفسه أو تعيد توجيهه من الداخل. 

وإذا كان الشاط قد بدا، في أفق القراءة التاريخية، ككاتب سابق لزمنه، فإن هذا السبق لا يُختزل في قيمة زمنية أو ريادة كرونولوجية، بل يفتح سؤالًا إبستيمولوجيًا أعمق: هل يُقاس النص الذي يسبق استقرار النموذج الأدبي بالمعايير التي أنتجها ذلك النموذج لاحقًا، أم أن فعل الكتابة نفسه هنا يساهم في إنتاج شروط القياس ويعيد تعريف ما يمكن أن يُسمّى «رواية»؟

بهذا المعنى، لا يعود السؤال متعلقًا بموقع «فسيفساء باهتة» داخل تاريخ الرواية المغربية فقط، بل بمشروعية أدوات هذا التاريخ ذاته: أي كيفية تشكّل المعايير التي نقرأ بها الأدب، وحدود قدرتها على استيعاب النصوص التي لا تأتي لتتطابق مع النموذج، بل لتعيد مساءلته من جذره. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *