إعادة التوطين أم إعادة التهميش؟
في كل مرة تثار فيها قضية ترحيل أو إعادة توطين مجموعات من المهاجرين غير النظاميين نحو الهامش بعيدا عن المراكز الحضرية الكبرى، يعود سؤال جوهري إلى الواجهة هل يتعلق الأمر بإيجاد حلول مستدامة لقضية الهجرة، أم بإعادة توزيع الهشاشة على مناطق تعاني أصلا من تحديات بيئية واقتصادية واجتماعية مركبة؟
إن النقاش هنا لا ينبغي أن ينزلق نحو رفض المهاجرين أو التشكيك في حقوقهم الإنسانية، فالمهاجرون أنفسهم ضحايا ظروف معقدة دفعتهم إلى مغادرة أوطانهم بحثا عن حياة أفضل. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في طبيعة السياسات المعتمدة لتدبير هذه الظاهرة، ومدى قدرتها على تحقيق الاندماج الاجتماعي والتنمية المتوازنة دون خلق توترات جديدة داخل المجالات المستقبلة.
في هذا الصدد يشكل إقليم زاكورة اليوم نموذجا حيا. فالمجال الذي ظل لعقود طويلة مصدرا للهجرة الداخلية والخارجية بسبب محدودية فرص الشغل وضعف الاستثمار وتوالي سنوات الجفاف، يجد نفسه اليوم في قلب نقاش يتعلق باستقبال فئات جديدة تعاني بدورها من الهشاشة والبحث عن الاستقرار.
وهنا يبرز التناقض السوسيولوجي الكبير كيف يمكن لمنطقة يعاني جزء مهم من أبنائها من البطالة والهجرة القسرية بحثا عن لقمة العيش أن تتحول إلى فضاء لإعادة توطين فئات أخرى تبحث هي أيضا عن شروط الحياة؟ إن سؤالنا هذا لا يحمل أي نزعة إقصائية، بل يطرح إشكالية العدالة المجالية وتوزيع الأعباء التنموية بين مختلف مناطق البلاد. فالمجالات الهشة ليست مجرد خرائط جغرافية فارغة يمكن توجيه السياسات العمومية إليها متى اقتضت الضرورة، بل هي مجتمعات لها تاريخها وثقافتها وخصوصياتها وإكراهاتها وتوازناتها الاجتماعية.
إن أي تغيير مفاجئ في البنية السكانية لمجال معين قد يفرز لدى الساكنة المحلية مشاعر متعددة، من بينها القلق والخوف وعدم اليقين بشأن المستقبل. ولا يرتبط هذا الإحساس بالضرورة بالمهاجرين كأفراد، وإنما بالخوف من الضغط الإضافي على الموارد المحدودة (إن لم نقول شبه منعدمة) وفرص العمل والخدمات الاجتماعية المتاحة بشكل محدود.
وفي المقابل، يواجه الوافدون الجدد وضعية لا يحسدون عليها. فهم يصلون إلى مناطق لا تتوفر بالضرورة على بنية اقتصادية قادرة على استيعابهم أو إدماجهم مهنيا واجتماعيا. ولذلك يظل السؤال مطروحاً بإلحاح؛ ما البديل الاقتصادي والاجتماعي الذي توفره الدولة لهؤلاء؟ وهل توجد برامج واضحة للإدماج والتكوين والتشغيل والمواكبة النفسية والاجتماعية؟ إن إعادة التوطين هذه، إذا لم تقترن بسياسات إدماج حقيقية، قد تتحول إلى مجرد نقل للمشكل من مجال إلى آخر دون معالجة أسبابه العميقة. وتزداد خطورة الوضع عندما تصبح الهشاشة مشتركة بين الساكنة الأصلية والوافدين الجدد. ففي مثل هذه الحالات لا يحدث التنافس حول الامتيازات، بل حول الحاجات الأساسية نفسها: الشغل، والسكن، والخدمات، وفرص العيش الكريم.
ومن هنا يمكن أن تنشأ ظواهر اجتماعية، ليس بسبب وجود المهاجرين في حد ذاته، وإنما بسبب غياب شروط الإدماج والتنمية. فالسوسيولوجيا تعلمنا أن التوترات الاجتماعية لا تنتج عن الاختلاف الثقافي بقدر ما تنتج عن الشعور بالحرمان وعدم العدالة وندرة الفرص.
ولعل أخطر ما يمكن أن تفرزه مثل هذه السياسات هو ما يمكن تسميته بـصناعة التهميش. فالتهميش ليس معطى طبيعيا، بل هو نتاج قرارات واختيارات وسياسات عمومية قد تؤدي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تركيز الهشاشة في مجالات معينة دون غيرها.
لقد نبهت الأدبيات السوسيولوجية المغربية منذ سنوات إلى إشكالية الهامش والمجالات المنسية. ففي كتاب المغرب القروي: أسئلة التنمية المؤجلة، يبين الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري أن العديد من المناطق القروية والهامشية ظلت خارج ديناميات التنمية الفعلية، الأمر الذي ساهم في إنتاج أشكال متعددة من الهجرة والانتظار الاجتماعي والشعور بالإقصاء. ومن ثم فإن أي سياسة عمومية لا تراعي هشاشة هذه المجالات قد تساهم، ولو بشكل غير مقصود، في تعميق الإحساس بالغبن المجالي بدل معالجته.
كما لا يمكن الحديث عن التحولات الاجتماعية بالمغرب دون استحضار الأعمال المؤسسة للسوسيولوجي الراحل بول باسكون (Paul Pascon) الذي كشف، من خلال دراساته الميدانية، عن تعقيد البنيات الاجتماعية بالمجال القروي المغربي، وعن العلاقة غير المتوازنة بين المركز والهامش. وقد أبرزت أبحاثه حول الشباب القروي حجم الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية التي ظلت معلقة لعقود طويلة، وأظهرت كيف تتحول الهجرة في كثير من الأحيان إلى استراتيجية للبحث عن الاعتراف والعيش الكريم أكثر من كونها مجرد تنقل جغرافي.
إن ما يثير الانتباه في مثل هذه النقاشات ليس تدبير الهجرة فحسب، بل استمرار بعض التمثلات الاجتماعية التي تنظر إلى المناطق الهامشية باعتبارها فضاءات يمكن أن تستقبل كل ما لا ترغب فيه المراكز الحضرية الكبرى. وهي نظرة تحتاج إلى مراجعة عميقة، لأنها تعكس شكلا من أشكال الوصم المجالي الذي يتعارض مع مبادئ المواطنة والعدالة الترابية. فزاكورة، كما غيرها من مناطق المغرب العميق، ليست هامشا بالمعنى الإنساني أو الحضاري، بل جزء أصيل من الوطن، ساهم أبناؤها في بناء الإدارة والتعليم والاقتصاد والصحة والإعلام ومختلف مؤسسات الدولة. وما تعانيه بعض هذه المجالات من هشاشة تنموية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإعادة إنتاج صور نمطية أو اختزالها في فضاءات للتدبير المؤقت للأزمات.
ومن هذا المنطلق، يكتسي استحضار التوجيه الملكي أهمية خاصة، حين أكد جلالة الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة ثورة الملك والشعب سنة 2014 “لا نريد مغربا بسرعتين؛ أغنياء يستفيدون من ثمار النمو، ويزدادون غنى، وفقراء خارج مسار التنمية، ويزدادون فقرا وحرمانا.
كما عاد جلالته ليؤكد في خطاب العرش لسنة 2025 أنه “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”، في دعوة صريحة إلى تحقيق الإنصاف المجالي وتقليص الفوارق بين مختلف جهات المملكة.
لذلك، فالمغرب ليس مغربين؛ مغرب المركز ومغرب الهامش، بل وطن واحد تتكامل فيه المجالات وتتقاسم فيه الجهات الحقوق والواجبات وفرص التنمية على قدم المساواة. فالتحدي الحقيقي ليس في تدبير الأزمات عبر نقلها من مجال إلى آخر، وإنما في بناء تنمية عادلة تجعل كل جهة قادرة على توفير شروط العيش الكريم لأبنائها واستقبال الآخر ضمن إطار من الكرامة والاندماج والتماسك الاجتماعي.
اترك تعليقاً