وجهة نظر

هل يحرم مبدأ استمرارية المرفق العمومي العدول من “الإضراب”؟

تعليق على قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون العدول

صرحت المحكمة الدستورية في قرارها رقم 263/26 م.د الصادر بتاريخ 15 يونيو 2026 في الملف عدد 313/26، بمخالفة جزء من القانون رقم 16.22يتعلق بتنظيم مهنة العدول للدستور، وبذلك أعاد القاضي الدستوري هَذا القانون من جديد إلى نقطة البداية مع الزامية قرار المحكمة الدستورية المُشرع صياغة جديدة للقانون، حيث نص الفصل 134 من الدستور على أنه “لا تقبل قرارات المحكمة الدستورية أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية”.

وجاء في بعض حيثيات القرار بشأن هذه المواد التي أثارتها المحكمة الدستورية تلقائياً ومنها جميع المواد الواردة في الباب الثاني عشر المخصص للهيئة الوطنية للعدول (من المادة 140 إلى المادة 171) والباب الثالث عشر المخصص للمجالس الجهوية للعدول (من المادة 172 إلى المادة 194)، “إنه، في غياب آليات قانونية واضحة لتدارك حالات التعطيل أو النيابة أو الحلول عند تعثر أجهزة الهيئة المنتخبة وطنياً أو جهويياً، يكون المشرع قد أغفل تنظيم وضعية جوهرية من شأنها ضمان استمرارية المرفق العام، مما يشكل فراغاً تشريعياً يمس الاختصاص التشريعي الموكول له دستورياً، ويؤدي إلى الإخلال بمبدأي الحكامة الجيدة واستمرارية المرفق العام”.

التعليق على القرار:

نبّه القرار رقم 263/26 م.د الصادر بتاريخ 15 يونيو 2026، إلى وجوب إعادة النظر في كيفية صياغة القوانين المنظمة للمهن القضائية والقانونية، بعدما أثار إشكالية تتعلق بمدى التوفيق بين توسيع استقلالية الهيئات المهنية دون الإخلال بمبدأ استمرارية المرفق العمومي؟

عندما تصرح المحكمة الدستورية بمخالفة هذه المواد البالغ عددها 54 مادة، فإن ذلك يكشف حجم الاختلالات التي رصدها القاضي الدستوري في القانون الذي أحاله عليه 96 عضوا من أعضاء مجلس النواب في إطار الإحالة الاختيارية.

وخلال استقراء المحكمة الدستورية لمقتضيات المواد من 140 إلى 194، لم تتوقف عند إحداث المشرع لـــــ”بنية تنظيمية للعدول” لتأطير المهنة وضمان حسن سيرها وتدبير شؤونها الذاتية، بل انتقلت إلى مساءلة ما إذا كانت هذه البنية التنظيمية تتضمن ضمانات كافية لاستمرارية المرفق العام.

وفي تعليل قرارها استندت المحكمة الدستورية إلى الفصلين 71 و154 من دستور 2011، لتصرح بأن المشرع وإن كان يملك صلاحية إحداث أشخاص اعتبارية مهنية وتخويلها بعض صلاحيات السلطة العامة، فإن ذلك لا يعفيه من ممارسة اختصاصه التنظيمي ممارسة كاملة وفعالة، ولا يجيز له ترك سير المرافق المهنية رهينة بإرادة الفاعلين داخلها.

كما أكدت المحكمة الدستورية على أن الهيئة الوطنية والمجالس الجهوية للعدول، رغم استقلالها في التسيير، تساهم بشكل مباشر في تدبير مرفق عام ذي طبيعة قضائية وتوثيقية، بما يجعلها خاضعة لمبدأ دستوري ملزم هو استمرارية المرفق العام. وهذا التوجه الدستوري يكرس قاعدة تسري بالتبعية على جميع المهن المساعدة للقضاء (المحامين والمفوضين القضائيين)، حيث لم يعد يُنظر إلى هذه التنظيمات كـ”جزر مستقلة”، بل كأجزاء لا تتجزأ من مرفق العدالة الملزم بالاستمرارية.

وتبَعاً لذلك، أسست المحكمة الدستورية جوهر قرارها بناء على ما رصدته من “بياض تشريعي” من شأنه المساس بجوهر الاختصاص التشريعي الذي غابت عنه “آليات قانونية لتدارك حالات التعطيل أو العجز التي قد تصيب الأجهزة المنتخبة، سواء بسبب تعثر الاجتماعات أو توقفها عن أداء مهامها”، ومنها وضع كيفيات النيابة أو الحلول أو التدخل التشريعي في حالات الشلل المؤسسي.

هنا تظهر أهمية هذا القرار الذي لم يكتفِ بمراقبة ما كُتب في النص، بل مارس رقابته على ما أغفل المشرع كتابته، وخلص إلى أنه “بذلك، تكون مواد البابين الثاني عشر والثالث عشر فيما أغفلته من ضمان استمرار المرفق العام التوثيقي مشوبة بعيب عدم الاختصاص السلبي للمشرع، مما يوجب التصريح بمخالفتها للدستور”. ويقصد القاضي الدستوري بـ “عيب عدم الاختصاص السلبي للبرلمان” ترك صاحب الاختصاص جانباً من التشريع ناقصاً، والذي يعد أحد أوجه عدم الدستورية.

وعند تأمل الجهاز المفهومي الذي استدعاه القاضي الدستوري من الحقل السياسي والنقابي من قبيل “حالات التعطيل” و”العجز” و”تعثر الأجهزة المنتخبة”، يرجح أن تكون المحكمة الدستورية قد استحضرت الموجة الواسعة للجدل الذي رافق مسطرة التشريع المتعلقة بمشروع قانون تنظيم مهنة العدول، ومن ذلك خوض عدة “إضرابات” قصيرة ومتوسطة وطويلة، والتهديد بالاستقالة الجماعية التي لوّح بها مسؤولون من الهيئة الوطنية للعدول، وهي الأشكال الاحتجاجية التي شلّت قطاع التوثيق العدلي بالمغرب لأسابيع.

هل يعني ذلك أن المحكمة الدستورية تسعى من خلال هذا القرار إلى تقييد حق العدول في الاحتجاج أو الإضراب أو بالأحرى توقيف الخدمات التوثيقية.

لم يصرح القاضي الدستوري بعدم مشروعية الاحتجاج، ولم ينتقص من الحقوق والحريات الأساسية التي خولها الدستور للمهنيين، وإنما وجه خطابه إلى المشرع لا إلى العدول. ومع ذلك، وجب التأكيد على أن المحكمة الدستورية لا تملك أصلا صلاحية تقييد حق الاحتجاج أو الإضراب المكفول دستوريا بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 29 من دستور سنة 2011 التي تنص على أن: “حق الإضراب مضمون”.

وهي مناسبة للتذكير، بما جاء في حيثيات قرار المحكمة الدستورية رقـم: 251/25 م.د، وهي تبت في مطابقة القانون التنظيمي رقم بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، للدستور، “إن حق الإضراب إنما ضمن من أجل الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للعاملين والمهنيين، دعما لأسس المجتمع المتضامن الذي يتمتع فيه الجميع، والعاملون والمهنيون من بينهم، بمقومات العيش الكريم”.

وبالتالي، فإن قرار المحكمة لا يعاقب “العدول” على ممارستهم لحقهم الدستوري، بل يعاقب “المشرّع” لأنه لم يضع خطة بديلة لحماية المرفق العمومي أثناء ممارسة هذا الحق، لأنه كما جاء في القرار المذكور المتعلقة بالقانون التنظيمي للإضراب “أن المستفاد أيضا من ضمان الدستور لحق الإضراب، ضمان باقي الحقوق والحريات الأخرى مقابلا له، كحرية العمل، وحرية المبادرة والمقاولة، والتنافس الحر”.

ولعل أبرز رسالة حاول القرار المتعلق بقانون مهنة العدول تبليغها هي اجبار” المشرع بهندسة قانونية تمنع تحول الأزمات المهنية إلى شلل كامل للمرفق العمومي”، غير أن إثارة المحكمة الدستورية لآليات مثل “الحلول والنيابة” يثير جدلا واسعا في الأوساط المهنية، إذ يعني ذلك توقع منح صلاحيات التدخل للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل أو القضاء الإداري لتسيير شؤون الهيئة في حالة “الشلل المؤسسي”.

يضع هذا القرار المعلل بمبدأ استمرارية المرفق العام، مفهوم استقلالية المهن الحرة على المحك، ويرجح كفة الإدارة على حساب التسيير الذاتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *