وجهة نظر

العلمانية.. حين يتحوّل الحياد إلى جهاز ضبطٍ خفيّ

قبل الدخول في الالتباس العلماني الأوروبي، يجدر التذكير بأن العلمانية نفسها لا تتحقق دفعة واحدة، بل تتقدّم وفق متتالية داخلية تتغذّى من التاريخ دون أن تُختزل فيه؛ متتالية تبدأ بفصلٍ إجرائي محدود ثم تتوسّع تدريجياً لتعيد تشكيل المجال العام والخاص معاً، بحيث يتحوّل الحياد من مبدأ قانوني إلى منطق شامل لترشيد الواقع وضبطه.

يبدو أن العلمانية في السياق الأوروبي لم تستطع يوماً أن تستقر على تعريف واحد، لأنها لم تُولد كفكرة نظرية محايدة، بل كاستجابة تاريخية لأزماتٍ سياسية ودينية متلاحقة. ومع كل مرحلة كانت تضيف طبقة جديدة من المعنى، بحيث يتحوّل المفهوم إلى بنية تراكمية تتقدّم وفق منطق المتتالية: انتقال بطيء لكنه حاسم من حيادٍ إجرائي محدود إلى رؤية شمولية تعيد صياغة المجال العام والخاص معاً، وتُخضعهما لمنطق ترشيد مادي لا يعترف إلا بما يمكن قياسه وضبطه وإدراجه في شبكة السلطة الحديثة.

ولأن الفكر الأوروبي أدرك مبكراً أن محاولة إنتاج تعريف جامع ستقوده إلى تشويه التاريخ أو إقصاء بعض سياقاته، اختار الهروب الذكي من هذا المأزق عبر تفكيك المفهوم نفسه، بحيث يمنح كل حقل معرفي تعريفاً خاصاً به: فالقانون يتحدث عن حياد الدولة، والسياسة عن فصل السلطتين، والفلسفة عن استقلال العقل، والمجتمع عن إدارة التعدد الديني. وهكذا تحوّلت العلمانية من مفهومٍ واحد إلى شبكة دلالية متعددة، لا تتطابق ولا تتعارض، بل تتجاور وتشتغل وظيفياً داخل كل مجال، مما جعل الالتباس جزءاً من بنية المفهوم لا خللاً فيه؛ بل أصبح الالتباس ذاته شرطاً لعمل العلمانية، وآلية لضمان مرونتها التاريخية وقدرتها على التمدّد داخل البنى الاجتماعية دون إعلانٍ صريح.

ومع هذا الاتساع المطاطي في دلالة العلمانية، يصبح من المشروع القول إن السياسيين في فرنسا يجدون في هذا المفهوم المتحوّل أداةً مناسبة لإعادة ترتيب علاقتهم بالدين داخل الفضاء العمومي. فحين يفقد الحياد صلابته ويتحوّل إلى مبدأ قابل للتمطيط بحسب اللحظة السياسية، يغدو من السهل توجيهه نحو دينٍ بعينه، وخاصة الإسلام، بوصفه الأكثر حضوراً في النقاش العمومي والأكثر إثارة لأسئلة الهوية الجمهورية. هنا لا تكون العلمانية مجرد إطار قانوني، بل تتحوّل إلى آلية تصريف سياسي تُستخدم لتقييد بعض أشكال الظهور الديني، لا لأنها تتعارض مع الحياد، بل لأن مرونتها البنيوية تسمح بتأويل الحياد نفسه بطريقة تجعل منه أداة صراع أكثر مما تجعله ضمانة تعايش.

غير أن هذا الالتباس، حين ينتقل من الحقول الأكاديمية إلى ساحات الفضاء العام، لا يبقى مجرد ظاهرة لغوية أو تاريخية، بل يتحوّل إلى أداة سياسية تُستخدم بوعي كامل. فبعض الفاعلين في فرنسا يعيدون تشغيل هذا الالتباس نفسه، لا بوصفه آلية لضبط الحياد، بل بوصفه امتداداً للمرحلة الشاملة من المتتالية العلمانية: مرحلة ترشيد المجال العمومي بطريقة تُقصي حضور الإسلام أو تُحمّله ما لا يحتمله النص القانوني. وهنا يصبح خطاب الحياد لعبة ظلّ تُدار فيها الحسابات السياسية أكثر مما يُدار فيها التعايش، ويتحوّل المفهوم من ضمانة للتعدد إلى أداة لإعادة ترتيب المجال العام وفق منطق انتقائي، يختار من العلمانية ما يخدم لحظته السياسية ويتجاهل ما لا يناسبها.

بهذا المعنى، لا يعود السؤال: “ما العلمانية؟”، بل: “أيّ مرحلة من المتتالية العلمانية يجري تفعيلها الآن؟”؛ وهل ما يُقدَّم كحياد قانوني هو بالفعل حياد، أم مجرد ظلٍّ طويل لعلمانية شاملة تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية تحت غطاء المفهوم نفسه، بحيث يصبح الحياد خطاباً يُدار من وراء ستار، لا لضمان المساواة، بل لإعادة رسم حدود الظهور والغياب داخل الفضاء العمومي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *