سياسة، مجتمع

الصديقي يحذر: تحويل “التوقيت الميسر” إلى نظام مدفوع يهدد دور الجامعة الاجتماعي

قال سعيد الصديقي الأستاذ الجامعي بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إن النقاش حول التوقيت الميسر في التعليم العالي يتجاوز مسألة تنظيم أوقات الدراسة، ليطرح أسئلة مرتبطة بمجانية التعليم، وتكافؤ الفرص، وتمويل الجامعة العمومية ودورها الاجتماعي.

وأوضح الصديقي أن توجه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار نحو تعميم نظام التوقيت الميسر ابتداء من الموسم الجامعي 2026-2027 يفتح نقاشا حول طبيعة الجامعة العمومية والفئات الاجتماعية التي يفترض أن تستفيد من خدماتها.

واعتبر الأستاذ الجامعي ضمن مقال تحليلي خص به جريدة “العمق” أن السؤال الأساسي يتمثل في ما إذا كانت مرونة الدراسة ستساهم في توسيع الولوج إلى التعليم العالي، أم قد تتحول، في حال ربطها بأداء رسوم، إلى عامل جديد للتمييز الاجتماعي.

سؤال المساواة وتكافؤ الفرص

وقال الصديقي إن الرافضين لفرض رسوم مرتبطة بالتوقيت الميسر ينطلقون من اعتبار الجامعة العمومية مرفقا يقدم خدمة عمومية، مشيرا إلى أن تحميل فئة من الطلبة تكاليف إضافية يثير، في نظره، إشكالات مرتبطة بالمساواة وتكافؤ الفرص.

وأوضح أن الدستور المغربي لا ينص صراحة على مجانية التعليم العالي، لكنه يكرس الحق في الاستفادة، على قدم المساواة، من تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة.

وبحسب الأستاذ الجامعي، فإن فرض رسوم على فئة محددة من الطلبة يطرح بالتالي سؤال مدى انسجام هذا الإجراء مع مبدأ تيسير الولوج، خاصة عندما تتحول الكلفة المالية إلى عائق أمام الطلبة المنحدرين من أسر محدودة الدخل.

وأشار الصديقي إلى أن النقاش اكتسب، أيضا، بعدا قانونيا عقب صدور حكمين قضائيين في الرباط ووجدة بشأن قرارات إدارية مرتبطة بالموضوع، موضحا أن الحكمين قضيا بإبطال القرارات المعنية استنادا إلى ما اعتبره القضاء مساسا بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين الطلبة.

واعتبر أن لهذه الأحكام أهمية في النقاش العمومي، لأنها تؤكد، بحسبه، دور القضاء في مراقبة مدى احترام القرارات الإدارية للمبادئ القانونية والحقوقية.

هل يحتاج الموظفون إلى توقيت خاص؟

وفي ما يتعلق بالمبررات المقدمة للتوقيت الميسر، قال الصديقي إن تمكين الموظفين والأجراء من الجمع بين العمل والدراسة يمثل إحدى الحجج الأساسية المؤيدة لهذا النظام.

غير أنه يرى أن هذه الحجة تحتاج إلى وضعها في سياق واقع الجامعة المغربية، موضحا أن الدراسة في عدد من مؤسسات الاستقطاب المفتوح، وخاصة في كليات الحقوق والاقتصاد والآداب، تتميز أصلا بهامش من المرونة في الحضور، مع وجود مسالك وبرامج تفرض انتظاما أكبر.

وأشار إلى أن الجامعات المغربية اعتمدت خلال السنوات الماضية صيغا مختلفة للتوفيق بين متطلبات التكوين والحضور، من بينها مسالك الإجازة ذات الاستقطاب المحدود وإجازات التميز، إلى جانب أنظمة أكثر انتظاما في عدد من برامج الماستر.

وبناء على ذلك، يرى الصديقي أن معالجة صعوبات الموظفين والأجراء في الجمع بين العمل والدراسة لا تستلزم بالضرورة فرض رسوم دراسية.

واقترح، في هذا السياق، تطوير التعليم عن بعد، وتنويع أنماط التكوين، وإعادة تنظيم الجداول الزمنية، بما يسمح بتوسيع هامش المرونة داخل الجامعة.

كما شدد على أن أوضاع الموظفين والأجراء ليست متطابقة، موضحا أن بعضهم يواجه صعوبة فعلية في الحضور المنتظم، بينما يستطيع آخرون متابعة الدراسة في النظام العادي، إما بحكم طبيعة عملهم أو بفضل التسهيلات التي يحصلون عليها.

ومن هنا، طرح الصديقي خيار “جعل التوقيت الميسر اختياريا”، حتى يستفيد منه الطلبة الذين يحتاجون إليه، دون أن يتحول إلى نظام يفصل بين الطلبة على أساس وضعهم المهني أو قدرتهم على الأداء.

الجامعة العمومية تؤدي وظيفة اجتماعية

وأكد الصديقي أن الجامعة العمومية لا تؤدي وظيفة تعليمية فقط، وإنما تضطلع أيضا بدور اجتماعي يرتبط بالحراك والترقي الاجتماعي.

وقال إن مؤسسات الاستقطاب المفتوح تستقبل أعدادا كبيرة من أبناء الأسر المتوسطة ومحدودة الدخل، وهو ما يجعل مسألة فرض رسوم على بعض الطلبة ذات حساسية اجتماعية، بحسب تعبيره.

وأوضح أن الشاب الذي يضطر إلى العمل لتوفير حاجياته الأساسية قد لا يكون قادرا على تحمل رسوم إضافية لمتابعة دراسته، ما قد يضعه أمام خيارين: التخلي عن العمل والتفرغ للدراسة، أو التخلي عن الدراسة والاستمرار في العمل.

وأضاف أن تضييق الخيارات أمام هذه الفئة قد يضعف قدرة الجامعة العمومية على أداء دورها كرافعة للحراك الاجتماعي.

وقال الصديقي إن النقاش حول التوقيت الميسر يجب ألا يختزل في الجانب التنظيمي أو المالي، بل ينبغي أن ينصب على كيفية جعل مرونة الدراسة وسيلة لتوسيع الولوج إلى التعليم العالي، وليس سببا جديدا لإقصاء الفئات الأكثر هشاشة.

هل تشكل الرسوم حلا لتمويل الجامعة؟

ويرى الصديقي أن وجود الموظفين والأجراء داخل المدرجات الجامعية يحمل أيضا قيمة تربوية واجتماعية.

وأوضح أن الطالب العامل يدخل إلى الجامعة بتجربة مهنية وحياتية مختلفة، ويمكن أن يساهم، بحسبه، في إثراء النقاش داخل المدرج وربط الدروس النظرية بالواقع المهني والاجتماعي.

واعتبر أن الفصل بين الطلبة المتفرغين والطلبة العاملين قد يحرم الجامعة من جزء من هذا التنوع، مؤكدا أن اختلاف تجارب الطلبة يمكن أن يشكل عاملا لإغناء التكوين وليس سببا للفصل بينهم.

وفي ما يتعلق بالجانب المالي، قال الصديقي إن من بين المبررات المطروحة للتوقيت الميسر توفير موارد إضافية للجامعات، لكنه تساءل عن مدى قدرة الرسوم التي يؤديها الطلبة على معالجة إشكال تمويل التعليم العالي والبحث العلمي.

ويرى الأستاذ الجامعي أن معالجة هذا الملف تتطلب رؤية أوسع، تقوم على رفع التمويل العمومي، وتنويع مصادر التمويل، والانفتاح المدروس على القطاع الخاص، إلى جانب تحسين حكامة الجامعات ورفع فعالية تدبير الموارد المتاحة.

كما أثار الصديقي مسألة ربط تعويض الأساتذة المشاركين في التوقيت الميسر بالرسوم التي يؤديها الطلبة، معتبرا أن هذا الأمر يطرح أسئلة تدبيرية وأخلاقية.

وقال إن الأصل هو ضمان صرف المستحقات المتعلقة بالمهام والساعات الإضافية للأساتذة وفق قواعد واضحة وشفافة، بدل جعل الطالب ممولا مباشرا لهذه التعويضات.

وأشار أيضا إلى أن إشكال الجامعة لا يرتبط دائما بنقص الموارد، بل قد يرتبط، في بعض الحالات، بطريقة تدبيرها وتعقيد المساطر المرتبطة بصرفها.

الجامعة المغربية تحتاج إلى الاستقرار

وحذر الصديقي من أن فرض رسوم على التوقيت الميسر قد يدفع بعض الموظفين والأجراء إلى مقارنة كلفة الدراسة في الجامعة العمومية بخيارات أخرى، خصوصا مؤسسات التعليم الخاص.

وأوضح أن بعض الطلبة القادرين على الأداء قد يفضلون مؤسسات توفر لهم، إلى جانب المرونة، خدمات وتجهيزات وظروفا دراسية تستهدف هذه الفئة.

ويرى أن الجامعة العمومية قد تجد، في هذه الحالة، نفسها أمام معادلة صعبة، إذ قد تفرض رسوما لتوفير موارد إضافية، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بفقدان جزء من قدرتها على استقطاب الطلبة العاملين.

وربط الصديقي النقاش حول التوقيت الميسر بإشكال أوسع يتعلق، حسب رأيه، بكثرة الإصلاحات التي عرفها التعليم العالي خلال السنوات الماضية.

وقال إن كل إصلاح جديد يفرض على الجامعات والأساتذة والطلبة والموظفين إعادة ترتيب المسالك والبرامج، وتجديد الاعتمادات، وإعداد التقارير والوثائق، والتكيف مع أنظمة جديدة.

وأشار إلى أن النتائج لا تكون دائما، في تقديره، في مستوى حجم الجهد والموارد التي يتم تعبئتها لتنفيذ هذه الإصلاحات.

ويرى الأستاذ الجامعي أن الجامعة المغربية تحتاج اليوم إلى مرحلة من الاستقرار والتقييم، بدل الانتقال المستمر من إصلاح إلى آخر.

وأوضح أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد البرامج والنصوص الجديدة، وإنما بمدى تأثيرها في جودة التعليم، وتوسيع الولوج، وتحسين البحث العلمي، وتحقيق الإنصاف، وتوفير ظروف أفضل للطلبة والأساتذة والموظفين.

وختم الصديقي بالتأكيد على أن جوهر النقاش حول التوقيت الميسر لا يتعلق فقط بتنظيم الدراسة أو توفير موارد مالية إضافية، وإنما يرتبط، في نظره، بمستقبل الجامعة العمومية وموقعها داخل المجتمع.

وقال إن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل نريد جامعة عمومية مفتوحة أمام مختلف الفئات الاجتماعية، أم جامعة تصبح فيها القدرة على الأداء عاملا إضافيا في تحديد فرص الولوج إليها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • mtk mtk
    منذ شهر واحد

    الحاجة الوحيدة التي أثارها الأستاذ وأعتبرها منطقية خلافا لبعض النقاط : أن الطالب العامل يدخل إلى الجامعة بتجربة مهنية وحياتية مختلفة، ويمكن أن يساهم، بحسبه، في إثراء النقاش داخل المدرج وربط الدروس النظرية بالواقع المهني والاجتماعي. واعتبر أن الفصل بين الطلبة المتفرغين والطلبة العاملين قد يحرم الجامعة من جزء من هذا التنوع، مؤكدا أن اختلاف تجارب الطلبة يمكن أن يشكل عاملا لإغناء التكوين وليس سببا للفصل بينهم. إقرأ

  • المناضل
    منذ شهر واحد

    التوقيت الميسر: ضمان للتحصيل البيداغوجي وليس تمييزاً بين الطلبة عندما نتحدث عن الموظف أو الأجير الراغب في متابعة دراسته الجامعية، ينبغي أن نطرح سؤالاً أساسياً: هل يستطيع فعلاً الجمع بين ساعات العمل القانونية والدراسة الجامعية بالتوقيت العادي، مع احترام متطلبات الحضور والتحصيل البيداغوجي؟ إذا كان الموظف مطالباً بالحضور في مقر عمله خلال الفترة نفسها التي تقدم فيها المحاضرات والأعمال التوجيهية والتطبيقية، فإن الجمع المنتظم بين الالتزامين يصبح، في كثير من الحالات، متعذراً من الناحية العملية. ومن هنا يظهر تناقض ينبغي الانتباه إليه: إذا اعتبرنا أن الموظف يمكنه التسجيل في التوقيت العادي والحصول على الدبلوم دون حضور فعلي ومنتظم للدروس، فما مبرر إلزام الطلبة الآخرين بالحضور، خصوصاً في مؤسسات الاستقطاب المحدود والمسالك التي تفرض طبيعتها البيداغوجية حضوراً منتظماً؟ لا ينبغي أن نصل إلى وضع يصبح فيه الطالب المتفرغ مطالباً بالحضور واحترام استعمال الزمن، بينما يستفيد الطالب الموظف، بحكم استحالة حضوره أثناء ساعات العمل، من تساهل فعلي في شرط الحضور. فذلك قد يطرح بدوره إشكالاً حقيقياً في المساواة وتكافؤ الفرص وشفافية التحصيل البيداغوجي. الحل الأكثر انسجاماً هو الاعتراف بخصوصية وضعية الموظف والأجير، ليس بمنحه إعفاءً من المتطلبات البيداغوجية، وإنما بتوفير توقيت ميسر حقيقي يسمح له بحضور الدروس والأعمال التطبيقية والتوجيهية خارج أوقات عمله، مساءً وخلال نهاية الأسبوع، مع إمكانية الاستفادة من التعليم عن بعد في الحدود التي تسمح بها طبيعة كل تكوين. بهذه الصيغة لا نخفض متطلبات التكوين لفائدة الطالب العامل، بل على العكس، نوفر له الظروف التي تسمح بإخضاعه لنفس متطلبات التحصيل والتقييم والحضور مع تكييف الزمن الجامعي مع وضعيته المهنية. لكن لهذا الاختيار كلفة حقيقية لا يمكن تجاهلها. فعندما تنظم الجامعة الدراسة مساءً أو خلال السبت والأحد، فإن الأستاذ الباحث الذي يؤطر هذه الدروس يؤدي عملاً إضافياً خارج استعماله الزمني العادي، كما أن المؤسسة تحتاج إلى موظفين إداريين وتقنيين لتأمين التسجيل، والقاعات، والمختبرات، والمراقبة، والامتحانات والخدمات اللوجستيكية خارج أوقات العمل الاعتيادية. ومن غير المنطقي المطالبة بتوفير هذه الخدمة الإضافية دون توفير الموارد البشرية والمالية اللازمة لها. فالعمل خارج الأوقات الاعتيادية ينبغي أن يؤطر وفق قواعد قانونية ومالية واضحة وشفافة، وأن تصرف التعويضات المستحقة للأساتذة والأطر والموظفين المشاركين فيه وفق النصوص الجاري بها العمل. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا يؤدي الطالب العامل مقابلاً عن التوقيت الميسر؟ فقط، وإنما أيضاً: من سيمول الكلفة الإضافية لتنظيم جامعة تعمل مساءً وفي نهاية الأسبوع؟ التوقيت الميسر، بهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون وسيلة لشراء الدبلوم ولا طريقاً مختصراً للحصول عليه، بل العكس تماماً: ينبغي أن يكون آلية لضمان حضور فعلي، وتحصيل بيداغوجي حقيقي، وتقييم شفاف للموظف والأجير، مع احترام التزاماته المهنية. فالعدالة لا تعني بالضرورة إخضاع طالب متفرغ وموظف يعمل ثماني ساعات يومياً لنفس الجدول الزمني؛ وإنما تعني تمكين كليهما من تكوين جامعي بنفس الجودة والمتطلبات، مع مراعاة اختلاف وضعيتهما. التوقيت الميسر إذن ليس امتيازاً للموظف، بل آلية لتنظيم حقه في الدراسة دون الإخلال بواجباته المهنية ودون التضحية بجودة التكوين ومصداقية الدبلوم الجامعي.