هندسة الفرجة الصوفية:.. المرقعة الكركرية من أثر الزهد إلى صناعة العلامة
تقديم:
ثمة أزياء تُرتدى، وثمة أزياء تُنتج صاحبَها قبل أن يرتديها. والفارق الجوهري لا يتعلق بنوع القماش، وإنما بالوظيفة السيميولوجية للباس حين ينفلت من إطار غطاء الجسد ليتحول إلى لغة قائمة بذاتها. عندئذ، يكفّ الثوب عن أن يكون مجرد إضافة مادية لصاحبه، ليغدو عنصراً بنيوياً في إنتاج الهوية، وشارة تكوين جماعي تُدرج الفرد داخل نسق صارم من الانتماء والاعتراف المتبادل.
من هذه الزاوية النقدية، تبدو «المرقعة الكركرية» مدخلاً إلى سؤال يتجاوز الثوب نفسه: ماذا يحدث للرمز الروحي حين يدخل عالم الصورة؟ فالمسألة لا تتعلق بخيارات جمالية تخص جماعة بعينها، بقدر ما تتعلق بالتحولات التي تصيب الرمز عندما يغادر مجال التجربة المعيشة ليدخل مجال الظهور والعرض البصري، وعندما يتحول أثر الفقر والزهد إلى هيئة مُصمَّمَة بعناية لتُرى وتُقر وفق منطق العلامة.
سيميولوجيا الثوب: من أثر الزهد إلى تأليفه
في جينالوجيا التصوف التاريخي، وُلدت المرقعة بوصفها أثراً مادياً لا تصميماً. لم تكن رُقع القماش تُجمع تعمداً لإنتاج إيقاع تشكيلي، وإنما كانت استجابة قسرية لتآكل القماش بفعل التقشف واستهلاك المادة؛ فجاءت الرقعة شاهداً صامتاً على الفقر الاختياري واهتراء الجسد في رحلة التخفف. ولعل وصف الجاحظ لهذا النوع من اللباس يكثف هذه الدلالة حين يقول: «جلباب ذهب أصله وبقيت رقعه». فالثوب هنا لم يكن يُصنع ليبدو مرقعاً، وإنما كانت الحياة هي التي تترك عليه آثارها حتى يغدو مظهره سجلاً لاختبار صاحبه المادي. كان الثوب، بهذا المعنى، نتيجةً لحياة معيشة، لا شكلاً موضوعاً سلفاً لها.
أما في التجربة الكركرية، فإن الأمر يختلف تماماً. فالثوب يولد مرقعاً منذ اللحظة الأولى. قماش جديد وقصاصات هندسية منتقاة بعناية، وألوان زاهية وصاخبة تتوزع وفق ترتيب مدروس وتتجاور بطريقة تجعلها شديدة الحضور في العين. هنا لا تعود الرقعة تسعف الثوب من التلف، وإنما يصير الثوب بأكمله مصمَّماً لكي يحاكي التمزق. ولا يتعلق الأمر بمجرد تنويع في الألوان، وإنما ببناء مشهد بصري يلفت الانتباه منذ النظرة الأولى. فاللون لم يعد نتيجة لما توفر من القماش أو لما فرضته الحاجة، بل أصبح جزءاً من تصميم مقصود. إنه عنصر أساسي في صناعة العلامة، لأن هذه الألوان لا تمر مروراً عابراً؛ إنها تُرى قبل أن تُقرأ.
هذا الانتقال من أثر الزهد إلى التأليف البصري للزهد ينقل المرقعة من سجل التجربة المعيشة إلى سجل العرض والتمثيل. فبدلاً من أن تحكي الرقع قصة ثوب استهلكته الحياة، يصبح الثوب نفسه حاملاً لصورة جاهزة عن الزهد، صورة تُصاغ مسبقاً وتُقدَّم إلى العين قبل أن تكون نتيجةً لتجربة عاشها الجسد. وهنا تحديداً يتحول الثوب من أثر لحياة الزاهد إلى وسيلة لإظهار صورة الزهد.
من الرمز إلى العلامة: إنتاج التمايز الهوياتي
حين يفقد الثوب عفويته ليصبح زياً مصمَّماً، فإن التحول لا يطال مادته وحدها، وإنما يطال نظام الدلالة الذي ينتظم داخله. فالرقعة التي كانت أثراً لحياة الزهد تصبح، حين تُصنع مسبقاً وتُرتب ألوانها وأشكالها بعناية، حاملةً لمعنى مقصود؛ أي إنها تنتقل من كونها أثراً يُقرأ إلى كونها علامة صُممت لكي تُقرأ. وهنا يبدأ الانتقال من الرمز الروحي إلى العلامة الاجتماعية. فالرمز يظل مفتوحاً على التجربة والتأويل، أما العلامة الهوياتية فتؤدي وظيفة أكثر تحديداً، إنها تجعل الانتماء قابلاً للرؤية والتعرف. وما إن تستقر المرقعة في شكل مميز ومتكرر حتى لا يعود المريد يرتديها باعتبارها تعبيراً عن حالته الروحية فحسب، وإنما باعتبارها أيضاً ما يجعله قابلاً للتعرف داخل جماعة بعينها. فالجسد هنا يعلن انتماءه قبل أن يتحدث صاحبه عن نفسه.
وحين تتكرر المرقعة على أجساد المريدين، فإنها تنتج وحدة بصرية تجعل الجماعة نفسها قابلة للتعرف، وتضع حداً مرئياً بين «نحن» و«هم». هكذا يتحول الاختلاف من معنى داخلي إلى فارق بصري، ويصبح الانتماء شيئاً يُرتدى ويُعرض ويُقرأ.
وهنا تكمن المفارقة. ففي أحد وجوه الزهد الصوفي التاريخي، كان التخفف من المظهر والتواري عن الشهرة جزءاً من تقليص حضور الأنا أمام التجربة الروحية. أما هنا، فإن الرمز المرتبط بالزهد نفسه ينتج مظهراً شديد القدرة على إعلان الذات والتمايز. لم تعد المرقعة شيئاً يذوب به صاحبها في صورة التقشف، بل أصبحت علامة تتيح له أن يُعرف من خلالها. فالثوب هنا لا يستر صاحبه، بل يشهر انتماءه.
وبذلك لا تعود المرقعة مجرد علامة على هوية الجماعة؛ إنها تصبح أحد الوسائط التي تصنع هذه الهوية وتثبتها في المجال العام. ومن هذه اللحظة تحديداً يصبح الانتقال من العلامة إلى الصورة أمراً طبيعياً. فما يُصمم لكي يُرى، لا يلبث أن يبحث عن فضاء أوسع للرؤية.
من العلامة إلى آليات الفرجة الرقمية
لم تنعزل الطريقة الكركرية عن شروط العصر، بل أظهرت قدرة لافتة على استيعاب أحد أهم منطق، اقتصاد الانتباه. ففي فضاء تتزاحم فيه الصور وتتنافس الرموز على اقتناص العين، لا يكفي أن تكون الجماعة موجودة؛ ينبغي أن تكون قابلة للرؤية، وقابلة للتعرّف، وقابلة لإعادة الظهور. ومن هذه الزاوية تكتسب العلامة البصرية قيمة تتجاوز وظيفتها الهوياتية المباشرة.
فالزي المنسق والمميز يحقق التعرف الفوري، وتكراره على أجساد الأتباع يحول الجماعة إلى وحدة بصرية يسهل التقاطها واستحضارها في الصورة. ثم تأتي الكاميرا لتثبّت هذا الحضور، وتمنحه المنصات الرقمية قابلية التكرار والانتشار. وهكذا ينتقل الرمز من الجسد إلى الصورة، ومن الصورة إلى الذاكرة البصرية؛ ويغدو الطقس الروحي، في أحد مستوياته، مشهداً قابلاً للتداول.
وهنا تكمن أهمية الطريقة في علاقتها بالعصر. فهي لا ترفض منطق الصورة، بل توظفه بكفاءة، وتدرك أن العلامة التي يمكن التعرف إليها بسرعة تمتلك قدرة أكبر على البقاء في المجال العام. غير أن هذا النجاح في استيعاب حداثة الوسائط يكشف في الوقت نفسه عن مفارقة بنيوية: إن حداثة الأداة لا تستلزم حداثة البنية التي تستخدمها. فقد تُستثمر أحدث تقنيات الاتصال لإعادة إنتاج علاقات تقليدية في السلطة والطاعة والاتباع، بل قد تمنح هذه العلاقات مدى أوسع وحضوراً أكثر كثافة مما كان متاحاً لها في المجال التقليدي.
وهكذا تكتمل الحركة التي بدأت بالثوب. يحمل المريد العلامة، والعلامة تنتج الصورة، والصورة توسّع حضور الجماعة، وحضور الجماعة يقود بالضرورة إلى مركزها الرمزي الذي هو الشيخ.
صورة الشيخ: سيميولوجيا الرفاه والاستثناء.
في قلب هذه المنظومة البصرية يقف «الشيخ»، بوصفه القطب الذي تدور حوله دلالات الحقل الرمزي كله. فالمرقعة لا تستمد معناها من القماش وحده، وإنما من المرجعية الروحية التي تمنحها دلالتها، والشيخ هو التجسيد الأبرز لهذه المرجعية. لذلك تصبح صورته امتداداً طبيعياً للعلامة التي يحملها المريد.
وحين ينتقل حضور الشيخ إلى المجال العام عبر الصورة الرقمية، تصبح الأمكنة التي يظهر فيها، وأسفاره، والفضاءات التي تحيط به، ومظاهر الرفاه التي تستوقف العين، عناصر في بناء صورته العامة. وليس المقصود هنا مساءلة حقه في السفر أو الاستمتاع أو امتلاك ما يملك؛ فالمسألة أعمق من الحكم الأخلاقي على الرفاه. ما يهم هو المعنى الذي تنتجه الصورة حين تتكرر وتصبح جزءاً من الحضور العام للشيخ.
هنا تظهر المفارقة، إن المريد يحمل على جسده علامة تستدعي الزهد والتخفف، فيما تقدم صورة الشيخ عالماً من الوفرة والامتياز. لا يتعلق الأمر بتناقض ضروري بين الفقر والروحانية أو بين اليسر والزهد، وإنما بالفارق بين ما يقوله الزي وما تقوله الصورة. فالمرقعة تُنتج دلالة التقشف، بينما تنتج الصورة دلالة الاستثناء.
وبالمعنى الذي أعطاه رولان بارت لـ«الأسطورة»، لا تبقى الصورة مجرد تسجيل لواقعة أو لحظة عابرة؛ إذ يمكن لتكرارها أن يحول الرفاه إلى جزء من صورة الشيخ ومكانته. وهنا تصبح الصورة نفسها أداة في صناعة الهيبة والاقتداء. فالشيخ لا يحضر فقط بوصفه صاحب تعاليم، وإنما بوصفه صورة تتكرر وتُستهلك وتترسخ في الوعي.
ومن ثم فإن السؤال لا يعود متعلقاً بما إذا كان الشيخ زاهداً أم مترفاً، وإنما بما تفعله الصورة في بناء السلطة الروحية. فحين يتحول الشيخ إلى صورة، تتحول القدوة نفسها إلى مشهد؛ وحين تصبح المرقعة علامة والصورة سلطة، تكتمل هندسة الفرجة.
خاتمة: في أزمة الحداثة الشكلية تكشف هذه القراءة عن مفارقة تتجاوز المرقعة نفسها.
إن الكركرية سليلة هذا العصر؛ عصر أصبحت فيه الصورة وسيلة أساسية لصناعة الهوية وإثبات الحضور. وقد أحسنت استخدام أدواته. ثوب مميز وصور متكررة، وحضور واسع في وسائل التواصل. غير أن هذا الاستخدام الذكي لأدوات العصر يطرح سؤالاً أبعد من الوسيلة نفسها: ماذا يحدث للروحانية حين تصبح الصورة جزءاً من طريقة تقديمها إلى الناس؟
هنا تظهر مفارقة الحداثة الشكلية. يمكن لجماعة أن تستخدم أحدث وسائل التواصل، وأن تبدو شديدة الحضور في العالم الرقمي، فيما تظل علاقتها بالشيخ والاتباع محكومة بمنطق تقليدي راسخ. وهكذا تنتقل المرقعة من ثوب إلى علامة، والعلامة إلى صورة، والصورة إلى وسيلة لترسيخ حضور الجماعة وشيخها.
لذلك لا يتعلق السؤال برفض الصورة أو إدانة الرفاه في حد ذاته، وإنما بالمسافة بين ما يُعاش وما يُعرض. ماذا يحدث للزهد حين يصبح له ثوب مصمم وصورة متداولة؟ وماذا يحدث للقدوة حين يصبح حضور الشيخ أمام أتباعه مرتبطاً، إلى هذا الحد، بما تراه العين؟
ربما هنا تكمن المسألة كلها. فحين يصبح الزهد شيئاً يُرى قبل أن يكون شيئاً يُعاش، تتحول المرقعة من أثر للحياة إلى صناعة للعلامة، ويتحول التصوف من تجربة في الروح إلى مشهد في الصورة. وهنا تكتمل «هندسة الفرجة».
اترك تعليقاً