وجهة نظر

المواطنة الناقصة وإشكالية التمثيل السياسي لمغاربة العالم

مقدمة

تطرح مسألة المشاركة السياسية للجاليات والمهاجرين في أوطانهم الأصلية إحدى أعقد تحديات التحول الديمقراطي وإعادة تعريف مفاهيم “المواطنة العابرة للحدود” في الفكر السياسي والمقتربات القانونية الحديثة. وفي السياق المغربي، تكتسي هذه الإشكالية بعداً خاصاً بالنظر إلى الثقل الديمغرافي والاجتماعي والاقتصادي للهجرة المغربية، والمقابَل بعثرات وتأجيلات متكررة في بلورة مشاركة سياسية فعلية ومباشرة.

يعالج بيان “المجلس المدني الديمقراطي للهجرة المغربية” المؤرخ في 24 غشت 2026، والموسوم بشعار “لا بديل عن التصويت المباشر، ولا نقبل بالتصويت بالوكالة”، هذه القضية بالتزامن مع التحضير للانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في 23 شتنبر 2026.

تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة تفكيكية وتحليلية نقدية لمضمون البيان الصادر عن المجلس المدني الديمقراطي للهجرة المغربية، من خلال تفكيك الخطاب المطلبي، واستكشاف البنية المفاهيمية المؤطرة له، ومقاربة الأبعاد الدستورية والسياسية والسوسيولوجية المؤثرة في إشكالية التمثيلية السياسية لمغاربة العالم. ولتحقيق هذه الغاية، ينتظم معمار الورقة عبر أربعة محاور متكاملة؛ يتناول المحور الأول السياق السياسي والدستوري الصانع لمضمون البيان ورصد مفارقة النص والإجراء، فيما يخصص المحور الثاني للتفكيك المفاهيمي وبنية الخطاب عبر تسليط الضوء على المقابلة الضدية بين مواطنة الحقوق ومواطنة الواجبات، في حين يتكفل المحور الثالث بتقديم مقاربة نقدية سوسيولوجية وقانونية تفكك عوائق التمثيل السياسي (الدستورية، واللوجستية، والحزبية)، لتخلص الورقة في محورها الرابع إلى استجمام الاستنتاجات النظرية وصياغة أفق التوصيات الأكاديمية الكفيلة بتجاوز معضلة المواطنة الناقصة وترسيخ المشاركة الشاملة.

أولاً: السياق السياسي والدستوري لمضمون البيان

يستند البيان في طرحه المفهومي والنضالي إلى مرجعية المقتضيات الدستورية لجمود وتناقض الممارسة التشريعية الإجرائية. فبالرغم من أن دستور المملكة لسنة 2011 أقر في مواده (خاصة الفصول 16 و17 و18 و163) بحقوق المواطنة الكاملة للمغاربة المقيمين بالخارج، بما فيها حق المشاركة الانتخابية ترشيحاً وتصويتاً، إلا أن النص القانوني والتنظيمي المؤطر للانتخابات التشريعية لعام 2026 كشف عن إعادة إنتاج النموذج الذي اعتُمد في انتخابات سنة 2021. يُكرس هذا النموذج صيغة “التصويت بالوكالة” كحل تنظيمي بديل عن إحداث دوائر انتخابية بالخارج وتوفير آليات التصويت المباشر.

يتناول البيان هذه المفارقة باعتبارها تراجعاً سياسياً وإخلالاً بالنسق الدستوري. ويميز البيان بين خيارين أساسيين في الممارسة الديمقراطية العابرة للحدود:
المشاركة الصورية/المقيدة: وتتمثل في التصويت بالوكالة، حيث تُختزل الإرادة الانتخابية للمواطن بالخارج في تفويض إجرائي داخلي يفقد العملية خصائص النزاهة وسرية الاقتراع وحرية الاختيار.

المشاركة الفعلية/الشاملة: وتفترض التسجيل في لوائح انتخابية خاصة بالخارج، وإحداث دوائر انتخابية مستقلة في بلدان الإقامة، وتمكين المهاجرين من الترشح والتمثيل السياسي المباشر في المؤسسة التشريعية والمؤسسات الدستورية المعنية بصناعة القرار.

الخلاصة: كشفت الترتيبات الانتخابية لعام 2026 عن اتساع الفجوة بين النص الدستوري المشيد بمواطنة مغاربة العالم الكاملة، وبين الواقع التنظيمي الذي كرر تجربة 2021 بالإبقاء على التصويت بالوكالة كمشاركة صورية بديلة عن الاقتراع والترشح المباشر في دوائر بالخارج.

ثانياً: التفكيك المفاهيمي وبنية الخطاب في البيان

يتوسل الخطاب المطلبي للبيان باستراتيجية نقدية قائمة على تقنيات التفكيك والمقابلة المفاهيمية، وذلك كآلية تحليليّة لكشف التعارضات الثاوية خلف التعاطي الرسمي مع ملف المهاجرين ومغاربة العالم. فبدل الاكتفاء بالسرد المطالبي التقليدي، يعمد البيان إلى بناء مرافعة مفاهيمية تُظهر المسافة الفاصلة بين الخطاب الرسمي والتطبيق الإجرائي، من خلال وضع المقولات الحاكمة للسياسات الانتخابية في موضع تقابل نقدِي مع البدائل التأسيسية التي يطرحها المجلس.

ويهدف هذا التفكيك المفاهيمي إلى إعادة تعريف قضية مشاركة مغاربة العالم باعتبارها مسألة مشروعية ديمقراطية ومواطنة دستورية أصلية، لا مجرد ملف لوجستي أو تدبير إداري ظرفي. ويمكن اختزال بنية هذه الثنائيات الضدية المؤطرة للخطاب في الجداول والمفاهيم الشارحة التالية:

 

يتضح من خلال هذه المقابلة التفكيكية أن البيان ينقل النقاش من خانة “المطالب التقنية والإجرائية” إلى خانة “الحقوق السياسية والدستورية الأصلية”. فالاعتماد على صيغة التصويت بالوكالة يمثل -حسب تحليل البيان- مظهراً من مظاهر اختزال المواطنة في بعدها الاقتصادي والمالي (تحويلات مغاربة العالم، الاستثمار، الربط الثقافي) مع تحييد البعد السياسي المتعلق بالمساءلة وصناعة القرار التشريعي.

الخلاصة: ارتكز خطاب البيان على تقنية الثنائيات الضدية لنقل النقاش من بُعده الإجرائي التقني إلى بُعده السياسي الأصيل؛ مُفنداً اختزال المواطنة في الواجبات التنموية والمالية، ومُطالباً بمواطنة كاملة غير قابلة للتجزئة تشمل صناعة القرار العمومي.

ثالثاً: المقاربة النقدية الأكاديمية لإشكالية التمثيل السياسي

تتجاوز القراءة الأكاديمية النقدية للبيان ظاهرة الانفعال السياسي الإجرائي المباشر، لتسبر أغوار المعضلة الهيكلية التي تُقَيِّد المشاركة السياسية للمغاربة المقيمين بالخارج وتُحولها إلى مسألة شائكة ومؤجلة باستمرار. فمن خلال تفكيك المضامين والخلفيات التي يُثيرها النص، يتضح أن إشكالية التمثيلية الانتخابية لمغاربة العالم ليست مجرد تعثر تقني طارئ يرتبط بمناسبة انتخابية محددة (انتخابات 23 شتنبر 2026)، بل هي نتاج تداخل معقد ومجتمعي لثلاثة أبعاد رئيسية تتشابك فيما بينها لتشكل ملامح الكوابح المؤسساتية والسياسية الحاكمة للملف؛ وتتمثل هذه الأبعاد في: البعد القانوني والدستوري المتعلق بفجوة التفعيل، والبعد اللوجستي والمؤسساتي المترتبط بكلفة الإرادة السياسية، فضلاً عن البعد السوسيولوجي والسياسي المحدد لتمثلات وتوجسات الفاعل الحزبي والسياسي المحلي تجاه الكتلة الناخبة بالخارج.

البعد القانوني والدستوري (فجوة التفعيل)

تشير أدبيات القانون الدستوري إلى وجود مسافة بين “المواطنة النصية” و”المواطنة الإجرائية”. بالرغم من سمو المواثيق الدستورية المغربية لعام 2011، إلا أن القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب والأحزاب السياسية ما زالت تعيد إنتاج آليات تمنع البرهنة العملية على هذا الاستحقاق. البيان يضع الإطار التشريعي أمام مسؤولية سياسية وتاريخية مشتركة للفاعلين المؤسساتيين والحزبيين الذين صادقوا على التشريعات الانتخابية الخاصة بانتخابات 23 سبتمبر 2026.

البعد اللوجستي وسياسات الدولة (كلفة الإرادة السياسية)

تتذرع الدوائر الرسمية غالباً بالعقبات اللوجستية، والأمنية، والدبلوماسية المتعلقة بتنظيم الاقتراع المباشر في دول الإقامة الأجنبية، إضافة إلى التعقيدات القانونية المتعلقة بالسيادة الوطنية لكل دولة. غير أن القراءة النقدية للبيان تُبرز أن التذرع بالتحديات اللوجستية يحجب في الجوهر غياب الإرادة السياسية القاطعة. فالعديد من التجارب المقارنة برهنت على إمكانية إرساء نظام انتخابي خاص بالمواطنين المقيمين بالخارج عبر البعثات الدبلوماسية والقنصلية أو الآليات الرقمية الحديثة.

البعد السوسيولوجي والسياسي (توجس الفاعل الحزبي)

تتمحور العوائق غير المعلنة حول نمط سلوك الكتل الناخبة بالخارج؛ حيث تتميز الكتلة الناخبة للمهاجرين باستقلالية نسبية عن شبكات الاستقطاب التقليدية وعلاقات الزبونية الانتخابية السائدة محلياً. هذا التخوف من عدم القدرة على ضبط أو توقع المخرجات الانتخابية لدوائر الخارج يجعل الفاعلين الحزبيين التقليديين يفضلون الإبقاء على الوضع القائم (التصويت بالوكالة)، لضمان توجيه الأصوات لصالح خريطة انتخابية محددة داخلياً.

الخلاصة: ترجع معضلة حرمان المهاجرين من التصويت المباشر إلى ثلاثة أبعاد متداخلة: دستوري يرتبط بقصور القوانين التنظيمية، ولوجستي يتذرع بالتحديات التنظيمية للتغطية على غياب الإرادة السياسية، وسوسيولوجي سياسي يعكس توجس الأحزاب التقليدية من كتلة ناخبة مستقلة يصعب ضبط مخرجاتها الانتخابية.

رابعاً: الاستنتاجات والتوصيات

إن قراءة بيان المجلس المدني الديمقراطي للهجرة المغربية في سياق انتخابات شتنبر 2026 تخلص إلى مجموعة من النتائج والتوصيات الإصلاحية:
تجاوز منطق التجزئة في المواطنة: يمثل الحرمان من ممارسة الحقوق السياسية بشكل مباشر تعارضاً هيكلياً مع مفهوم الديمقراطية التشاركية والشاملة.
تعديل المنظومة التشريعية: ملاءمة القوانين التنظيمية للانتخابات مع الأحكام الدستورية الصريحة، عبر سن قوانين تقر بإحداث دوائر انتخابية بالخارج وتتيح التسجيل في لوائح انتخابية خاصة.

تطوير الآليات الانتخابية الحديثة: الاعتماد على التقنيات الإلكترونية المتقدمة والتصويت الرقمي المنسق، أو التصويت البريدي والأنظمة القنصلية المباشرة لضمان النزاهة والسرية والحد من التدخلات.

تأسيس الشراكة المؤسساتية: الانتقال العملي وترجمته تشريعيا من نظرة اعتبار المهاجر مكرساً للوظائف المالية والدبلوماسية الموازية إلى اعتباره شريكاً سياسياً ومواطناً كاملاً في اختيار ممثلي الأمة وصناعة السياسات العمومية.

الخلاصة: يستوجب تجاوز “المواطنة الناقصة” إقرار إصلاحات تشريعية ومؤسساتية شجاعة، تشمل إحداث دوائر انتخابية بالخارج، اعتماد التقنيات الرقمية والقنصلية الحديثة في الاقتراع، والانتقال بالمهاجر من صفة الممول والمستثمر إلى صفة الشريك السياسي الكامل.

خاتمة: من نقد “المواطنة الناقصة” إلى آفاق النضال التراكمي والمشاركة الممكنة

يعد البيان الصادر عن المجلس المدني الديمقراطي للهجرة المغربية صرخة نقدية واعية بضرورة إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة المغربية ومواطنيها في الخارج على أصل المساواة والكرامة والديمقراطية الكاملة. إن معالجة ملف المشاركة السياسية لمغاربة العالم لم تعد تحتمل التأجيل أو الالتفاف الإجرائي عبر آليات متهالكة كالتصويت بالوكالة. وإن تحقيق التحول الديمقراطي المنشود يفترض الشجاعة السياسية لتجاوز الحسابات الحزبية واللوجستية الضيقة والغير مبررة ، وتمكين هذه الفئة الوطنية من ممارسة حقها التاريخي والدستوري في تشكيل الإرادة الوطنية ومغرب المستقبل.

وبالرغم مما تم تشخيصه في البيان من أعطاب واختلالات تشريعية وإجرائية تشوب المنظومة الانتخابية، فإن العقلانيّة السياسية تقتضي ألا تُتَّخذ هذه التحفظات المشروعة مسوغاً للانكفاء أو مبرراً لممارسة المقاطعة والانسحاب من المشهد؛ بل إن الرهان الحقيقي يكمن في تغليب استراتيجية “المشاركة النقدية والمستمرة حسب المتاح” عبر الاستفادة القصوى من صيغ التصويت المتاحة حالياً لفرض الوجود الانتخابي بكثافة، وتحويل صندوق الاقتراع إلى منصة ضغط سياسي وميداني. إن خيار الانخراط المباشر والمكثف في الممارسة الانتخابية يمنح دينامية جديدة لمطالب مغاربة العالم، حيث يربط النضال الميداني والتراكم المطلبي بالتأثير المؤسساتي، متخذاً من المشاركة الحالية جسراً مرافقاً ومُوازياً للاستمرار في المرافعة الدستورية والحقوقية والتواصل السياسي، حتى إقرار منظومة انتخابية متكاملة تضمن التمثيلية المباشرة الشاملة والتصويت المباشر الذي يليق بالوزن التاريخي والوطني لمغاربة العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *