بوز: الاحتجاجات الاجتماعية انعكست على نتائج الانتخابات.. والمقاطعة امتداد لـ”نفور عام” (فيديو)
اعتبر أحمد بوز، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة انعكست على نتائج الانتخابات الأخيرة من خلال ثلاثة مستويات أساسية مرتبطة بنتائج بعض الأحزاب، والعقاب الانتخابي للحزب الذي يقود الحكومة، ثم اتساع دائرة العزوف عن التصويت.
وأوضح البوز، خلال حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق” الذي سيبث، اليوم الثلاثاء، على مختلف منصات “العمق المغربي”، أن نتائج حزب العدالة والتنمية واليسار، ولا سيما فيدرالية اليسار، “لا يمكن فصلها عن احتجاجات “جيل زد”، وعن “التمرد الاجتماعي”، بالنظر إلى أن هذه الأحزاب تقترب، بحسبه، من الفئات الاجتماعية التي كانت حاضرة في تلك الاحتجاجات.
وأضاف أن المعطى الثاني يتصل بما وصفه بـ”الزلزال” و”الهروب الكبير” والهجرة الجماعية نحو سبتة، معتبرا أن ذلك انعكس على نتائج التجمع الوطني للأحرار، باعتباره الحزب الذي كان في واجهة الحكومة، فضلا عن حضور رئيسه عزيز أخنوش في واجهة المشهد السياسي، مشيرا إلى أن الشعارات التي رفعت خلال تلك المرحلة كانت في جانب منها مناوئة للتجمع الوطني للأحرار ولقيادة الحكومة، وهو ما اعتبره مؤشرا على تعرض الحزب لـ”عقاب” انتخابي.
وفي هذا السياق، توقف البوز عند تراجع عدد مقاعد التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66 مقعدا، موضحا أن جزءا من هذا التراجع يرتبط بالمقاعد التي فقدها الحزب نتيجة انتقال عدد من النواب إلى الحزب المتصدر حاليا، الأصالة والمعاصرة، لكنه شدد في المقابل على أن الحملة الانتخابية شهدت “تركيزا نقديا تجاه التجمع الوطني للأحرار بصفة أساسية”.
وأوضح أن الناخب المغربي، وفق قراءته، “عادة لا يعاقبون الحزب لمجرد أنه مشارك في الحكومة بل يركزون على معاقبة الحزب القائد للأغلبية”، قبل أن يضيف أن هذا المعطى سبق أن ظهر في انتخابات 2021 بالنسبة إلى العدالة والتنمية، وظهر مجددا في الاستحقاقات الحالية بالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار.
أما المستوى الثالث، بحسب أستاذ العلوم السياسية، فيتعلق بتزايد عدد المقاطعين، معتبرا أن اتساع دائرة العزوف عن التصويت لا يمكن قراءته بمعزل عن “هذا التمرد والنفور العام”، الذي تظهر تعبيراته بشكل خاص لدى الفئات المتعلمة والشابة، وربط البوز بين هذه الفئات وبين عدد من الاحتجاجات التي عرفها المغرب، بما فيها احتجاجات “جيل زد” وقضية الهجرة نحو سبتة المحتلة، وخلص إلى أن العلاقة بين الاحتجاجات والنتائج الانتخابية، سواء تعلق الأمر بنتائج الأحزاب وترتيبها أو بنتائج المقاطعة، “مسألة لا تخطئها العين، ولا يمكن للتحليل أن يقفز عليها”.
وبخصوص تأثير العوامل الخارجية والتموقع الإقليمي والدولي للمغرب على السلوك الانتخابي، قال البوز إنه لا يعتقد أن السياسة الخارجية كانت “معطى محددا” في هذه الانتخابات، مشيرا إلى أن قضايا مثل القضية الفلسطينية والتطبيع لم تحضر بالقوة نفسها التي حضرت بها في انتخابات 2021.
وأوضح أن موضوع التطبيع كان حاضرا بقوة في انتخابات 2021، خصوصا بالنظر إلى ارتباطه آنذاك بحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة والأمين العام للحزب في تلك الفترة، الذي وقع اتفاقيات أبراهام، وهو ما أتاح، بحسبه، للخصوم والمنافسين استثمار القضية خلال الحملة الانتخابية.
أما في الانتخابات الحالية، فسجل البوز أن حضور هذه القضية اقتصر، إلى حد كبير، على محاولة الأمين العام للعدالة والتنمية عبد الإله بنكيران استثمار الخروج المثير لأحمد الشرعي دعما لفاطمة الزهراء المنصوري، وربط ذلك بموقف الشرعي من إسرائيل ودعوته إلى فوز الأصالة والمعاصرة، وما أعقب ذلك من رد فعل للمنصوري ومحاولتها النأي بنفسها عن معرفة الشخص الذي طالب برئاستها للحكومة.
وقال إن هذه الوقائع لم تؤشر، في المقابل، على استثمار واسع للقضايا الخارجية في الحملة الانتخابية، سواء تعلق الأمر بملف الحكم الذاتي أو قضية الصحراء، مشيرا إلى أن هذه الملفات “حتى في البرامج لم تكن حاضرة بشكل كبير”.
وربط البوز ذلك بما وصفه بوجود نوع من التسليم لدى الطبقة السياسية بأن هذه القضايا تندرج ضمن “مواضيع ملكية خالصة”، مؤكدا أنه لا يدخل في تقييم صحة هذا التمثل من عدمه، لكنه يعتبره حاضرا في طريقة تعاطي الأحزاب مع هذه الملفات.
وأضاف أن السياسة الخارجية لا تحضر عادة بالقدر نفسه في التدافع الانتخابي في كثير من البلدان، معتبرا أن طبيعة الواقع السياسي والحزبي والحملات الانتخابية في المغرب، فضلا عما وصفه بـ”التكنوقراطية” التي تطبع العملية الانتخابية، تجعل القضايا الكبرى، ومن بينها السياسة الخارجية، أقل حضورا في النقاش الانتخابي.
وانتقل البوز إلى قضية حقوق الإنسان، متسائلا عن مدى حضورها في البرامج الانتخابية وفي التدافع السياسي، قبل أن يوضح أن هذه القضايا، باستثناء بعض الخرجات والخطابات المحدودة لدى فيدرالية اليسار وربما حزب التقدم والاشتراكية، لم تكن حاضرة بقوة، مقابل بروز القضايا الاجتماعية والوضعية الاقتصادية وشعار الدولة الاجتماعية.
ولفت إلى أن حتى موضوع الهجرة لم يحظ، بحسبه، بالحضور الذي كان يفترض أن يحظى به بالنظر إلى سياق المرحلة، خصوصا في ظل قضية سبتة المحتلة، معتبرا أن هذه القضية “خطيرة جدا”، وأنها كانت تستحق، في تقديره، أن تكون موضوعا حاضرا في النقاش الانتخابي بالنظر إلى انعكاساتها على وعي جزء من الناخبين.
وأوضح البوز أن جزءاً من المواطنين ينظر إلى الانتخابات من زاوية مختلفة، بالقول إن البعض يرى أنه معني بما يحدث في المغرب لأنه حلمهم والغاية التي يطمحون إليها موجودة في مدينة مغربية محتلة”، معتبرا أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية والمباشرة والخدماتية، إلى جانب الضرائب والأسعار، كانت أكثر حضوراً وتأثيراً في تشكيل السلوك السياسي والانتخابي لدى شريحة واسعة من الناخبين.
وشدد البوز على أن قراءة السلوك الانتخابي المغربي لا يمكن أن تتم وفق نموذج واحد، مذكراً باستمرار حضور البنية العائلية والبنية القبلية في بعض المناطق، وإن كانت أقل حضوراً مما كانت عليه خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وقال إن “السلوك السياسي للمغاربة لا يمكن وضعه في سلة واحدة، ولا يمكن تطبيق وحدة تحليل محددة عليه”.
وأضاف أن محددات السلوك السياسي تظل حاضرة بقوة، وربما أكثر من السلوك السياسي القائم على الاختيار، موضحاً أن هذا الأخير يرتبط أساساً بالفئات المتعلمة التي تمتلك حداً أدنى من الوعي المعرفي، بما يفترض أن ينعكس على مستوى من الوعي السياسي، غير أن هذه الفئة، بحسبه، لا تمثل سوى جزء يسير من مجموع المشاركين في العملية الانتخابية، بينما يظل جزء آخر منها خارجها.
وأوضح أن عدم مشاركة هذه الفئات لا يعني بالضرورة أنها تمثل الأحزاب الداعية إلى المقاطعة، وإنما قد يكون تعبيراً عن سلوك تلقائي وقرار واعٍ بعدم المشاركة. وقال إن هذا القرار يمكن النظر إليه من زوايا مختلفة، إذ قد يعتبره البعض موقفاً سلبياً، فيما يمكن اعتباره، في المقابل، قراراً واعياً من جانب صاحبه.
وأشار إلى أن ضعف المشاركة في بعض البلدان قد يرتبط باعتبار الانتخابات والسياسة شأناً نخبوياً لا يعني عموم المواطنين، مستشهداً بالحالة الأمريكية، حيث ترتفع نسبة المشاركة عندما ترتفع الرهانات الانتخابية والسياسية، كما حدث في انتخابات 2016.
غير أنه اعتبر أن الحالة المغربية تختلف، قائلاً إن “هذا التعبير السياسي عن العزوف حاضر بقوة”، معرباً عن أسفه لعدم توفر استطلاعات الرأي خلال الفترة الانتخابية في المغرب، وهو ما لا يتيح، بحسبه، توفير معايير قياس دقيقة لفهم مواقف المغاربة، سواء الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع أو الذين اختاروا عدم التصويت، مؤكدا على أن الانطباع العام يعكس حضور هذه المسألة بقوة، معتبراً أن الطبقة السياسية والدولة ليستا غافلتين عن قضية العزوف الانتخابي واتساع دائرة المقاطعة.
اترك تعليقاً