أخبار الساعة، سياسة

قريش: قضية الصحراء دخلت مرحلة الحسم النهائي والحكم الذاتي انتقل من المبادرة المغربية إلى المسار الأممي

اعتبر إدريس قريش، الوزير المفوض المتقاعد بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن قضية الصحراء المغربية دخلت “مرحلة الحسم النهائي”، مؤكدا أن المسار الذي أطلقه قرار مجلس الأمن رقم 2797 لم يعد يترك مجالا للعودة إلى الصيغ التي طبعت تدبير الملف خلال سنوات الحرب الباردة، وأن النقاش بات يتجه نحو التفاوض بشأن مضمون الحكم الذاتي وضماناته الدولية وآليات تنزيله.

وأوضح قريش، في حوار حصري مع جريدة “العمق”، أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الصادر في فاتح أكتوبر الجاري، يشكل مؤشرا واضحا على هذا المنعطف، بعدما كشف، بحسب قراءته، عن انتقال النقاش في المفاوضات المباشرة بين المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، برعاية المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، إلى تفاصيل عملية تشمل التوافق بشأن مرحلة انتقالية محتملة، ومجلس انتقالي، واتفاق إطار بضمانات دولية.

وأكد قريش أن القرار 2797 يمثل “الأساس المحوري” للمسار الحالي، معتبرا أن الحكم الذاتي تجاوز كونه مجرد مبادرة مغربية مطروحة على طاولة الأمم المتحدة، ليصبح، وفق تعبيره، مرجعا تدار على أساسه المفاوضات برعاية المنظمة الدولية.

ويستند قريش في ذلك إلى التحول الذي عرفه مضمون المبادرة منذ تقديمها سنة 2007، إذ يرى أن الحكم الذاتي، الذي كان آنذاك “مبدأ عاما غير مفصل”، أصبح اليوم يقدم تصورا موسعا يؤطره المغرب في وثيقة تناهز أربعين صفحة.

 قضية الاستفتاء تم إقبارها نهائيا وشعارات الحرب الباردة طمرها القرار 2797

وفي قراءته للمسار التاريخي للقضية، يرى قريش أن المغرب عاش، خلال فترة الحرب الباردة، مرحلة عزلة دولية خانقة، قائلا: “كنا مطوقين دوليا”، في مواجهة الكتلة الشرقية التي استعملت، بحسبه، شعارات الاستفتاء وتقرير المصير وحرية الشعوب أدوات في الصراع الأيديولوجي.

وأشار إلى أن الصيغ التي حكمت النقاش خلال تلك المرحلة فقدت مكانتها تدريجيا، معتبرا أن ما تبقى من النقاش ينبغي أن ينصب على تفاصيل تنزيل المقترح الموسع وأجرأته، إلى جانب التشاور مع سكان الأقاليم المعنية بعد إرساء الحل.

وأضاف أن المغرب، من وجهة نظره، لا يمكن أن يرفض “استشارة سكانية معقولة قانونيا”، ما دامت تندرج في إطار الحل السياسي الذي يتم التوصل إليه.

وأوضح قريش أن الدول العظمى، وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة، كانت، بحسب قوله، ترفض تزويد المغرب بأسلحة هجومية، مكتفية بتوفير وسائل دفاعية تحت ذريعة “النزاع الإقليمي”.

وأضاف، مستحضرا تجربته الدبلوماسية: “القوة الوحيدة التي كانت عندنا هي قوة ربانية وحكمة المغفور له الملك الحسن الثاني”.

واستحضر قريش أن المغرب، حين قدم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، لم يكن، وفق معطياته، يحظى سوى بدعم 22 دولة من أصل 160 داخل الجمعية العامة، مقابل نحو 140 دولة اليوم، معتبرا أن “المغرب استطاع، رغم الظروف الدولية الصعبة، أن يصمد ويحافظ على تماسكه”.

كما استشهد بما قال إنه ورد في الفقرة السادسة من القرار، معتبرا أن المغرب بات يحظى “بدعم لوجيستي ومالي ودبلوماسي وعسكري من طرف القوى الكبرى، باعتباره فاعلا أساسيا في هندسة الاستقرار في غرب المتوسط والساحل والصحراء”.

وخلص قريش إلى أن هذا التحول من “مرحلة الدفاع” إلى “مرحلة التموقع القوي” هو نتاج مسار طويل من “المجهودات الدبلوماسية المغربية والتضحيات التي قدمها المغاربة”، مشيرا إلى أن المكتسبات التي حققها المغرب ذات طبيعة سيادية، وتشكل، في نظره، أحد أوجه الانتصار الذي تكلل بمسار الوحدة الوطنية.

“لا وطنية لمن يعادي الوحدة الترابية”

ويرى قريش أن أحد أبرز المكاسب التي تحققت للمغرب منذ المسيرة الخضراء يتمثل في تنامي الوعي السياسي والوطني لدى سكان الأقاليم الجنوبية، معتبرا أن المشاركة في مختلف الاستحقاقات التشريعية والمحلية جسدت، في نظره، مستوى النضج السياسي الذي بلغه سكان هذه الأقاليم.

وقال إنه، سواء خلال عمله الدبلوماسي في الخارج أو أثناء وجوده داخل المغرب، كان يلمس لدى سكان المناطق الجنوبية ما وصفه بـ”الحس السياسي والحس الوطني”، أو ما عبر عنه بالفرنسية بـ”la fibre politique” و”la fibre patriotique”.

وشكك المتحدث ذاته في وطنية أي طرف يعادي الوحدة الترابية، مؤكدا أنها تمثل “مخزوننا الوطني النضالي”، وأن الذاكرة الوطنية تشكل جزءا أساسيا من فهم القضية.

وشدد على أن المسؤولية عن الدفاع عن الوحدة الترابية لا تعود إلى شخص أو مؤسسة أو حزب بعينه، موجها، في الوقت ذاته، انتقادات حادة إلى من وصفهم بـ”المتطاولين على المغرب”، بمن فيهم بعض وسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني، داعيا إلى عدم التحول إلى “بندقية للكراء للخارج”، والتشبث بالانتماء الوطني.

من مصلحة المغرب أن يكون الحكم الذاتي “حقيقيا بضمانات دولية قوية جدا”

ويولي قريش أهمية خاصة لفكرة المجلس الانتقالي التي أثيرت خلال المفاوضات، معتبرا أنه ينبغي قراءتها ضمن السياق العام للمرحلة التي يجري بحثها.

وأوضح أن هذا المجلس، وفق التصور الذي يناقشه التقرير كما يقرأه قريش، يمكن أن يتولى تدبير المرحلة الانتقالية، ويوفر في الوقت ذاته فضاء للتفاوض بشأن تفاصيل الحل السياسي والانتقال إلى الترتيبات العملية.

ومن زاوية حقوقية، شدد قريش على أن أي حل لا يمكن أن يكتفي بإعلان الحكم الذاتي، بل ينبغي أن يحدد آليات تنفيذه وضماناته، وأن يكون “مستوفيا لأعلى المعايير الدولية”، لأن ذلك، بحسبه، يصب في مصلحة المغرب نفسه.

وفي هذا الصدد، أوضح قريش أن المقصود بأن يكون الحكم الذاتي “حقيقيا بضمانات دولية قوية جدا” هو التوصل إلى تسوية عملية ودائمة تمنحه مشروعية دولية تحصنه من أي تراجع مستقبلي.

ويرى قريش أن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ سيطرح ملفات أكثر تعقيدا من مجرد الاتفاق على المبادئ، وفي مقدمتها تفكيك البنية المسلحة لجبهة البوليساريو ونزع سلاحها، ثم إعادة إدماج المغاربة الموجودين في مخيمات تندوف داخل وطنهم.

ووصف هذه المرحلة بأنها “الأصعب على الإطلاق”، بالنظر إلى ما ستتطلبه، في تقديره، من ترتيبات سياسية وأمنية واجتماعية، ومعالجة لمختلف الآثار التي خلفها النزاع طوال عقود.

وفي معرض حديثه عن حجم التورط المالي والسياسي للجزائر في الملف منذ سنة 1975، استحضر قريش عبارة “مال قارون” التي سبق أن استخدمها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.

وأورد قريش تقديرا لحجم هذا التورط قال إنه يستند إلى “مصادر استخباراتية أجنبية موثوقة”، ويبلغ نحو 700 مليار دولار.

وشدد قريش على أن الجزائر ساهمت، بحسب رأيه، تاريخيا في صناعة الأزمة، لكنها “لا تعرف كيف تبني مخرجا سياسيا منها”، معتبرا أن ما تبقى أمامها هو “استمرار المناورات السياسية والخطاب الذي دأبت عليه خلال العقود الماضية”.

وأضاف أن المشكلة الأساسية، من وجهة نظره، تكمن في غياب “ثقافة الدولة” في تدبير الأزمة، وهو ما يفسر، وفق قراءته، استمرار الارتجال في المواقف والمقاربات.

وخلص قريش إلى أن المسار الحالي يتجه، في تقديره، نحو “نقطة اللاعودة”، وأن النزاع دخل “مرحلة الحسم النهائي دون نقاش”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *