اقتصاد، مجتمع

بعد منعه بإقليم طاطا.. الدلاح يشعل نقاش تقنين الزراعات المستنزفة للمياه بزاكورة

بعد منعه بإقليم طاطا.. الدلاح يشعل نقاش تقنين الزراعات المستنزفة للمياه بزاكورة

في سياق يتسم بتوالي سنوات الجفاف وتزايد الضغط على الموارد المائية، يعود ملف زراعة البطيخ الأحمر (الدلاح) إلى واجهة النقاش بإقليمي زاكورة، وسط مطالب بإعادة النظر في تدبير الزراعات المستنزفة للمياه، بما يضمن حماية الفرشات المائية والواحات، ويحد من الاختلالات المرتبطة باستغلال الأراضي والمساحات المسقية.

ويأتي هذا النقاش بالتزامن مع اجتماع دعت إليه عمالة إقليم زاكورة، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، لدراسة وضعية الواحة وتقنين الفلاحة والمساحة المسقية بالإقليم، بمشاركة مختلف المتدخلين في القطاع الفلاحي، من سلطات محلية ومنتخبين وممثلي الجمعيات والتعاونيات الفلاحية والفلاحين ونواب الجماعات السلالية، إلى جانب المهتمين بالشأن الفلاحي.

وحسب المراسلة الإدارية الموجهة إلى عدد من المسؤولين الترابيين بالإقليم، فإن الاجتماع يندرج في إطار التدابير الاحترازية الرامية إلى ترشيد استعمال الموارد المائية والتكيف مع حالة الإجهاد المائي، مع مراعاة الظروف المناخية والاجتماعية لساكنة الإقليم ووضعية الفرشات المائية بالأحواض المعنية.

ولا ينفصل هذا الموعد عن النقاش الأوسع الذي يثيره ملف زراعة الدلاح بالجنوب الشرقي للمملكة، خصوصا في ظل التحديات التي تواجه الواحات، وما يرافق تدبير النشاط الفلاحي من مطالب بتحقيق التوازن بين استمرارية الإنتاج الزراعي والحفاظ على الموارد الطبيعية وحقوق الساكنة المحلية.

ويكتسي النقاش الدائر بزاكورة أهمية إضافية في ضوء المستجدات التي شهدها إقليم طاطا، حيث أصدر عامل الإقليم محمد باري قرارا عامليا، أمس الإثنين، يقضي بالمنع المؤقت لزراعة البطيخ بمختلف أنواعه، إلى جانب الزراعات الموسمية المستنزفة للفرشة المائية خارج الواحات، خلال الموسم الفلاحي 2026-2027.

وبينما اتجهت التدابير المعلنة بطاطا إلى منع زراعة البطيخ خارج المجال الواحي خلال الموسم المقبل، تتجه الأنظار بزاكورة إلى مخرجات الاجتماع المرتقب، وما إذا كان سيقود إلى مراجعة نظام تقنين المساحات المزروعة، أو اتخاذ إجراءات أكثر تشددا تتلاءم مع وضعية الموارد المائية بالإقليم.

ولا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في التدبير الإداري بين إقليمين متجاورين، بل يطرح سؤالا أوسع بشأن مدى قدرة القرارات المحلية على الحد من الضغط على الفرشات المائية، وضمان تطبيق القواعد المنظمة للنشاط الفلاحي بصورة منصفة، مع مراعاة خصوصية كل منطقة وحاجيات ساكنتها.

وفي سياق النقاش الدائر بزاكورة، عبّر الفاعل الحقوقي محمد لمين الأبيض، عن دعمه للمجهودات التي تبذلها السلطات الإقليمية في مجال إنعاش الواحات، مشيرا إلى أن هناك برنامجا لإحيائها بغلاف مالي يبلغ 13 مليون سنتيم، باعتباره خطوة أولية ضمن الجهود الرامية إلى حماية المجال الواحي.

واستحضر لمين الأبيض في تصريح لجريدة “العمق”، تجربة إقليم طاطا، مبرزا أن التدابير المتخذة هناك للحد من زراعة البطيخ تمثل، في نظره، نموذجا يستحق النقاش عند تقييم السياسة المعتمدة بزاكورة، خصوصا في ما يتعلق بمدى احترام القرارات الإدارية والحد من الاستغلال المفرط للموارد المائية.

وفي المقابل، انتقد المتحدث نظام تقنين المساحات المسقية المعمول به بالإقليم، معتبرا أن تحديد المساحة المسموح باستغلالها في هكتار واحد لا يحقق أهدافه بالشكل المطلوب، في ظل ما وصفه بتجاوزات في استغلال الأراضي وعمليات الري، فضلا عن اختلالات في المراقبة والتطبيق.

من جهة اخرى، دعا إلى عدم اختزال النقاش في الفلاحين الصغار، مؤكدا أن الإشكال، بحسب تقديره، يرتبط أيضا بمدى احترام كبار المستثمرين والفاعلين في القطاع للضوابط المنظمة للزراعة والري.

وفي هذا الصدد، تحدث عن وجود تفاوت، وفق روايته، بين الفلاحين الذين يلتزمون بالمساحات المحددة وآخرين يواصلون الاستغلال خارج الحدود المسموح بها، مطالبا بتفعيل المراقبة على نحو يضمن تطبيق القرارات على جميع المعنيين دون استثناء.

ولم يقتصر انتقاد الفاعل الحقوقي على الجانب المائي، بل امتد إلى ما اعتبره انعكاسات اجتماعية ومجالية لنظام استغلال الأراضي، محذرا من أن الاختلالات المحتملة في تطبيق قرارات التقنين قد تساهم في تأجيج النزاعات بين القبائل والمجموعات السلالية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأراضٍ تخضع لتحديدات إدارية أو ترتبط بحقوق استغلال متنازع بشأنها.

واعتبر الحقوقي أن حماية الواحات تقتضي، إلى جانب تنظيم الزراعات، معالجة الإشكالات المرتبطة باستغلال الأراضي وضمان احترام الحقوق القانونية لأصحابها، بما يحول دون استفادة بعض الفاعلين من وضعيات قد تضر بمصالح الفلاحين الصغار.

كما أثار المصدر عينه إشكالية العلاقة بين الفلاحين الصغار والممولين والوسطاء في سوق البطيخ، مشيرا إلى ما وصفه باختلال موازين القوة خلال الموسم الفلاحي، سواء على مستوى التمويل أو تسويق المحصول أو تحديد الأسعار.

وبحسب المتحدث، فإن هذه الإكراهات تجعل الفلاح الصغير عرضة لضغوط مالية وتسويقية، خاصة عندما يجد نفسه مضطرا إلى الاعتماد على التمويل الخارجي أو تقديم شيكات ضمانا لتكاليف الإنتاج، قبل أن يواجه تقلبات أسعار المحصول عند حلول موسم الجني والتسويق.

وفي هذا الإطار، عبّر الفاعل الجمعوي عن ثقته في السلطات الإقليمية، داعيا إلى اتخاذ القرار الذي تفرضه المعطيات المائية والبيئية، بعيدا عن أي ضغوط محتملة، ومشددا على ضرورة التمييز بين الفلاح البسيط الذي يعتمد على النشاط الزراعي لتأمين معيشته، والممارسات التي يرى أنها تتجاوز الضوابط المنظمة لاستغلال الأراضي والمياه.

وختم لمين الأمين تصريحه، بالقول إن هناك إمكانية اعتماد مقاربة تتيح منع زراعة الدلاح خارج الواحات، مع السماح بها داخل المجال الواحي وفق ضوابط واضحة، لافتا إلى أن مثل هذا التوجه يستدعي دراسة دقيقة لمدى انسجامه مع أهداف حماية الواحات وترشيد استهلاك المياه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *