سياسة

خارج الحقائب الوزارية.. غياب “المغرب العميق” يضع المنصوري أمام امتحان الإنصاف

خارج الحقائب الوزارية.. غياب “المغرب العميق” يضع المنصوري أمام امتحان الإنصاف

يثير غياب حقيبة وزارية مستقلة تعنى بالعالم القروي والمناطق الجبلية والهوامش الترابية من الهندسة الحكومية الجديدة أسئلة جوهرية حول موقع العدالة المجالية في سلم أولويات حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومدى قدرتها على تحويل شعار التنمية المنصفة إلى سياسات عمومية ملموسة، تنهي اختلالات توزيع الثروة والاستثمار والخدمات بين مختلف مناطق المغرب.

فبين اتساع الفوارق المجالية واستمرار الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية، يطرح هذا الغياب إشكالية المسؤولية السياسية عن تنمية المجالات الأقل استفادة من ثمار الاستثمار العمومي، ويعيد إلى الواجهة سؤالا أعمق: هل تملك الحكومة رؤية مؤسساتية واضحة لإنصاف هذه المناطق، أم أن تدبير قضاياها سيظل موزعا بين قطاعات وزارية متعددة، بما قد يفضي إلى تشتت المسؤوليات وتداخل الاختصاصات؟

لا يتعلق الأمر بمجرد إضافة حقيبة وزارية إلى لائحة القطاعات الحكومية أو إعادة ترتيب الأسماء والاختصاصات، بل بمدى حضور العالم القروي والمناطق الجبلية والواحات والهوامش الترابية في صلب التصور التنموي للحكومة.

فهذه المجالات لا تزال تواجه اختلالات متراكمة في الولوج إلى الصحة والتعليم والنقل والماء وفرص الشغل، في مقابل تمركز جانب مهم من الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية والخدمات في المراكز الحضرية الكبرى.

والأكثر إثارة للقلق أن استمرار هذه الفوارق لا يعكس فقط تفاوتا في مستوى التجهيز، بل يكشف أيضا عن محدودية قدرة السياسات العمومية على استيعاب الخصوصيات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية للمناطق الهشة، التي تتطلب استثمارات أكبر وتدخلا أكثر تنسيقا لضمان الحد الأدنى من تكافؤ الفرص.

ومن هنا، يصبح خطر تكريس ما يمكن تسميته بـ”مغرب السرعتين” أكثر من مجرد توصيف بلاغي؛ إذ يعبر عن واقع تتحدد فيه فرص المواطنين في الاستفادة من التنمية، إلى حد بعيد، بحسب المجال الترابي الذي ينتمون إليه.

فحين يظل الولوج إلى الخدمات الأساسية مرتبطا بمكان الإقامة، وحين تتحول المسافة الجغرافية إلى عائق أمام العلاج أو التمدرس أو التنقل، فإن مبدأ المساواة بين المواطنين يفقد جزءا من مضمونه العملي.

ولا يمكن للحكومة أن تتحدث عن تنمية مندمجة ومستدامة من دون مساءلة فلسفة توزيع الاستثمارات العمومية، أو من دون الاعتراف بأن المساواة المجالية لا تتحقق بتوزيع الموارد بالتساوي، وإنما بتوجيهها وفق حجم الخصاص ودرجة الهشاشة والحاجيات الفعلية لكل منطقة.

ويزداد هذا النقاش إلحاحا في ضوء التوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية، يوم 9 أكتوبر 2026، والذي أعاد التأكيد على أهمية اللامركزية واللاتمركز الإداري، منبها إلى أن التأخر والاختلالات التي تعترض تنزيلهما تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعرقل الاستجابة لانشغالات المواطنين.

ويضع هذا التوجيه الحكومة الجديدة أمام اختبار يتجاوز إعلان النوايا، يتمثل في قدرتها على معالجة أعطاب التدبير الترابي، ونقل الصلاحيات والموارد إلى مستويات القرار الأقرب إلى المواطنين.

فكيف يمكن الحديث عن تنمية تستجيب لخصوصيات المجالات الترابية، في ظل استمرار تمركز جانب من الاختصاصات والموارد، وتعقيد المساطر، وتعدد المتدخلين، وبطء تنفيذ المشاريع؟ وأي جدوى من تقريب الإدارة من المواطنين إذا لم يقترن ذلك بتمكين المصالح اللاممركزة والجهات والجماعات الترابية من صلاحيات فعلية وإمكانات مالية وبشرية كافية؟

في هذا السياق، يكتسب غياب وزارة مستقلة تعنى بالعالم القروي والمناطق الجبلية دلالة مؤسساتية تستحق النقاش، ليس باعتباره دليلا حاسما على تراجع الاهتمام بهذه المجالات، وإنما لكونه يثير سؤال الجهة التي ستتحمل مسؤولية تنسيق السياسات الموجهة إليها، وضمان انسجام البرامج القطاعية وتتبع تنفيذها وتقييم أثرها.

فإحداث وزارة مستقلة لا يشكل، في حد ذاته، ضمانة لتحقيق العدالة المجالية، كما أن تعدد القطاعات المتدخلة لا يعني بالضرورة فشل السياسات العمومية. غير أن غياب إطار مؤسساتي واضح المسؤوليات قد يفتح المجال أمام تشتت التدخلات وصعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن التعثرات.

لذلك، فإن المطلوب من الحكومة ليس الاكتفاء بتوزيع الاختصاصات بين الوزارات، بل إرساء آلية مؤسساتية ذات صلاحيات محددة، تتولى تنسيق البرامج الترابية، وتوحيد أولويات التدخل، وضمان التقائية السياسات العمومية، مع إخضاع النتائج للتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ولا يمكن أن يكتمل هذا الإصلاح من دون مراجعة حقيقية لفلسفة توزيع الاستثمار العمومي، بما يضمن إعطاء الأولوية للمناطق التي راكمت خصاصا بنيويا في التجهيز والخدمات الأساسية.

فالمناطق الجبلية والقروية والواحات لا تحتاج إلى الوعود ذاتها التي توجه إلى المراكز الحضرية الكبرى، بقدر ما تحتاج إلى سياسات تأخذ بعين الاعتبار كلفة فك العزلة، وصعوبة التضاريس، ومحدودية جاذبية الاستثمار، وضعف البنيات الاقتصادية المحلية.

كما أن العدالة المجالية لا ينبغي أن تختزل في تشييد الطرق أو إنجاز مشاريع متفرقة، بل يتعين أن تقوم على برنامج وطني مندمج لتحسين الولوج إلى الصحة والتعليم والنقل والماء، وتنمية الاقتصاد المحلي، وخلق فرص شغل مستدامة، مع اعتماد مؤشرات دقيقة تقيس الأثر الفعلي للإنفاق العمومي على حياة السكان، بدل الاكتفاء بحصيلة الاعتمادات المرصودة وعدد المشاريع المعلن عنها.

في المحصلة، لا يكمن التحدي الحقيقي أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في عدد الحقائب الوزارية أو طبيعة تسمياتها، بل في مدى قدرتها على جعل العدالة المجالية قاعدة حاكمة للسياسات العمومية، لا مجرد عنوان يزين الخطاب الحكومي.

وبين غياب قطاع وزاري مستقل للعالم القروي والمناطق الجبلية، واستمرار الاختلالات التي تعيق التنمية في الهوامش الترابية، تبرز الحاجة إلى أجوبة واضحة بشأن المسؤولية عن هذا الورش، وآليات التنسيق بين المتدخلين، وكيفية توزيع الموارد، وضمان نقل القرار إلى المستوى الترابي.

فنجاح الحكومة لن يقاس بما ستعلنه من التزامات بشأن التنمية المنصفة، بل بما ستنجزه من إصلاحات مؤسساتية واستثمارات ملموسة وخدمات أفضل وفرص أكثر تكافؤا. أما إذا استمرت الفوارق نفسها، وظلت المناطق الهشة خارج دائرة الأولويات الفعلية، فإن تغيير الهندسة الحكومية لن يكون كافيا لتغيير واقع التنمية، وسيظل “مغرب السرعتين” شاهدا على الهوة بين الخطاب السياسي ونتائج السياسات العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *