أما بعد، سياسة

نهاية مرحلة المينورسو.. هل سحب المغرب ملف الصحراء من دائرة الانتظار؟

نهاية مرحلة المينورسو.. هل سحب المغرب ملف الصحراء من دائرة الانتظار؟

لم يكن ما جرى داخل مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 مجرد محطة أخرى في مسلسل التصويت على القرارات المتعلقة بالصحراء المغربية، بل حمل في طياته مؤشرات على تحول أعمق في طبيعة التعاطي الدولي مع هذا النزاع، سواء من حيث موقع مبادرة الحكم الذاتي في معادلة الحل السياسي، أو من حيث مستقبل الآليات الأممية التي ظلت تؤطر هذا الملف لأكثر من ثلاثة عقود.

وإذا كان استخدام روسيا حق النقض قد حال دون اعتماد مشروع القرار الأمريكي، فإن القراءة السياسية والاستراتيجية لنتائج الجلسة تقتضي تجاوز الحسابات الإجرائية للتصويت، والتوقف عند دلالاته وما يكشفه من تحولات في موازين المواقف داخل المنتظم الدولي.

فحصول المشروع على تأييد 11 عضوا من أصل 15، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء وتصويت روسيا ضده، لا يمكن اختزاله في فشل دبلوماسي بسبب الفيتو، بقدر ما يعكس اتساع دائرة التأييد للتوجه الذي يجعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي، في إطار السيادة المغربية، أساسا للمفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع. وهنا تكمن الأهمية السياسية للتصويت: ليس فقط في عدد الأصوات المؤيدة، وإنما في طبيعة المرجعية التي باتت تحظى بأغلبية داخل الجهاز الأممي المكلف بحفظ السلم والأمن الدوليين.

لقد انتقلت مبادرة الحكم الذاتي، عبر تراكم دبلوماسي امتد لسنوات، من موقع المقترح الذي تدعو المملكة إلى اعتماده باعتباره حلا واقعيا وذا مصداقية، إلى موقع الإطار الذي تتجه قطاعات واسعة من المجتمع الدولي إلى اعتباره المرجعية الأساسية والوحيدة للتفاوض. وهو تحول لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد انتصار لغوي أو دبلوماسي، بل باعتباره إعادة ترتيب تدريجية لشروط النقاش السياسي حول مستقبل المنطقة.

من إدارة النزاع إلى منطق الحسم السياسي

لعل أبرز ما يميز المرحلة الراهنة هو أن النقاش الدولي لم يعد محصورا في كيفية المحافظة على مسار أممي استنفد الكثير من إمكاناته، وإنما أصبح يتجه نحو مساءلة جدوى الأدوات التي أنتجها ذلك المسار، ومدى قدرتها على الاستجابة للتحولات التي عرفها النزاع خلال العقود الماضية.

فبعثة المينورسو، التي أنشئت سنة 1991 في سياق دولي وإقليمي مختلف، ارتبط وجودها بمسار كان يفترض أن يقود إلى تنظيم استفتاء لتقرير المصير. غير أن تعثر هذا المسار، بسبب الخلافات السياسية والقانونية المرتبطة بتحديد الهيئة الناخبة وشروط تنظيم الاستفتاء، جعل البعثة تستمر لعقود في ظل غياب أفق واضح لتسوية نهائية. كما أن انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020 أضاف معطى ميدانيا جديدا إلى واقع النزاع، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول فعالية الصيغة التي تأسست عليها الآلية الأممية.

ومن هذا المنطلق، فإن الجدل حول مستقبل المينورسو لا يتعلق فقط باستمرار بعثة أو إنهاء مهامها، بل يتجاوز ذلك إلى مراجعة فلسفة تدبير النزاع نفسها. فهل يمكن الاستمرار في اعتماد آليات صممت لمرحلة تاريخية معينة، بينما تغيرت المعطيات السياسية والدبلوماسية والميدانية التي كانت تبرر وجودها؟ وهل يمكن أن تظل إدارة الوضع القائم بديلا عن البحث عن تسوية سياسية نهائية؟

إن هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة في ضوء الموقف الذي عبر عنه الديوان الملكي، والذي اعتبر عدم تمديد مهمة المينورسو تطورا ذا دلالة كبرى في اتجاه طي ملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.

بلاغ الديوان الملكي.. إعلان انتقال استراتيجي

يحمل بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب اجتماع مجلس الأمن أبعادا سياسية واستراتيجية تتجاوز التعبير عن ارتياح المملكة لعدم تمديد مهمة المينورسو. فالمفردات التي اعتمدها البلاغ، وخاصة الانتقال من منطق التدبير إلى منطق التحول العميق للمحددات، تكشف عن إرادة واضحة في إعادة تعريف المرحلة المقبلة، ليس فقط من حيث أدوات التعاطي مع الملف، وإنما أيضا من حيث المرجعيات التي ينبغي أن تؤطر تسويته.

وهنا تبرز أهمية الربط الذي أقامه البلاغ بين هذا التطور وتخليد “عيد الوحدة”، الذي أقره الملك محمد السادس، باعتباره رمزا للقطيعة مع مقاربة سابقة ارتكزت، وفق التصور المغربي، على تدبير النزاع وإطالة أمده، والانتقال إلى مرحلة تستند إلى تثبيت المكتسبات السياسية والدبلوماسية وتعزيز الوحدة الترابية.

والأكثر دلالة في البلاغ هو تأكيده أن عدم تمديد مهمة المينورسو ينبغي أن يعني انتهاء وجود البعثة بمختلف مكوناته البشرية واللوجستيكية والرمزية في الأقاليم الجنوبية، وطي صفحة امتدت 35 سنة. كما ذهب إلى أبعد من ذلك حين دعا إلى إنهاء إحالة الملف على مجلس الأمن، وسحب القضية من جدول أعماله، بما يترتب عن ذلك من توقف الاجتماعات الدورية والتقارير الأممية والإحاطات المرتبطة بها.

إننا أمام تصور سياسي يروم نقل القضية من فضاء إدارة النزاع داخل المؤسسات الأممية إلى فضاء آخر قوامه تثبيت الحل السياسي على أساس السيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي، مع مواصلة العمل الدبلوماسي على المستويين الثنائي والإقليمي. وهو تصور يعكس رغبة المملكة في تجاوز منطق الانتظار المرتبط بالمواعيد الأممية الدورية، نحو مقاربة أكثر ارتباطا بتوازنات الدعم الدولي وبالتحولات التي عرفتها مواقف عدد من الدول.

غير أن أهمية هذا التوجه لا تلغي ضرورة التمييز بين الموقف السياسي الذي أعلنه الديوان الملكي وبين الآثار القانونية والمؤسساتية للقرار الأممي. فعدم تمديد ولاية بعثة المينورسو لا يعني، في حد ذاته، أن جميع الترتيبات المرتبطة بوجودها أو بمسار النزاع قد انتهت بصورة تلقائية، كما أن إنهاء ولاية بعثة أممية لا يترتب عنه بالضرورة سحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن، ما لم تتخذ المؤسسة الأممية الإجراءات والقرارات اللازمة في هذا الاتجاه. ومن ثم، فإن ترجمة التصور المغربي إلى واقع مؤسساتي ودبلوماسي ستظل رهينة بتطورات المرحلة المقبلة.

الجزائر والبوليساريو أمام اختبار مراجعة الحسابات

في المقابل، تضع هذه التحولات الجزائر وجبهة البوليساريو أمام اختبار سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية. فالمعادلة الدولية التي ظلت تؤطر النقاش لعقود لم تعد تحتفظ بالزخم نفسه، كما أن اتساع دائرة الدول المؤيدة للمبادرة المغربية يفرض إعادة تقييم المواقف التقليدية، خصوصا في ظل تنامي الدعوات الدولية إلى اعتماد حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق.

وليس المقصود من ذلك أن التحولات الجارية تعني اختفاء الخلافات أو انتهاء النزاع بمجرد تغير لغة القرارات والمواقف، وإنما أن كلفة الاستمرار في منطق الجمود أصبحت أكبر، وأن هامش المناورة السياسية بات يتقلص أمام تنامي الدعم الدولي للمقترح المغربي.

ففي العلاقات الدولية، لا تقاس التحولات فقط بما يصدر عن المؤسسات من قرارات، وإنما أيضا بما يتراكم من مواقف وتحالفات وتصورات جديدة حول الحلول الممكنة. ومن هذه الزاوية، فإن انتقال الحكم الذاتي إلى صدارة المرجعيات المطروحة دوليا يمثل تحولا في بنية التفاوض، ويضع الأطراف الأخرى أمام ضرورة التعامل مع واقع دبلوماسي يتغير بصورة متسارعة.

ما بعد المينورسو.. أي أفق للتسوية؟

لكن الرهان الحقيقي بالنسبة إلى المغرب لا ينبغي أن يقتصر على إنهاء مرحلة المينورسو أو تسجيل مكاسب إضافية في معركة الاعترافات والمواقف الدولية، بل يتعين أن يمتد إلى تحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى مشروع سياسي وتنموي متكامل يعزز الاستقرار في الأقاليم الجنوبية، ويجعل من مبادرة الحكم الذاتي إطارا عمليا قابلا للتنزيل، بما يستجيب لانتظارات السكان ويكرس مبادئ الحكامة والمشاركة والتنمية والعدالة المجالية.

فالمشروعية الدبلوماسية، مهما بلغت قوتها، تظل في حاجة إلى سند مؤسساتي وتنموي يترجمها على أرض الواقع. كما أن نجاح أي تصور للحكم الذاتي لا يقاس فقط بمدى حصوله على التأييد الدولي، وإنما كذلك بقدرته على تقديم ضمانات سياسية ومؤسساتية واضحة، وتوفير شروط المشاركة الفعلية في تدبير الشأن المحلي، وتكريس التنمية المستدامة والاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تطرح على المغرب تحديا مزدوجا: أولهما مواصلة تثبيت المكتسبات الدبلوماسية وتوسيع دائرة الدعم الدولي، وثانيهما الانتقال من الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها تصورا للحل إلى تقديم شروط تنزيلها باعتبارها مشروعا سياسيا ومؤسساتيا متكاملا.

وفي هذا السياق، يكتسب تأكيد الديوان الملكي على استمرار الدينامية الدولية على المستويين الثنائي والإقليمي أهمية خاصة، لاسيما مع الإشارة إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، يؤيدون المبادرة المغربية للحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية باعتبارها الإطار الوحيد لحل النزاع. وهو معطى يعكس اتساع قاعدة التأييد، لكنه يضع الدبلوماسية المغربية أيضا أمام مسؤولية استثمار هذا الرصيد وتحويله إلى مسار سياسي أكثر وضوحا وفاعلية.

لحظة مفصلية.. ولكن هل انتهى النزاع؟

وفي مقابل اللغة السياسية الحاسمة التي حملها البلاغ الملكي، يبرز التشديد على التمسك بوقف إطلاق النار واحترام سلامة ووحدة الأراضي المغربية والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين. وهي رسالة ذات دلالة استراتيجية، لأنها تؤكد أن الانتقال إلى مرحلة جديدة لا يعني التخلي عن مقتضيات الاستقرار أو فتح المجال أمام أي تصعيد ميداني.

فالمغرب، وفق ما يعكسه البلاغ، يسعى إلى الجمع بين تثبيت موقفه السيادي ومواصلة المسار الدبلوماسي، وبين الحفاظ على الاستقرار وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. وهي معادلة تكتسي أهمية بالغة في منطقة الساحل والصحراء، التي تعرف تحولات أمنية وجيوسياسية معقدة، وتجعل من استقرار المنطقة مصلحة تتجاوز حدود أطراف النزاع.

في المحصلة، لا يمكن قراءة تطورات 30 أكتوبر 2026 باعتبارها مجرد انتصار في تصويت أممي، ولا اختزالها في عدم تمديد ولاية المينورسو. نحن أمام لحظة تعكس تحولا في مقاربة المغرب لملف الصحراء، وانتقالا من استراتيجية تدبير النزاع إلى استراتيجية تستهدف إعادة صياغة قواعد تسويته، مستندة إلى تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي وإلى الرغبة في تجاوز آليات أممية لم تعد، في نظر المملكة، قادرة على إنتاج حل نهائي.

ومع ذلك، فإن إعلان نهاية مرحلة لا يعني بالضرورة أن جميع تعقيدات النزاع قد انتهت، أو أن الطريق نحو التسوية أصبح خاليا من العقبات. فالتحدي لا يكمن فقط في طي صفحة بعثة أممية، وإنما في بناء أفق سياسي جديد يحظى بالقبول اللازم، ويستند إلى ضمانات الاستقرار والتنمية والتعاون الإقليمي.

لقد تغيرت بالفعل طبيعة النقاش الدولي حول الصحراء، وأصبحت مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تحتل موقعا متقدما في معادلة الحل. لكن الاختبار الأهم يبدأ الآن: كيف يمكن تحويل هذا التقدم الدبلوماسي إلى واقع سياسي ومؤسساتي نهائي؟ وكيف سينجح المغرب في الانتقال من معركة تثبيت المرجعية إلى معركة تنزيل الحل؟

تلك هي الأسئلة التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة، وتكشف ما إذا كان 30 أكتوبر 2026 سيظل مجرد تاريخ مفصلي في المسار الدبلوماسي، أم سيشكل بالفعل بداية نهاية واحدة من أطول النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *