لأول مرة منذ حرب أكتوبر 1973.. البرلمان الجزائري يوافق على إرسال قوات عسكرية إلى النيجر

في خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من نصف قرن، وافق البرلمان الجزائري، بمجلسيه، على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى جمهورية النيجر، استجابة لطلب تقدم به الرئيس عبد المجيد تبون، في قرار يمثل تحولا لافتا في السياسة العسكرية الجزائرية، التي اتسمت تاريخيا بالتحفظ إزاء نشر قواتها خارج الحدود.
وجاءت المصادقة، الأحد 25 أكتوبر 2026، خلال جلستين مغلقتين عقدهما مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني، استنادا إلى مقتضيات الدستور الجزائري المتعلقة بإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، وذلك في سياق تقارب أمني وعسكري متزايد بين الجزائر والنيجر، وسط تحديات أمنية متصاعدة في منطقة الساحل الإفريقي.
وتكتسي الخطوة أهمية خاصة باعتبارها قد تفضي، في حال تنفيذها، إلى أول انتشار عسكري جزائري خارج الحدود منذ سنة 1973، حين شاركت قوات جزائرية إلى جانب الجيش المصري في الحرب العربية الإسرائيلية، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
وبحسب بيان رسمي صادر عن مجلس الأمة الجزائري، فقد حظي طلب الرئيس تبون، المؤرخ في 22 أكتوبر الجاري، بموافقة جميع الأعضاء المشاركين في التصويت، بواقع 148 صوتا مؤيدا، منها 131 صوتا لأعضاء حضروا الجلسة و17 صوتا بالوكالة، متجاوزا النصاب المطلوب البالغ 116 صوتا.
أما المجلس الشعبي الوطني، فقد أعلن موافقته على الطلب بالأغلبية المطلقة، دون الكشف عن العدد التفصيلي للأصوات، في حين تنص المادة 91 من الدستور الجزائري على ضرورة موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة برلمانية لإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج.
وقدم وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، بصفته ممثلا للرئيس تبون، عرضا أمام البرلمانيين بشأن دوافع هذا القرار، فيما أكد بيان مجلس الأمة أن الخطوة تستهدف حماية المصالح الطاقوية الجزائرية وتنفيذ بنود الاتفاقية الثنائية الموقعة مع النيجر.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن عضو مجلس الأمة بلقاسم بولغيتي أن القوات الجزائرية لن تُرسل لخوض حرب داخل الأراضي النيجرية، وإنما لتأمين المنشآت الاقتصادية والاستراتيجية، ولا سيما المنشآت النفطية المرتبطة بالمصالح الجزائرية.
ويرتبط القرار أيضا بتوسع استثمارات شركة “سوناطراك” الجزائرية في النيجر، ومشاركتها في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا عبر النيجر وصولا إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الأوروبية.
ووفق وكالة رويترز، يُرتقب أن يتمركز الجنود الجزائريون في منطقة ماداما شمال النيجر، قرب الحدود الليبية، حيث توجد قاعدة عسكرية سبق أن استخدمتها القوات الفرنسية خلال عملية “برخان”. وأفادت الوكالة بأن مسؤولين عسكريين نيجريين أجروا اتصالات ميدانية بشأن ترتيبات القاعدة، دون الإعلان رسميا عن وصول أي قوات جزائرية إليها.
ويأتي هذا التطور بعد توقيع بروتوكول للتعاون العسكري بين الجزائر والنيجر، يوم 21 أكتوبر الجاري، خلال زيارة وزير الدفاع النيجري ساليفو مودي إلى الجزائر، حيث أجرى مباحثات مع رئيس أركان الجيش الجزائري السعيد شنقريحة، تناولت تعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين.
وكانت العلاقات بين الجزائر ونيامي قد شهدت توترا عقب انقلاب يوليوز 2023 في النيجر، قبل أن تتفاقم الأزمة الدبلوماسية خلال سنة 2025، على خلفية إسقاط الجزائر طائرة مسيرة مالية قرب حدودها، وما أعقب ذلك من استدعاء دول تحالف الساحل سفراءها من الجزائر.
غير أن الأشهر الأخيرة شهدت تقاربا ملحوظا بين البلدين، تُوّج بزيارة رئيس النيجر عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في فبراير 2026، وتكثيف الاتصالات العسكرية، وصولا إلى قرار السماح بإرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى الأراضي النيجرية.
وتواجه النيجر، إلى جانب مالي وبوركينا فاسو، تحديات أمنية متزايدة نتيجة نشاط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، وهو ما يجعل المنطقة ذات أهمية استراتيجية للجزائر، بالنظر إلى امتداد حدودها الجنوبية ومصالحها الاقتصادية والأمنية.
ويأتي هذا القرار بعد تعديل الدستور الجزائري سنة 2020، الذي أتاح إمكانية إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بعد الحصول على الموافقة البرلمانية اللازمة، في تحول عن التوجه التقليدي الذي جعل عدم التدخل العسكري خارج الحدود إحدى ركائز السياسة الدفاعية الجزائرية.
ورغم استكمال المسطرة البرلمانية، فإن السلطات الجزائرية لم تعلن بعد العدد المرتقب للعسكريين المشمولين بالقرار أو موعد انتشارهم، ما يجعل الانتقال من الترخيص الدستوري إلى التنفيذ الميداني المرحلة الحاسمة التالية في هذا التطور العسكري.
اترك تعليقاً