ملاعب تُستغل شهرا في السنة.. خبير يحذر من هدر الإمكانات الاقتصادية للرياضة بإفريقيا

حذر رجل الأعمال الفرنسي الغابوني نيكولا بومبين-مونيارد، مؤسس مجموعة “African Collaborations Group” والرئيس المؤسس لمجموعة “APO”، من استمرار اعتماد عدد من الدول الإفريقية على تشييد ملاعب كرة قدم منفردة تفتقر إلى نموذج اقتصادي يضمن استغلالها طوال السنة، معتبرا أن هذه المنشآت قد تتحول إلى عبء على الميزانيات العمومية بدلا من أن تكون مصدرا للاستثمار وخلق فرص الشغل.
وقال بومبين-مونيارد، خلال مقابلة مع قناة “SABC Channel Africa” الجنوب إفريقية، إن بعض الملاعب التي تُبنى في مناطق معزولة، وتُخصص حصريا لمباريات كرة القدم، لا تعرف نشاطا فعليا سوى ما بين 25 و30 يوما في السنة، بينما تظل بقية الأيام دون استغلال اقتصادي منتظم، رغم استمرار تكاليف صيانتها وتشغيلها.
وأوضح المتحدث أن الإشكال لا يتعلق بغياب الملاعب الرياضية في إفريقيا، بقدر ما يرتبط بغياب بنيات تحتية قادرة على إنتاج قيمة اقتصادية مستدامة، مشيرا إلى أن الاستثمار في المنشآت الرياضية ينبغي أن يتجاوز تنظيم المباريات والبطولات إلى إنشاء منظومات اقتصادية متكاملة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشير فيه التوقعات التي استحضرها المتحدث إلى إمكانية بلوغ قيمة الاقتصاد الرياضي الإفريقي نحو 20 مليار دولار بحلول سنة 2035، وهو هدف اعتبر أن تحقيقه سيظل صعبا دون تطوير البنيات التحتية المناسبة لاستقطاب الاستثمارات وتنظيم المنافسات والأنشطة التجارية والترفيهية المرتبطة بالرياضة.
وكشف بومبين-مونيارد أن انخراطه في التفكير في نموذج جديد للبنيات التحتية الرياضية الإفريقية ارتبط بتجربته داخل فريق العمل المشترك بين الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم “كاف”، المكلف بتطوير البنيات التحتية الرياضية بالقارة.
واستحضر إعلان رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، سنة 2019 عن رغبته في تمويل ملعب يستجيب للمعايير الدولية في كل بلد إفريقي، موضحا أن هذا التوجه قاد لاحقا إلى تشكيل فريق عمل متخصص شارك فيه بتعيين من الأمينة العامة السابقة للفيفا، فاطمة سامورا.
وأشار إلى أنه تلقى، وفق تصريحه، تكليفا من رئيس الفيفا بالعمل على تطوير نموذج جديد للبنيات التحتية الرياضية في إفريقيا، بعدما تبينت محدودية نموذج الملاعب المنفردة التي تُستعمل أساسا خلال المباريات.
وأفاد بأن هذا المسار أفضى إلى تطوير مفهوم “المناطق الرياضية والترفيهية المتكاملة”، الذي أصبح أساس نشاط مجموعته الجديدة “African Collaborations Group”، التي تعمل على تقديم هذا التصور إلى الحكومات الإفريقية.
ملاعب وفنادق ومراكز تجارية داخل مشاريع تعمل طوال السنة
ويقوم النموذج المقترح على الانتقال من تشييد ملعب مخصص لكرة القدم إلى إنشاء منطقة متكاملة تجمع بين الرياضة والترفيه والخدمات والأنشطة الاقتصادية. وأوضح أن المشروع يضم ملاعب وقاعات رياضية متعددة الاستعمالات، إلى جانب فنادق ومراكز للمؤتمرات والتسوق، ومطاعم وقاعات سينما ومدارس وصالات رياضية ومرافق أخرى تستقطب الزوار بصورة مستمرة.
وأضاف أن الهدف هو ضمان استمرار النشاط داخل هذه المناطق طوال السنة، حتى في غياب المنافسات الرياضية، من خلال استضافة الحفلات الموسيقية والمعارض والتظاهرات والمناسبات الاجتماعية، إلى جانب الأنشطة التجارية والخدماتية اليومية.
واعتبر أن هذه المقاربة تسمح بتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على عائدات المباريات وحدها، بما يمكن المنشآت الرياضية من تمويل جزء مهم من تكاليف تشغيلها وصيانتها، مشيرا إلى أن مفهوم المناطق الرياضية والترفيهية المتكاملة ليس جديدا على المستوى الدولي، إذ توجد نماذج له في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، لكنه يرى أن تطبيقه في إفريقيا يحتاج إلى منهجية خاصة تراعي طبيعة الأسواق المحلية والقدرة على جذب المستثمرين.
وفي معرض حديثه عن العقبات التي تعترض الاستثمار الرياضي بإفريقيا، اعتبر بومبين-مونيارد أن إحدى المشكلات الأساسية تكمن في ما وصفه بـ”فجوة إعداد المشاريع الاستثمارية”، وهي المرحلة التي تفصل بين تحديد الحاجة إلى مشروع رياضي وتحويله إلى مشروع قابل للتمويل من المؤسسات المالية والمستثمرين.
وأوضح أن تشييد ملعب أو منشأة كبرى يتطلب عملا تحضيريا قد يمتد سنتين أو ثلاث سنوات قبل انطلاق الأشغال، ويشمل تحديد الموقع المناسب وإعداد الدراسات التقنية والاقتصادية وتقييم الجدوى المالية وهيكلة المشروع وفق متطلبات الممولين.
وبحسب المتحدث، فإن الحكومات تستطيع تحديد حاجاتها إلى البنيات التحتية، لكنها لا تتوفر دائما على الإمكانات التقنية اللازمة لتحويل هذه الحاجات إلى مشاريع استثمارية مكتملة، في حين تنتظر المؤسسات المالية عادة مشاريع مستوفية لشروط التمويل قبل النظر في المشاركة فيها.
كما أن الاتحادات الرياضية، وفق تقديره، تركز أساسا على المعايير التقنية والتنظيمية اللازمة لاحتضان المنافسات، ولا تتولى بالضرورة إعداد المشاريع الاستثمارية أو تعبئة تمويلاتها. وأوضح أن مجموعته تسعى إلى سد هذه الفجوة، من خلال إعداد مشاريع المناطق الرياضية والترفيهية منذ مرحلة الفكرة إلى غاية بلوغ مستوى يسمح بعرضها على المستثمرين والمؤسسات المالية.
وذكر في هذا السياق مؤسسة التمويل الدولية، التابعة لمجموعة البنك الدولي، والبنك الإفريقي للتنمية، والبنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، باعتبارها مؤسسات يمكن أن تدخل المشاريع المؤهلة ضمن مجالات تدخلها التمويلي، دون أن يعلن عن اتفاقات تمويل محددة معها.
رهان على الاستثمار الخاص بدل الميزانيات العمومية
وأكد بومبين-مونيارد أن مجموعته تسعى إلى تطوير مشاريع قادرة على جذب التمويل المؤسساتي والخاص، بما يحد من الحاجة إلى الاعتماد على الميزانيات الحكومية في تشييد وتشغيل المنشآت الرياضية.
وأوضح أن المجموعة استعانت بخبرات دولية في إدارة الملاعب والاقتصاد الرياضي والترفيه والسياحة وتنظيم التظاهرات الكبرى، ضمن مجلس استشاري يضم مسؤولين سابقين في الفيفا والكاف، وخبراء شاركوا في تطوير منشآت رياضية كبرى، من بينها مشروع تجديد ملعب سانتياغو برنابيو التابع لنادي ريال مدريد.
كما أحدثت المجموعة هيئة استشارية للبحث والتقييم تضم أكاديميين متخصصين في اقتصاد الرياضة واستدامة البنيات التحتية، بهدف مراجعة دراسات الجدوى وتحديد المخاطر المحتملة قبل الشروع في تنفيذ المشاريع.
وشدد المتحدث على أن نجاح النموذج المقترح يتوقف على ضمان الجدوى الاقتصادية منذ مرحلة التخطيط، وليس بعد انتهاء الأشغال، معتبرا أن تشييد المنشآت الرياضية دون تصور واضح لاستغلالها مستقبلا قد يترك الدول أمام أعباء مالية طويلة الأمد.
اترك تعليقاً