اقتصاد

في مؤلف استراتيجي مغربي فرنسي.. خبراء يحللون أمن الكابلات البحرية وسباق المعادن ومستقبل المتوسط

في مؤلف استراتيجي مغربي فرنسي.. خبراء يحللون أمن الكابلات البحرية وسباق المعادن ومستقبل المتوسط

شكلت قضايا تأمين البنيات التحتية الحيوية وإعادة تشكيل سلاسل إمداد المعادن الاستراتيجية وتوازنات الحوض المتوسطي، محور الجزء العشرين من مؤلف “حوارات استراتيجية” الصادر في أكتوبر 2026، كثمرة تعاون بحثي مشترك بين مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد بالرباط ومركز الدراسات الجيوسياسية التابع للمدرسة العليا للتجارة بباريس (HEC).

وجاء هذا المؤلف تتويجا للدورة العشرين من “الحوارات الاستراتيجية” المنعقدة في 6 ماي 2026، حيث انقسمت مساهمات نخبة من الخبراء والدبلوماسيين والعسكريين إلى محورين رئيسيين، ركز أولهما على “السيادات الحرجة وتأمين البنيات التحتية والموارد”، بينما كرس ثانيهما لتحليل واقع “المتوسط بين التعاون الإقليمي والتنافس الدولي”.

وسلطت مساهمات المحور الأول الضوء على المكانة الحيوية للكابلات البحرية كعماد غير مرئي للعولمة الرقمية، حيث أبرز الدبلوماسي محمد لوليكشكي أنها تنقل ما يفوق 99 في المائة من تدفقات البيانات والمعاملات المالية الدولية، موضحا أن مبدأ حرية مد الكابلات الذي تضمنه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بات يواجه معضلة حقيقية أمام تصاعد مخاطر التخريب والأضرار العرضية، مما يفرض شراكة وثيقة بين الحكومات والفاعلين الخواص لتأمين الشبكات وتقليص الفجوة الرقمية التي تعاني منها إفريقيا.

وأوضح الباحث المهدي بنعمر أن دخول عمالقة التكنولوجيا العالميين في تمويل وتشغيل هذه المنظومات أعاد رسم العلاقة بين الدول والقطاع الخاص، محذرا من احتدام الصراع الصيني الأمريكي ومخاطر تجزئة الإنترنت، ومبرزا في السياق ذاته دور مشاريع ربط قارية مثل “ميدوزا” و”كانالينك” في ترسيخ مكانة المغرب كملتقى رقمي يربط بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي، فيما نبه الأدميرال الفرنسي آلان أودو دو دانفيل إلى حساسية الممرات البحرية الضيقة كمضيقي هرمز وباب المندب، داعيا إلى الاستعداد لمواجهة حروب هجينة قد تستهدف الشرايين الرقمية البحرية.

وفصلت الدراسات المخصصة لملف الموارد الطبيعية في مفارقة امتلاك إفريقيا لثروات هائلة مقابل ضعف استفادتها الصناعية، إذ أكدت الباحثة نياغالي باغاياكو أن تحول الطاقة العالمي جعل المعادن مثل الكوبالت والليثيوم والمنغنيز والنحاس والغرافيت في صلب التنافس بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مشددة على أن فكاك الدول الإفريقية من التبعية يستوجب تجاوز النمط الاستخراجي الموروث عن الحقبة الاستعمارية وبناء قدرات تصنيع محلية وتكامل إقليمي.

وأكدت الخبيرة الاقتصادية صابرين عمران أن القارة السمراء تستحوذ على نحو نصف الاحتياطات العالمية من الكوبالت والمنغنيز، وأزيد من خمس احتياطي الغرافيت الطبيعي، فضلا عن ريادتها في الفوسفاط والبلاتين والبوكسيت وفق بيانات دولية، ومع ذلك لا تتعدى حصتها 3 في المائة من التكرير العالمي لمعدن كالكوبالت رغم إنتاجها ثلاثة أرباع المعروض الدولي؛ إذ أرجعت الباحثة هذا الوضع في دراستها لحالة جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى عوائق تمويلية واختلالات في البنيات وسوق المبيعات، داعية إلى تحويل الريع الاستخراجي الهش إلى ريع صناعي دائم.

ورصد الباحث أسامة طيبي آليات توظيف المعادن الاستراتيجية ضمن عقائد الأمن الاقتصادي، لافتا إلى أن هيمنة الصين على معالجة الأتربة النادرة دفعت واشنطن وبروكسيل وطوكيو إلى البحث عن تنويع الشركاء، وهو ما يعزز القدرة التفاوضية للدول المنتجة شرط الاستثمار في سلاسل القيمة، بينما تطرق أوجين بيرغ إلى هشاشة الاتحاد الأوروبي تجاه سلاسل الإمداد ومساعيه لتطوير قدرات التعدين وإعادة التدوير داخل مجاله الجغرافي لحماية استقلاليته الصناعية.

وتناولت مساهمات المحور الثاني التحديات الهيكلية في الحوض المتوسطي، حيث حلل عبد الحق باسو الفوارق بين الشمال والجنوب وتمايزات المتوسط الغربي المفتوح على الأطلسي والساحل والمتوسط الشرقي المرتبط بالشرق الأوسط والبحر الأسود، فيما دعت نزهة الشقروني إلى معالجة الاختلالات التاريخية الموروثة عن مسار برشلونة وتداعيات أزمات الطاقة بعد اضطرابات مضيق هرمز، محددة شروطا لإرساء تعاون متكافئ يتجاوز النظرة الأمنية الضيقة نحو الشراكة الاقتصادية المنصفة.

واقترح الباحث بيير بيرتيلو إطلاق مبادرة دبلوماسية فرنسية مغربية تمنح الاتحاد من أجل المتوسط دورا يتجاوز الطابع التقني إلى آليات الإنذار المبكر والوساطة، معتبرا معالجة القضية الفلسطينية شرطا لاستقرار المنطقة، بينما ركز كريستوف شابر على نزاعات ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة واكتشافات الغاز في شرق المتوسط بين تركيا وجيرانها كاليونان وقبرص، معتبرا إشراك أنقرة في المشاريع الطاقية مخرجا محتملا لتفادي الصدام.

ودعا الوزير السابق والباحث فتح الله ولعلو إلى إعادة بعث الشراكة الأورومتوسطية والإفريقية من بوابة التحول الطاقي، وفتح آفاق المصالحة المغاربية وتسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مبرزا دور الجاليات في التقريب بين الضفتين، في حين نبه إيمانويل فيرون إلى أبعاد التمدد البحري الصيني عبر التحكم في موانئ استراتيجية مثل بيراوس اليوناني والموانئ المصرية، وربطها بسلاسل الخدمات اللوجستية والبيانات، بينما أشار فينسنت كامبريدون إلى ضرورة مرافقة المشاريع الإفريقية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية (ZLECAf).

وخلص الإصدار الاستراتيجي المشترك إلى أن صون سيادة الدول المعاصرة لم يعد يعني الانكفاء الداخلي، بل بات يقاس بالقدرة على التحكم في شبكات الترابط والتبادل، وحماية البنيات التحتية من التخريب، وتطوير القيمة المضافة للموارد الوطنية، وصياغة نماذج تعاون إقليمي متكافئة تواكب احتدام الاستقطاب الدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *