قضية الصحراء المغربية ما بعد اجتماع مجلس الأمن وصدور بلاغ الديوان الملكي

لعل المتتبع لمسار قضية الصحراء المغربية منذ طرح مبادرة الحكم الذاتي يسمح بفهم التحولات التي عرفتها المقاربة المغربية في تدبير هذا النزاع، فعند الوقوف عند المرحلة التي أعقبت صدور القرار الأممي رقم 2797 والخطاب الملكي المؤطر لهذه المرحلة المفصلية في مسار تدبير القضية يلحظ التحولات والتراكمات التي تحققت لصالح ال الدبلوماسية المغربية والخيارات الاستراتيجية والجيواقتصادية للمملكة. فبعد سلسلة من المواقف الداعمة للطرح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي كخيار وحيد للإيجاد تسوية نهائية لهذا النزاع المفتعل وتبدل ومواقف وتقديرات مجلس الأمن الدولي وقرارات المبعوث الخاص للأمين العام، تدخل قضية الصحراء منعطفا جديدا ومرحلة مفصلية في تاريخ تدبير هذا النزاع الذي طال أمده والذي هو من مخلفات الحقبة الاستعمارية.
لكن وبعد فشل مجلس الأمن الدولي في اجتماعه في أكتوبر لهذا العام بالخروج بقرار حول قضية الصحراء المغربية، تدخل هذه القضية مرحلة تاريخية مفصلية ومسار جديد ليس فقط بالنظر من زاوية التدبير السياسي والدبلوماسي الجديد الذي ستسلكه المملكة بمعية شركائها وحلفائها الدوليين والإقليمين الداعمين للوحدة الترابية والخيارات الاستراتيجية للمملكة في ظل الفشل الأممي في تدبير هذه القضية، ولكن أيضا بسبب الرد الحازم والفوري الذي جاء من الرباط بشكل فوري بعد ساعة من انتهاء اجتماع مجلس الأمن وفشله في صدور قرار عنه بشأن الصحراء، هذا الرد تجسد في بلاغ صادر عن الديوان الملكي والذي رسم معالم المرحلة الحالية والمقبلة لتدبير ملف قضية الوحدة، ليتخذ الملف مسارات وتوجهات جديدة وهو ما يطرح تساؤلات حول أفق إيجاد تسوية سياسية نهائية لهذه القضية لصالح شعوب المنطقة المغاربية وبلدان الجوار الجغرافي.
ومن خلال قراءة مضمون وخطاب البلاغ الملكي الصادر يتضح أنه رسائل موجهة للداخل والخارج؛ فمن من حيث الدلالات القانونية والسياسية للبلاغ الملكي الصادر فهو يتماشى مع الخطاب الملكي لعيد المسيرة الخضراء والبلاغ الملكي لسنة 2025 فالخطاب الملكي ينسجم مع قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 الذي عزز شرعية المقاربة المغربية المستندة إلى حل سياسي واقعي في إطار السيادة والوحدة الترابية، وهو ما أقر بدخول ملف الصحراء المغربية مرحلة الحسم على المستوى الأممي حيث حدد القرار الأممي المرجعية والمبادئ والمرتكزات الكفيلة بإيجاد حل سياسي ونهائي لهذا النزاع بتكريس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هذا التحول لم يكن نتاج ظرفية سياسية أو حملة دبلوماسية عابرة بل ثمرة رؤية ملكية متبصرة بعيدة المدى، قامت على مبدأ التدرج لحلحلة الملف الذي ظل جاثما بين رفوف أورقة الأمم المتحدة فبفضل الرؤية الملكية المتبصرة عرف ملف الصحراء تحولا عميقا نقل القضية من مجرد نزاع سياسي إلى مشروع دولة استراتيجي متكامل الأركان؛ فلم تعد المقاربة المغربية ترتكز فقط على الشرعية التاريخية فحسب بل على رؤية شاملة تربط بين الهوية الوطنية والسيادة القانونية ومشروعية الإنجاز على الأرض من خلال الاستثمار التنموي للأقاليم الجنوبية لتكتسب بذلك هذه الرؤية الملكية ريادة إقليمية راسخة.
وفي سياق تفعيل مقتضيات هذا القرار الأممي وما تلته من مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية تحت الرعاية الأممية، قام المغرب بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي وقدمها للأمم المتحدة لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق؛ فالقرار الأممي والخطاب الملكي الأخيرين يمثلان نقطة التقاء التاريخ والسياسة والتنمية في رؤية واحدة تؤكد أن استدامة الاستقرار في المغرب والمنطقة تعتمد على الاعتراف بالحقائق التاريخية وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية السيادة الوطنية مع بناء مستقبل مستقر وواعد لكل المواطنين المغاربة في مختلف جهات المملكة وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية والتنموية على الصعيدين الدولي والإقليمي وخاصة في الفضاء الأطلسي والساحلي والصحراء الكبرى.
لكن في ظل الجمود الأممي والتماطل التي تبديه الأطراف المناوئة لقضية الوحدة الترابية، يقلب المغرب الطاولة على أصحاب الأطروحات الانفصالية والإعلان عن عهد جديد في مسار تدبير هذا الملف الذي عمر طويلا، ولم يكن هذا القرار مفاجئا بل تحقق بفضل سياسة ورؤية ملكية حكيمة واستباقية بفضلها تبنى المغرب استراتيجية تدبيرية لنزاع الصحراء استراتيجية مركبة جمعت بين التشبث بالسند التاريخي والقانوني وتوظيف الآيات التفاوضية الأممية وتكثيف الحضور الدبلوماسي وانتهاج سياسية الصبر الاستراتيجي، وربط ذلك بمسار تنموي ومؤسساتي متواصل بالأقاليم الجنوبية، مما أفضى إلى إضعاف طروحات الأطراف الأخرى المناوئة للوحدة الترابية للمملكة.
هذه المكتسبات التي أفضت إلى إعادة توجيه النقاش الدولي نحو حلول وبدائل أكثر قابلية للتطبيق وهو ما ينطبق على المبادرة المغربية للحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، فالنقاش انصب بعد صدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء لهذا السنة انتقل إلى مضمون وجوهر مبادرة الحكم الذاتي المقدمة من قبل المغرب، والتي يجري على أساسها مسلسل التفاوض.
في ظل وضعية الجمود الذي عرفها تدبير ملف الصحراء في أورقة الأمم المتحدة ودخول الملف دائرة التنافس الدولي وأضحى أحد الأوراق بين لعبة التوازنات ا الجيوسياسية والاستراتيجية الدولية في إطار إعادة توزيع مناطق النفوذ بين القوى الدولية المتحكمة في صناعة القرار الدولي لم يعد الرهان معقودا على قنوات التدبير الأممي للملف بل الانتقال به إلى مجاله الترابي وإطاره القانوني الذي ظل حاضنا له والمتمثل في السيادة الوطنية والشعبية التي تملك الحقائق التاريخية والأدلة القانونية والمفاتيح التنموية لإنهاء هذا النزاع إلى الأبد ببسط السيادة الوطنية على كامل التراب الوطني. غير أن الأهمية القانونية والسياسية لهذا التحول لا ينبغي أن تُفهم على نحو يفيد الحسم النهائي والفوري للنزاع، فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار تغير وتبدل موازين القوى لصالح المملكة في محيطها الدولي والإقليمي وقراءة تعقيدات المشهد الدولي بواقعية سياسية.
لقد نجح المغرب بفضل الرؤية الملكية المتبصرة أن يجعل من عدالة قضية الصحراء منطقا دوليا مشتركا تتبناه العواصم والهيئات والمنظمات على السواء. فبلادنا تقدم اليوم مثالا على أن الوحدة الترابية ليست مجرد حدود جغرافية بل مشروع مجتمعي وسياسي يرتكز على الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية وعلى علاقة الشعب بالسلطة السيادية. فمغربية الصحراء اليوم لم تعد مجرد موضوع نقاش بل قاعدة انطلاق لأي تفكير مستقبلي في الحلول السياسية والتنموية فهذه الدينامية الدولية تبرهن على أن الرؤية الملكية الحكيمة والصائبة لم تكن فقط إطارا وطنيا لإدارة النزاع، بل مرجعا عالميا لإنتاج التوافق والاستقرار في فضاء إفريقي وأطلسي يتطلع إلى التنمية والأمن والاستقرار الإقليمي المشترك.
وعلى الجبهة الداخلية، فالرهان لم يعد، بلا شك، يتمثل في تقليص السيادة لكي يتسع الحكم الذاتي، ولا في تقليص الحكم الذاتي لكي تصان السيادة، بل في بناء علاقة قانونية دقيقة تجعل الاختصاصات الجهوية واسعة ومحمية في نطاقها، وتجعل الاختصاصات السيادية واضحة ومحصورة في نطاقها. وعلى هذه القاعدة يصبح تعميق الحكم الذاتي ممارسة ترابية واسعة للسلطة داخل سيادة واحدة، لا تقاس متانتها بما تعد به لحظة التفاوض فحسب، بل بقدرتها على العمل والاستمرار عندما تتباين المصالح وتتغير الحكومات وتتعرض المؤسسات للاختبار.
ومن ثم يصبح التساؤل مطروحا حول المسارات التي سيتخذها النزاع وحول رهانات الأطراف المتنازعة وأفق التسوية النهائية لقضية الصحراء المغربية وحول مستقبل التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية، ومدى قدرة القوى الكبرى على تجاوز خلافاتها بشأن آليات التسوية. فعدم تمديد ولاية المينورسو لا يعني عودة الملف إلى نقطة الصفر، بل طي صفحة امتدت 35 عاما، خاصة أن البعثة أنشئت في سياق تاريخي ارتبط بمعطيات لم تعد قائمة اليوم ويطرح سؤال الملاءمة لقواعد صيغت وطبقت منذ عام ولم تعد تساير معطيات1991 الواقع الحالي، وبالتالي فالاستمرار في مسار أممي متجاوز يدخل تدبير القضية في الحلقة المفرغة ما لم تتضح أسس التفاوض ومساره والأطراف المعنية به والوضع الإنساني في مخيمات تندوف. فالجزائر وصنيعتها الجبهة الانفصالية تتحملان مسؤولية توقف المسار الأممي، بما في ذلك مصير المينورسو وتعثر الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن، فقد ظلت تتعامل مع الاجتماعات كغاية في ذاتها لا كوسيلة للوصول إلى حل. فملف الصحراء لم يعد مجرد قضية مرتبطة بتمديد ولاية بعثة أممية، بل أصبح جزءاً من توازنات دولية وإقليمية تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية والمواقف السياسية والرهانات الدبلوماسية.
في ظل هذه التطورات، تبقى مبادرة الحكم الذاتي المقدمة عام 2007، وبصيغتها المحينة، المرجع المغربي وأساس أي حل سياسي شريطة وضوح محاور التفاوض وإطاره وشروطه بدل العمل في ظل غموض قواعد قديمة. وفي ظل التطورات الأخيرة التي شهدها ملف الصحراء يمكن للمغرب الاستمرار في تدبير هذه القضية وفق ما حدده بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب هذه التطورات؛ فالبلاغ اعتبر أن عدم تمديد مهمة المينورسو يشكل تطورا مهما وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه طي ملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تستدعي إنهاء الوجود الميداني للبعثة في الأقاليم الجنوبية، ووضع حد للمسار السياسي الأممي بصيغته الحالية مع مواصلة الدينامية الدبلوماسية المغربية على المستويين الثنائي والإقليم، على تأكيده على تمسك المغرب بوقف إطلاق النار مع الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه.
كما يظل المسار الجديد في تدبير المغرب للقضية الوطنية الترابية، محكوما ببيئة إقليمية معقدة تتسم باستمرار التوتر في الفضاء المغاربي وبالتحولات المتسارعة في منطقة الساحل، وهو ما يجعل من التسوية المحتملة رهانا يتجاوز البعد القانوني الصرف إلى اعتبارات جيوسياسية وأمنية وتنموية أوسع. ومن ثم فإن الأفق الاستراتيجي لإيجاد حل لهذا النزاع المفتعل الذي هو من مخلفات الحقبة الاستعمارية والحرب البادرة لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجرد نهاية لنزاع إقليمي، وإنما باعتباره مدخلا لإعادة بناء التوازن بين الشرعية الدولية والمرجعية الدستورية، وبين الوحدة الوطنية والتدبير الترابي الديمقراطي، وبين الاستقرار الداخلي وإمكانات الاندماج الإقليمي.
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بمعهد الدراسات الإفريقية بالرباط، ورئيس مركز إشعاع الدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات
اترك تعليقاً