روسيا والمغرب والصحراء: حين تتقدم المصالح الاستراتيجية على منطق التحالفات والانتظارات الدبلوماسية

لم يكن استخدام روسيا لحق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، يوم 30 أكتوبر 2026، مجرد حدث عابر في مجلس الأمن، بل شكّل محطة دبلوماسية تستحق قراءة متأنية، خصوصا بالنظر إلى تزامنه مع انعقاد القمة الروسية الإفريقية الثالثة بموسكو، يومي 28 و29 أكتوبر، التي مثّلت فيها المغرب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في أول مهمة خارجية لها منذ توليها رئاسة الحكومة.
إن فهم الموقف الروسي لا ينبغي أن يقتصر على ردود الفعل العاطفية أو تحميل المسؤولية لشخص بعينه، بل يتطلب العودة إلى سياق العلاقات الدولية، وإلى طبيعة الخيارات التي اعتمدتها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
روسيا لا تنسى حسابات السياسة الدولية
من المهم التذكير بأن المغرب اتخذ، خلال الحرب الروسية الأوكرانية، مواقف أممية لم تكن منسجمة مع الموقف الروسي.
ففي أكتوبر 2022، صوّت المغرب لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرافض لإعلان روسيا ضم أربع مناطق أوكرانية. وفي فبراير 2023، صوّت لصالح قرار يطالب بانسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية.
كما تحدثت تقارير صحفية متخصصة، أواخر سنة 2022، عن موافقة المغرب على توفير قطع غيار لدبابات T-72 الأوكرانية عبر شركة تشيكية، في إطار ترتيبات مرتبطة بتحديث دبابات أبرامز الأمريكية التي يتوفر عليها المغرب.
وفي 28 أكتوبر 2026، صوّت المغرب أيضا ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المطالب بإنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الأمريكي المفروض على كوبا، إلى جانب الولايات المتحدة ودول أخرى، في تحوّل عن موقف الامتناع الذي اتخذه سنة 2025.
هذه الوقائع، وإن لم تثبت أن روسيا اتخذت قرار الفيتو عقابا للمغرب، فإنها تطرح سؤالا مشروعا حول مدى تأثير الاختيارات الدبلوماسية المغربية في نظرة موسكو إلى موقع الرباط ضمن التوازنات الدولية.
فالدول لا تدير علاقاتها بمنطق المجاملة، ولا تتعامل مع التحالفات باعتبارها شيكات على بياض، وإنما وفق حسابات المصالح الاستراتيجية المتبادلة.
الجزائر والتنافس الروسي الأمريكي: خلفية لا يمكن تجاهلها
لا يمكن تحليل الموقف الروسي دون استحضار طبيعة العلاقات الاستراتيجية التي تربط موسكو بالجزائر، خصوصا في المجال العسكري والتسليحي.
فالجزائر شريك مهم لروسيا في شمال إفريقيا، ومن الطبيعي أن تأخذ موسكو مصالحها وعلاقاتها معها بعين الاعتبار عند التعامل مع ملف الصحراء.
إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل الموقف الروسي عن التنافس مع الولايات المتحدة، ومحاولة موسكو منع واشنطن من الانفراد بتحديد مسارات التسوية في الملفات الدولية.
وقد بررت روسيا الفيتو رسمياً برفضها ما اعتبرته حلا أحاديا يسبق المفاوضات ويحسم مسائل السيادة دون توافق الأطراف، كما دافعت عن استمرار دور المينورسو في إطار مرجعية الأمم المتحدة وحق تقرير المصير.
واللافت أن موسكو لم تكتفِ بإسقاط المشروع الأمريكي، بل قدمت مشروعاً بديلاً لتمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، لكنه لم يحصل إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، ولم يحظَ بالأغلبية المطلوبة.
وهذا يبيّن أن الموقف الروسي لم يكن مجرد اعتراض على المغرب، بل ارتبط أيضاً بالدفاع عن تصور مختلف لتدبير الملف الأممي.
قمة موسكو: القفطان المغربي واللغة الفرنسية
في خضم هذه التطورات، استقبلت موسكو رئيسة الحكومة المغربية فاطمة الزهراء المنصوري، التي مثّلت المغرب في القمة الروسية الإفريقية الثالثة.
ولا يمكن إنكار أن حضورها بالقفطان المغربي كان أنيقاً، وحمل صورة جميلة عن الزي المغربي الأصيل، وهو جانب يستحق التنويه في التمثيل البروتوكولي للبلاد.
لكن الإشكال الذي أثار النقاش هو اختيار اللغة الفرنسية لإلقاء كلمتها في القمة، عوضاً عن اللغة العربية، وهي إحدى اللغتين الرسميتين للمغرب إلى جانب الأمازيغية.
وقد حاول بعض المدافعين عن هذا الاختيار تقديم تبرير مفاده أن استعمال الفرنسية كان رسالة إلى روسيا بأن المغرب يمثل مدخلاً إلى إفريقيا الفرنكوفونية، ورسالة إلى الأفارقة بأن المغرب قادر على تمثيل مصالحهم والتواصل معهم.
لكن هذا التبرير لا يبدو مقنعاً بما يكفي.
فالمغرب ليس مجرد بوابة لغوية إلى إفريقيا، ولا تُختزل علاقاته بالقارة في الفضاء الفرنكوفوني. إنه بلد إفريقي له امتدادات تاريخية وثقافية واقتصادية في مختلف مناطق القارة، وله علاقات مع دول ناطقة بالعربية والإنجليزية والفرنسية والبرتغالية وغيرها.
كما أن تعزيز الحضور المغربي في إفريقيا لا يتعارض مع الاعتزاز باللغة العربية، ولا يفرض التخلي عنها في المحافل الدولية.
بل إن اعتماد لغة وطنية رسمية في خطاب تمثيلي رفيع كان يمكن أن يحمل رسالة إضافية حول الثقة في الهوية المغربية والتعدد اللغوي والثقافي للمغرب.
ولا يتعلق الأمر هنا بمعاداة اللغة الفرنسية أو التقليل من أهميتها في التواصل الدولي، وإنما بطرح سؤال سياسي وثقافي مشروع: لماذا لا تكون اللغة العربية حاضرة في خطاب رسمي يمثل الدولة المغربية، خصوصاً في مناسبة دولية بهذا الحجم؟
هل تتحمل رئيسة الحكومة مسؤولية الفيتو الروسي؟
من جهة أخرى، حاول بعض منتقدي رئيسة الحكومة تحميلها مسؤولية الفيتو الروسي، باعتبار أن هذه كانت أول مهمة خارجية لها، وأنها لم تستطع إقناع موسكو بعدم استعمال حق النقض ضد المشروع الأمريكي.
وهذا بدوره تبسيط مخلّ بطبيعة العلاقات الدولية.
فليس من المعقول تحميل رئيسة الحكومة مسؤولية قرار تتخذه دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وفق حساباتها ومصالحها الاستراتيجية، ولا تملك الحكومة المغربية سلطة التحكم فيه.
كما أن الزيارة لم تكن مهمة تفاوضية منفردة حول قضية الصحراء، بل كانت مشاركة في قمة دولية، حضرها أيضاً وزير الخارجية ناصر بوريطة، الذي أجرى لقاءات واتصالات مع المسؤولين الروس.
ومع ذلك، فإن عدم تحميل المنصوري مسؤولية الفيتو لا يعني إعفاء الدبلوماسية المغربية من المساءلة السياسية بشأن حصيلة علاقاتها مع موسكو، ومدى قدرتها على استباق المواقف الروسية وبناء قنوات تفاهم فعالة معها.
فالمطلوب ليس أن تمنع رئيسة الحكومة الفيتو، وإنما أن تكون للدولة المغربية استراتيجية دبلوماسية متعددة الاتجاهات، قادرة على تدبير الاختلافات مع القوى الكبرى دون التفريط في المصالح الوطنية.
كوبا أيضاً تطرح سؤال اتساق المواقف
ومن المفارقات التي تستحق التوقف عندها أن المغرب صوّت ضد قرار رفع الحصار عن كوبا، في وقت يطالب فيه المجتمع الدولي باحترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
صحيح أن العلاقات المغربية الكوبية عرفت خلافات تاريخية، خصوصاً بشأن قضية الصحراء، وأن كوبا كانت من الدول التي دعمت جبهة البوليساريو، لكن ذلك لا يلغي أن الحصار الأمريكي يطرح قضية مستقلة تتعلق بالسيادة وحق الشعب الكوبي في تقرير اختياراته الاقتصادية والسياسية بعيداً عن العقوبات الأحادية.
ومن حقنا أن نتساءل عن مدى انسجام هذا التصويت مع المبادئ التي تعلنها الدبلوماسية المغربية في مناسبات دولية أخرى.
الدبلوماسية المتعددة الاتجاهات ضرورة وليست ترفاً
إن الدرس الأبرز من هذه التطورات هو أن الرهان على قوة دولية واحدة، مهما كانت أهمية التحالف معها، لا يكفي لحماية المصالح الوطنية.
فالعلاقات المغربية الأمريكية مهمة، والاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء مكسب دبلوماسي لا يمكن تجاهله، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب بناء علاقات متوازنة مع روسيا والصين وبقية القوى الدولية.
كما أن علاقات المغرب التاريخية والاستراتيجية مع روسيا لا ينبغي أن تُختزل في قضية الصحراء، ولا أن تتحول إلى مجرد انتظار لدعم روسي دون مراعاة المصالح المتبادلة.
إن قضية الصحراء المغربية تحتاج إلى دبلوماسية هجومية وواقعية، لا تكتفي بالرهان على المواقف الأمريكية والفرنسية، بل تعمل على توسيع دائرة التفاهمات الدولية، وتفهّم حسابات القوى الكبرى، وتستثمر في علاقات المغرب الإفريقية والدولية على قاعدة المصالح المشتركة.
أما رئيسة الحكومة، فالأجدى أن نقيّم تجربتها انطلاقاً من حصيلة أدائها ومواقفها والنتائج التي تحققها، لا من لون قفطانها، ولا من تحميلها مسؤولية فيتو لا تملكه.
اترك تعليقاً