خارج الحدود

اختبار الجغرافيا والعقيدة؟.. هل تورط الجزائر قواتها في مستنقع أمني مفتوح بالساحل؟

اختبار الجغرافيا والعقيدة؟.. هل تورط الجزائر قواتها في مستنقع أمني مفتوح بالساحل؟

وضعت موافقة البرلمان الجزائري على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى شمال النيجر العقيدة العسكرية للجزائر أمام اختبار جديد، بعدما انتقلت السلطات في عهد الرئيس عبد المجيد تبون من التشبث بمبدأ عدم التدخل في الأزمات الإقليمية إلى الاستعداد لنشر قوات خارج الحدود، في مهمة تقدمها رسميا باعتبارها إجراء لحماية المصالح الاقتصادية، لكنها تفتح أسئلة بشأن جاهزية الجيش لخوض عمليات ميدانية في منطقة الساحل، وحدود التحول في العقيدة العسكرية الجزائرية.

وأثار القرار، الذي طلبه تبون شخصيا في 25 أكتوبر بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، تحفظات داخل البرلمان، رغم حصوله على الموافقة، إذ امتنع ممثلو التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية عن التصويت، معتبرين أن أي عملية عسكرية خارجية، حتى وإن جاءت استجابة لطلب من نيامي، تظل خطوة محفوفة بمخاطر كبيرة.

وتكشف طبيعة المهمة المعلنة عن ارتباط مباشر بين الانتشار العسكري والمصالح النفطية الجزائرية في النيجر، حيث أوضحت مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن القوات الجزائرية ستتولى حماية العاملين والمنشآت التابعة لشركة “سيبكس”، فرع “سوناطراك”، المكلفة بالتنقيب عن النفط في منطقة كافرا، ضمن مشروع يتضمن حفر أربعة آبار، من بينها بئر “كافرا جنوب شرق 1″، التي تقدر مواردها بنحو 2.5 مليار برميل.

ويضع هذا المعطى القرار الجزائري أمام تساؤلات بشأن مدى اتساقه مع مبدأ عدم التدخل الذي ظلت الجزائر تتمسك به في مواقفها من أزمات المنطقة، خصوصا أن المهمة، وإن قدمت باعتبارها إجراء لحماية منشآت اقتصادية، تندرج في سياق دعم عسكري متزايد تقدمه الجزائر للسلطات النيجرية.

وأبرز التقرير أن التبرير الأمني لهذا الانتشار يستند إلى تدهور الوضع في شمال النيجر، حيث شهد شهر أكتوبر توقيف مواطنين أجنبيين في مدينة بيلما وبحوزتهما أسلحة، كما تعرضت حافلتان تابعتان لشركة “سونيتراف” لهجوم على محور أرليت-أغاديز، في قضية مرتبطة بنقل الذهب، أسفرت عن مقتل 12 شخصا، فضلا عن نشاط مجموعات مسلحة وعصابات تنشط في المنطقة.

غير أن “جون أفريك” اعتبرت أن اختزال المهمة في حماية قاعدة نفطية لا يعكس كامل أبعاد التحرك الجزائري، مستحضرة الدعم العسكري الذي قدمته الجزائر لنيامي خلال الأشهر الماضية، من خلال نشر أربع طائرات مقاتلة من طراز “سوخوي سو-30” وطائرة للتزود بالوقود، إلى جانب تقديم أربع مروحيات للجيش النيجري، من بينها مروحيات “مي-24 في” المطورة وفق معيار “سوبر هيند إم كيه 3”.

وأضاف التقرير أن الجزائر عززت أيضا حضورها اللوجستي في منطقة عين قزام، التابعة للناحية العسكرية السادسة، عبر نقل قطع غيار وذخائر ومعدات، مشيرا إلى أن هذه القاعدة، الواقعة على بعد نحو 30 كيلومترا من الحدود النيجرية، يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لمهام عسكرية مختلفة، بينما تحدثت مصادر نيجيرية عن احتمال إيواء الوحدة الجزائرية في القاعدة الجوية ماداما، دون تأكيد رسمي من سلطات نيامي.

وتبرز إحدى أبرز نقاط الاختبار في مستوى الجاهزية العملياتية للجيش الجزائري، إذ أشار التقرير إلى أن القوات الجزائرية لم تخض مواجهات عسكرية منذ نهاية العشرية السوداء سنة 2002، وأن جنودها سيجدون أنفسهم أمام مجموعات مسلحة متمرسة في بيئة ميدانية معقدة، بما يفرض عليهم التعامل مع مخاطر الألغام والعبوات الناسفة والهجمات بالطائرات المسيرة، فضلا عن تحديات الاستطلاع والتكيف مع طبيعة العمليات في منطقة الساحل.

ولفتت المجلة إلى أن ضربات بالطائرات المسيرة جرى توثيقها منذ الصيف الماضي في محيط سيغيدين بمنطقة بيلما وإيمي لولو بأغاديز، معتبرة أن القوات الجزائرية ستكون مطالبة بتطوير قدراتها في مجال الاستخبارات الميدانية والتعامل مع هذه التهديدات، في وقت يطرح فيه الانتشار تساؤلات بشأن قدرتها على تجاوز ما وصفه التقرير بثقل التنظيم العسكري الموروث عن النموذج الروسي.

ويعيد هذا التحرك إلى الواجهة التناقض بين الخطاب الجزائري الرافض للتدخلات العسكرية الأجنبية في منطقة الساحل، وبين قرار إرسال قوات إلى دولة مجاورة، بعدما كانت الجزائر قد رفضت التدخل عقب الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم سنة 2023، مفضلة حينها الرهان على حل سياسي لم يتحقق.

وربط التقرير التحول في المقاربة الجزائرية بحادث إسقاط الجيش الجزائري طائرة مسيرة مالية قرب تينزاواتين، ليلة 31 مارس وفاتح أبريل 2023، معتبرا أن تزايد الأزمات الأمنية في المنطقة دفع القيادة الجزائرية إلى إعادة النظر في حدود سياسة عدم التدخل، والاستعداد لتشكيل قوة قادرة على تنفيذ مهام خارج الحدود، وهو توجه ارتبط، بحسب المصدر، بدور رئيس أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة.

ولا تقتصر التحديات التي يطرحها الانتشار على الجانب الميداني، إذ أثارت المجلة أسئلة بشأن الجهة التي ستملك صلاحية إصدار الأوامر بفتح النار، وما إذا كانت القيادة ستعود إلى هيئة الأركان الجزائرية أو قيادة مشتركة بين البلدين أو مركز التنسيق العملياتي المندمج في النيجر، فضلا عن الإشكالات القانونية التي قد تترتب على وقوع قتلى خلال أي مواجهة بين القوات الجزائرية ومواطنين نيجريين.

واعتبر التقرير أن هذه الأسئلة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى أن العملية لا تتوفر، وفق المعطيات التي أوردها، على تفاصيل رسمية واضحة بشأن مدة الانتشار وشروط استقبال القوات الجزائرية، وهي عناصر قد تؤثر في طبيعة المهمة وحدودها، خصوصا أن التجارب الأمنية في منطقة الساحل أظهرت تعقيدات استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة.

وحذرت المجلة من أن غياب أفق زمني واضح للعملية قد يضع القوات الجزائرية أمام خطر التورط في وضع أمني يصعب التحكم في مساراته، معتبرة أن نجاح الانتشار سيظل رهينا بوضوح المهمة والقيادة وشروط التدخل، وبقدرة الجيش على التعامل مع التحديات الميدانية التي تفرضها منطقة الساحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *