المشيخة التنظيمية والتعطيل العضوي

11 أبريل 2016 - 22:45

المشيخة التنظيمية التي اقصد هنا هي تلك السلطة المادية و المعنوية التي يفرضها بعض الاعضاء الذين يعتبرون من الرعيل الاول او الجيل المؤسس او حتى الاعضاء القدامى ، هذه السلطة التي تجعلهم في سدة القرار و التسيير بشكل تلقائي ولا تكتفي بهم الى حد الرأي و المشورة فقط – وان كانت مطلوبة احيانا – بل تتجاوز ذلك لتمنحهم الوصاية على باقي الاعضاء . ينتج عن هذه السلطة تباين في البنية التنظيمية ؛ بنية فوقية و اخرى تحتية ؛ مشايخ و مريدين و تبع لهم . تفرض هذه السلطة نوعا من الهدر العضوي و اقصد به ذلك الهدر الذي يقع على باقي الاعضاء فيجمد طاقاتهم و يعطل قدراتهم . فثقافة كهته التي تعطي ( الشرعية التاريخية ) لأشخاص و تقف عند اوامرهم ونواهيهم وقراراتهم دون ان ترجع الى عموم اعضاء التنظيم الواحد بدعوى الخبرة و التجربة و الاقدمية ، لا يسعني إلا ان اسميها ثقافة الانتحار التنظيمي او اجهاض الذات التنظيمية ، فهي تقتل الابداع و تبطل التجديد في التنظيم كيف ما كان بل انها تصنع نظاما مغلقا يميل الى التكرار و اعادة انتاج نفس الوضع باعتبار هذا النظام يستمد قوته من (الشرعية التاريخية ) ومن سلطة المشيخة التنظيمية كنظام مثالي. فهذه الثقافة تخلق شئنا ام ابينا حالة من ( المثلنة) اي رفع الذات او التجارب السابقة الى درجة الانا المثالي و التجربة المثالية وهذا ما يفرض نوعا من التبعية لؤلئك (الشيوخ المنزهين عن الخطأ و المالكين للحقيقة المطلقة ) فيصبح كلامهم ليس حوارا … بل املاء فوقي وبذلك ينبني الذهن على اساس الجواب الواحد الصحيح الذي يسبغ عليه طابع اليقين . فالعضو يستوعب الكلام ويعيد انتاجه في سلوكه و تفاعله و بالتالي فهو لا يفكر ولا يناقش ولا حتى ان يتساءل لكي ينتج معرفة جديدة او اصيلة . فمفهوم المشيخة يأتي ضدا لمفهوم التجديد و الابداع الذي يشكل الدينامية الحيوية لكل تغير و نماء باعتبارها تجاوز للواقع الراهن نحو الافضل . ومن اخطر تجليات هذه الثقافة انها تقضي على التعدد الداخلي للتنظيم و تصد الباب امام التنوع و التفاوت و الاختلاف لأنها توقع فكر العضو و وعيه في الانغلاق و تحول دون انطلاق طموحات التفكير و الابداع و التجديد.

ثقافة الولاء بدلا من ثقافة العمل و الانجاز

فحين تصبح هذه الثقافة هي السائدة في اي تنظيم كيف ما كان فانه و بشكل محتم يجعل اعضاء التنظيم يوظفون كل طاقاتهم او جلها على الاقل في اثبات تبعيتهم وولائهم (لشيوخهم) فتظهر مصطلحات جديدة تكرس نفس التبعية و الولاء على سبيل المثال (الاب الروحي) وهو ما يجعل الجهد الانتاجي و لانجازي و العطاء و المبادرة اشياء ثانوية من حيث الاهمية و القيمة و الاولوية.
نحو ثقافة العمل و الانجاز.

ما نهضت امة او جماعة او تنظيم قديما او حديثا الى و انطلق من تبني ثقافة الانجاز و العمل تبعا لناموسها كسنة كونية . ثقافة الانجاز التي تشكل قاعدة كل نماء او بناء او تقدم ، لا يرى العضو من مفهوم لذاته او تصوره إلا اعتباره كائنا منجزا و عضوا فاعلا يحس بتنمية طاقاته و توظيفها ، كما ان استمرارية اي تنظيم قائمة على الجهد الذاتي و الجماعي بما فيه من تجديد و ابداع. فثقافة الانجاز تحدد المكان الطبيعي و الصحيح لكل عضو بل و تشعره بالذات الجماعية وتزوده بقوة الانتماء على عكس ثقافة الولاء التي لا تفعل شيء سوى هدر الطاقات و الكفاءات التي لطالما اعتبرت ثانوية في عقيدتها . تعدم الطاقات الاكثر حيوية و دينامية على مذبح الولاء و المشيخة . و هكذا تهمش فئات كبيرة من ذو الكفاءات و المؤهلات ، و الخطر الاكبر ان هؤلاء المهمشون يجترون الى دوامة الاحباط و المعاناة ويشتعل في نفوسهم الغضب على واقع الحال . وهذا كاف بان يحرق الامكانات ذاتها التي توظف في احتقان النفوس في حالة من الاحساس بالا جدوى . وربما قد يظهر صنف اخر لا يقل خطورة يحاول تجنب التهميش من خلال العمل بشعار (كل واحد يعوم بحرو _ دبر راسك _ منك ليه )و بالطبع فان مثل هذه الاوضاع ستؤدي الى هدر عضوي رهيب ثم بشكل حتمى ستؤدي الى هدر التنظيم لإمكانياته و رصيده الاستراتيجي المستقبلي الذي يشكل اساس وجوده.

لهذا كله فصحة اي تنظيم و حيويته و قوته تتوقف على حيوية فكره و يقظة وعيه وقوة بنيته العضوية و حسن توظيفها .

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص والمهن الحرة

جنرال الصمود.. الأسير الفلسطيني نائل البرغوثي

أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط

ادمينو يكتب.. تدبير المخاطر الانتخابية في ظل الانتخابات المقبلة

هل تنقذ الملكية ليبيا؟

رهانات الأحزاب للمحطة الانتخابية لسنة 2021 (الجزء الأول) العدالة والتنمية ورهان الولاية الثالثة

تابعنا على