وجهة نظر

هل يعود الكتاب الذهبي بحلول السنة الجديدة؟

لنتذكر جميعا عهدنا الأول بالكتابة، في مراحل الطفولة كنا نخط صداقاتنا في مذكرات اخترنا لها اسم “الكتاب الذهبي” ، يا له من إسم مدهش ومضحك أيضا، تتصفحه كثيرا كأنك تقف أمام مرآتك الشخصية، فتحرص على تزيينه بأجمل الأشكال و الصور، وتصر على توزيعه على جميع أصدقاء الدراسة حتى الذين لا تربطك بهم علاقة ود.

وأنا أسترجع ذكرياتي معه، وجدته فعلا كتاب فيه من قيم التسامح والمحبة غير المشروطة الشيء الكثير، فكتاباتي فيه وزملائي الصغار كانت بريئة ومشاغبة وغاضبة أحيانا، وهنا أفتح قوس لأشير إلى لحظات الصفاء في العلاقات الإنسانية بمرحلة الطفولة، كنا جميعا أكثر صراحة ونتواصل بشكل مباشر لا لف ولا دوران يشوبه، كانت كلمات “أنا غاضب منك، أعتذر وسامحيني”، تقال بشكل سريع وتقبل بتجاوب أسرع.

” الكتاب الذهبي “، كان عالمنا السري، نكتب فيه خوفنا وسبب الدمعات والحسرات، ونخط فيه أكبر وأغرب الأمنيات، الراشدون الآن يصعب على الكثير منهم أن يجالس ورقة وقلم، وكأنه يخاف أن يتكاشف مع نفسه، يخجل من المذكرة أن تعلم عمق تردده ومسببات خيبته.

غدونا أقل شجاعة وأكثر جبنا وكسلا من أن نجالس ذواتنا ونقيس أحلامنا بواقع حالنا اليومي، وهذا ما يفسر فشل البعض منا في الاستفاذة من دورات تدريبية لتطوير حياته، لأنه يجد نفسه مجبرا على تفكيك وضعيته بنفسه ويخجل من أن يطلب مساعدة خارجية فيكون التسويف والتأجيل آفته وحله السحري للهروب من مهمة لابد له من إنجازها.

في مطلع السنة الجديدة آمل أن تتملكنا جميعا رغبة في إحياء علاقتنا الفطرية بالكتابة، لا يهم متى وكيف تبدأ المهم أن تطلق سفينة إرادتك وعزيمتك.

فالكتابة يا أصدقائي الصغار والكبار شفاء لما في العقول والنفوس من حيرات متراكمة، وأفكار متضاربة، وقلق مركب وخوف متجدد، فلكم في الكتابة أكثر من حياة يا أولي الألباب.

هي انسحاب من ضجيج المدن وصخب العلاقات وثقل الماديات، فضاء رحب لمن ضاق به الاختلاف وأتعبه تقبل الطباع وأرهقه أنين الضمائر وأشكلت عليه الظواهر وتداخلت عنده الحوادث.

الكتابة هي فرصتك للتخلص من الأحزان والأسقام، وسبق أن أثارني فيلم أمريكي يحكي قصة شابة جميلة أصيبت بداء السرطان، فحولت تجربتها المؤلمة إلى إنجاز ونجاح حينما أصدرت كتابا يسرد تشبثها بالأمل رغم كل الآلام، وهنا أيضا لا يفوتني أن أتذكر معكم سجن سيد قطب رحمه الله الذي أخرج للمسلمين تفسيرا متميزا يفيض بالجمال والجلال ويرقى بالعقل والوجدان.

فتكون الكتابة أيضا بمثابة صوتك الداخلي، وجندك الخفي وضميرك الذي يصر على المقاومة والثبات على درب آمنت به منذ زمن.

هي عالمك الخاص، جزء من صورتك المصغرة عن فهمك للعالم وتفاعلك معه، مهما كانت كلماتك وأحرفك بسيطة وغير دقيقة وأحيانا غالبة السطحية، لكنها بضع منك، بذرة في أولى مراحلها تحتاج منك لتعهد وحب ورفق وغفران وتفقد و تحفيز وتطوير ومواصلة ومكابدة، فهي مبادرتك الشخصية لإحياء فكرة و سؤال وعبرة.

هي فرصتك لمراجعة قناعات وأفكار مسبقة حول موضوع ما، فالعقل الذي لا يتجدد بالنقد وإعادة البناء مصيره الكساد والتوقف عن العطاء.

إياك أن تحول أحرفك لأسهم سامة تقتل بها أمال الآخرين في غد أفضل، حلل دون أن تجرح، ناقش بلا تعالي أو تعجرف، لا تحول كتاباتك إلى انتقام وغضب جامح، وصراع وتباكي وعويل.

أصلح نيتك أولا، ابتغي بكلماتك مهما اختلف تخصصك رضى ربك ونشر الخير و الفضيلة، وانتصر للحق ولو على نفسك.
أكتب بطموح فربما يوما ما تغدو كاتبا وهنا أستحضر مقولة “كل ما عليك هو أن تكتب بشكل يومي حتى تصبح كاتباً”.