https://al3omk.com/201415.html

صلاح الدين الأيوبي وتهافت يوسف زيدان 6/4

يتهم زيدان صلاح الدين أيضا بأنه كان يعاقر الخمر حين كان شحنة للقاهرة، أي قائدا لشرطتها بتعبير ذلك العصر ، وهو عندما يثير هذه القضية ، لا يستهدف تبخيسه في عين النخبة، وإنما يريد أن يفعل ذلك في عيون الجمهور العربي والعامة من الناس الذين هم من يهتمون غالبا بالسلوك القويم للحكام، الذي ينبغي أن يكون مطابقا لتعاليم الشريعة الإسلامية.إنه يحاربه هذه المرة على مستوى الطبقات والحارات الشعبية لينتزعه من وجدانها ،ويألبها ضده ويدفعها بهكذا كتابة ملغومة للانتحار وللحيرة الحضارية، عندما تتخلص بمعونته الفذة من نفائسها التاريخية. بل هو يشن حربا شعواء ضد الرموز على مستوى البنية التحتية للمجتمع العربي، وهي أخطر الحرب وأفدح الطعن وأقذع اللعن. ولكن الإنصاف يقتضي أن نهمس في أذنه أن صلاح الدين يقيم بموهبته العسكرية، وبحنكته السياسية، لأنه لم يكن يوما نبيا معصوما، بل قائدا يمشي بين الناس والجنود، يكر ويفر ،ينتصر وينهزم، يضعف أمام مباهج الحياة ويتقيها في نفس الآن. ويمكن أن يشرب الخمر في بداية حياته كباقي الناس، ويتوب مثلهم كلما تدرج في الحياة، وتمكن منه الإيمان وعركته تصاريف القدر، وأحس أنها تهيؤه للملمات والمهام الكبيرة.وزيدان الذي صدعنا مشكورا بالطبع بأننا أمة لا تمتلك الحس النقدي ،ضعيفة أمام الخرافة، بعيدة كل البعد عن نهر الحداثة، هو آخر من كان ينبغي له أن يتكلم عن شرب الخمر من قبل صلاح الدين لأنه يعرف أنها ليست نقيصة في منهجه الذي يدعو له، مادام يعلم أن كبار القادة الغربيين الذين يطلب منا أن نلتحق بركبهم ،و نقدس العلم مثلهم ولا شيء آخر غير العلم، يشربون الخمر.ولكنه يدغدغ عاطفة الأمة الإسلامية فلا يستنكف عن استعمال سلاح الخمر، وهو ما كان ينبغي له أن يتورع عنه كمثقف حداثي عقلاني فيحاكم صلاح الدين القائد والسياسي، لا صلاح الدين الإنسان ،و خصوصا وأن الخوض في سيرة بعض العظام يتجاوز هذه السفاسف، ولا يلتفت لمثل هذه الصغائر.ولكن هيهات هيهات أن ينصرف لذلك ،وهو قد خطط بسبق إصرار لحرب شاملة طاحنة لا تبقي ولا تذر على صلاح الدين وصورته.

في تحامله المنهج هذا على الناصر صلاح الدين ، لا يسلم زيدان أن يقع في بعض التناقضات ،حيث يتهمه في ختام مقالته التي نشرها بجريدة المصري اليوم بتاريخ 2017/5/30 تحت عنوان أجوبة الأسئلة العشرين الكاشفة لحقيقة صلاح الدين، أنه هو من أرسى قاعدة الحكم لمن غلب التي لازالت معمولا بها منذ ذلك الوقت في العالم العربي، لكننا عندما نعود لكتابه فقه الثورة وتحديدا الصفحة233 من النسخة الصادرة عن دار الشروق، نجده يذكر بالحرف أن سيف الدين قطز المملوكي قائد معركة عين جالوت ولا نقول بطلها لكي لا يغضب زيدان ،و الذي ملك مصر بعد 66 سنة من وفاة صلاح الدين، كان أول من أقر لأول مرة القاعدة الرهيبة التي ظل العسكريون يطبقونها لعدة قرون تالية وهي قاعدة الحكم لمن غلب ،و كان أول من تبعه في ذلك الظاهر بيبرس، ثم قلاوون. ولهذا نخبره أننا نرتبك الآن.، لأنه ما عدنا ندري لمن نلصق إثم هذه السنة البذيئة وإثم من عمل بها، هل لصلاح الدين أم لقطز؟لكم الخيار أو على الأصح لنترك لزيدان أن يعيد لنا ترتيب كل هذا الأمر وحسمه لأحد الرجلين. وبمناسبة الإتيان على ذكر هذه القاعدة في مقاله سنكتشف أن زيدان سيتحول إلى قومي عربي قح حين يرى بأن صلاح الدين قد دمر الروح القومية لما اشترط لحكم الغالب أن يكون مسلما فقط، وهذا تخليط فظيع. فصلاح الدين كان سلطانا تابعا لحاكم عربي قرشي ببغداد ،وكان يدافع عن دار الإسلام التي كانت تطابق في مجال رقعة تحركه دار العروبة، بل هو نتاج للروح الإسلامية و للقومية العربية أيضا. فقد جاهد في نطاق هذه الهوية التي كانت لها آنذاك قدرة فائقة على صهر الكثير من الشعوب غير العربية والأبطال من غير العرب ، لدرجة أننا لا نشعر الآن أن صلاح الدين، أو ابن سينا ،أو عبد القادر الجيلاني ،وغيرهم، ليسوا عربا بانتمائهم البيولوجي العرقي ماداموا قد شكلوا يوما ما النبوغ العربي بشكل من الأشكال.كان على زيدان قبل أن يبادر بهذا التصريح ،أن يضعه في سياقه التاريخي بأن يتقمص في وجدانه ذاك العصر ويناقشه بأدوات وتواضعات ومفاهيم ذلك العصر.
هل يا ترى كان صلاح الدين بطلا حقيقيا ،أم مجرد خرافة، انطلت علينا ،نحن السذج البسطاء الذين يرون بقلوبهم لا بعقولهم، الجياشون في عواطفهم، والمتخلفون أبد الدهر عن العالمين؟. يوسف زيدان يرى أن صلاح الدين انهزم أكثر مما انتصر.انكسر قبل حطين في موقعة الرملة التي سبقتها ب10 سنوات وفي موقعة أسروف التي تلتها ب 4 سنوات والتي مزق فيها جيشه بالكامل ، ودفع بعدها مرغما للتخلي عن جزء غير ضئيل من البلاد العربية ،وأن حجم انتصاره في حطين كان مبالغا فيه من طرف المخيلة العربية، خصوصا وأنه حازه من خلال خطته في تسميم الآبار . ولكننا نرى أن الهزيمة والنصر أمران عاديان في حياة القادة العسكريين الكبار، فالحرب منذ نشأتها على ظهر البسيطة كانت سجالا. وليس هناك إلا قائدان اثنان في التاريخ لم ينهزما قط هما: خالد بن الوليد، والمغولي هولاكو. بل إن الرسول نفسه لم ينتصر في موقعة أحد ، ومع ذلك استطاع أن يستثمر هذا القتال لاستخلاص بعض العبر حيث قال: أن أحدا جبل يحبنا ونحبه .ولم تؤثر الهزيمة في معنويات المسلمين وتجرهم إلى تقريع الذات والانكفاء. فمجرد الحرب يشكل أحيانا كل النصر. لأنه يعني عدم القبول بالوضع، ويمنحك حتما شرف المحاولة.لقد استطاع صلاح الدين أن يوحد العديد من الأجناس المسلمة تحت راية الجهاد ويوجههم للغاية النبيلة، بل و أبان عن مقدرة فائقة في قلب موازيين القوى، والانتصار على الأوربيين وبرهن عن حنكة كبيرة في التعبئة الروحية و التخطيط الحربي ،حين حصر العدو ما بين كماشتي قرني الحفرة البركانية المسماة حطين، فاستطاع الانتصار عليه بجيش تعداده 12 ألف مقاتل فقط آسرا 30 ألفا ومبيدا 30 ألفا من الصليبيين. ورغم أن يوسف زيدان يتعمد التقليل من شأن هذا النصر، فإنه لا يمكنه أن يغطي لنا الشمس بالغربال، ويفسر لنا كيف لا يكون نصرا كاسحا وعظيما وقد أسر خلاله صلاح الدين ملك مملكة القدس غي دي لوزينيان وأمير حصن الكرك أرناط، وقتل هذا الأخير بيده لسوابقه في اعتراض قوافل الحجاج إلى مكة المكرمة ، وتعريضهم للتقتيل واستهزاءه بالرسول الكريم.كيف يأسر الأمراء ، ولا تكون هناك شبه إبادة للجيش وللجنود؟.أما تسميمه أو ردمه للآبار، الذي يكاد يجعل منه زيدان جريمة بيئية، تعادل استعمال السلاح الكيماوي في عصرنا هذا، فأمر طبيعي وعادي، ودليل إضافي، يسوقه هذا المهاجم على نبوغ صلاح الدين الواضح في مجال الإستراتيجية والجغرافيا العسكرية. وماذا يضير صلاح الدين ورسول الله صلعم وصحابته استعملوا سلاح الماء للانتصار في موقعة بدر على كفار قريش؟.وكيف يستصغر زيدان نصر حطين، وقد أعقبه بعدها بشهرين حصار القدس إخلاء وطرد الصليبيين منها بعد 88 سنة من الوجود المسيحي بها، هذا الحصار الذي كتب فيه صلاح الدين صفحات مشرقة أخرى من النبل والشهامة والرفق والإحسان والرحمة في معاملة العدو المنهزم انطلاقا من مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء ،كما رسخ شهرته كقائد نبيل يطبق اسمه الآفاق في أوربا لدرجة أن أسطورة صلاح الدين ابتدأت من هناك،بل وأتت إلينا من أوربا هاته التي انبهرت بشخصيته العجيبة التي سبكها بكرمه وورعه وتقواه، فقد جسد لهم بشكل رائع معاني الحب التي يقدسون في المسيحية ،لدرجة أيضا أن الجدات شرعن يحكين الحكايات المثيرة عن هذا القائد الفذ بكل ممالك أوربا، مما جعل منه على الدوام شخصية حية في المخيال المسيحي الأوربي. لقد كان يحاربهم على مستوى الأرض في المعركة ،وعلى مستوى الصورة في مضمار المثل والقيم. كان لا يملك استراتيجية للحرب فقط، بل إستراتيجية لإرساء السلم أيضا في الأراضي المقدسة بين كل الأديان تحت كنف الدولة المسلمة التي عليها أن تكفل حق وحرية العبادة. …… يكفي هذاالآن ….. لكن للمقال صلة….

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)