منطق الكم (العَرَّامْ) أو السباق مع الوهم

في حكاية قيل أنها واقعية والله أعلم: “نزل أحد الشيوخ القرويين ضيفا على ابنته المتزوجة من رجل “عصري”، يقطن إحدى المدن المغربية. وقد حرصت البنت وعملت كل ما في وسعها وعلمها كي ترضي أباها، ولما قدمت وجبة غذاء على شرف أبيها، كانت الوجبة متنوعة وغنية ولذيذة. وعند الإنتهاء من الأكل، سئلت البنت أباها: “كيف كان الغذاء يا أبي “؟ أجابها الأب: “الكمية كانت  قليلة يا بنيتي”. ردت عليه ابنته: “نحن نطبخ ونأكل القليل لكن متنوع وغني ولذيذ ومفيد لصحة الجسم يا أبتي”. أجابها الأب: “يا بنتي أنا أحب الكثير من الرديء حتى أشبع”.

لا أدري ما علاقتنا نحن وما يجمعنا بأرقام وبمفاهيم مثل: الأول، الوحيد،الكبير، الكثرة،الإجماع، الأصيل، السبق،الكل، المطلق، الصافي، الطويل ،المركز،المحض،اليقين،الختام ؟.وما يبعدنا عن غيرها من المفاهيم: كالنسبية،الجدل،التعدد،الجزء،التنوع ،الأطراف،الشك،الإختلاف ؟. إلى درجة ترجم هذا المنطق في إحدى الأغاني التافهة لأحد شباب اللحظة ” أنا الأول وأحب المركز الأول”.

في حديثك لأحد المدافعين المغالين في قيمة اللغة العربية ومكانتها ،تراه يتماها بكون اللغة العربة هي لغة القرآن ،وهي أول لغة نزلت على وجه الأرض ،بل هي أصل اللغات وأنها لغة آدم ،كما أنها لغة الجنة ،دون أن يخبرك عن آخر لغة نزلت، وعن لغة أو لغات جهنم ،وعن وضع اللغة العربية حاليا، وعن علاقتها بالعلوم الحديثة. وأن كل اللغات هي لله دون أي تفاضل.وما الامتياز إلا ما استمدته واكتسبته هذه اللغة أو تلك من تقدم وحضارة أبنائها ومستعمليها.

قد تتجادل مع مواطن مغربي يتبنى بشكل من الأشكال قضية تْمازيغت ويدافع عنها، وأول ما يحاججك به :”أن سكان المغرب الأولون أو الأصليون هم إمزيغن”،كرد فعل ناتج عن إحساسه بالتهميش  و الإقصاء. دون أن يعي أن الأول أو الأصلي هنا لا يعطي ولا يمنح لأصحابه أي امتياز أو تفضيل عن المواطنين الآخرين الذين ينتمون إلى نفس الوطن، أكثر من كونه خبر أو معلومة تاريخية لا غير. وأنه خارج النظام الديمقراطي الذي يقر بالتعدد والتنوع والإختلاف وأشكال من الحكم الذاتي أو الفيدرالي،لن تكن قائمة إلا للقوي المهيمن أو لهمجية لا متناهية، لا غير.

قد تصادف أحد الإسلاميين في حوار ما ،تجده يعمل بجميع الطرق على إثبات مدى أهمية الإسلام وشموليته وعالميته بل كونه دين الحق الوحيد ،وأن نبينا أحسن من جميع الأنبياء، فيخبرك أن الكعبة هي مركز الكرة الأرضية ومكة هي مركز الكون ،دون أن يعلم أن الأمر وإن كان حقيقة رغم استحالة إثبات ذلك ،لا ولن يفيد هذا الدين في شيء، كما لا ولن يفيد المسلمين في وضعهم المتخلف حتى النخاع.بقدر ما هو إلا قراءة نرجسية وهمية لتاريخ الإسلام والبشرية جمعاء، بل وأيضا للظواهر الطبيعية،التي لا تستند إلى أدنى موضوعية أو حقائق علمية.

على صفحات بعض المنابر الإعلامية: جرائد، مجلات، كتب و مواقع إليكترونية. وأنت تتصفحها تصاب بتخمة خطاب تضخيم الذات والافتخار بالإنجازات أغلبها وهمي لا صلة لها بالواقع المعاش،ولا بمحتوى ومنطوق الخطاب الذي يعتبرونه مرجعيتهم الأولى والأخيرة ، من قبيل :الإسلام أول من حرر العبيد، الإسلام أول من حرر المرأة، الإسلام أول من دعى إلى العلم  ،الإسلام أول من نادى بالديمقراطية ،. الإعجاز العلمي في القرآن ،القرآن أول من تحدث عن كروية الأرض ،القرآن أول من ذكر الذرة ،القرآن أول من تحدث عن نظرية الإنفجار العظيم البغ بنغ …الخ. الإسلام هو الحل، الإسلام شامل وكامل، الإسلام صالح لكل مكان ولكل زمان وفيه إجابات كافية شافية لكل شيء موجود ولكل ما سيوجد بعد، من التخلف حتى التلوث، الإسلام أكثر الديانات انتشارا في الأرض، و سيكتسح العالم كله.لا أدري ماذا سنستفيد من أمريكا والغرب كافة إن هم أسلموا جميعا، في الوقت الذي فرق من السنة وأخرى من الشيعة حلفت أن لا توقف الحروب فيما بينها حتى يتبين لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود ؟. كما لا أعرف هل نستفيد حاليا من إسلام أفغانستان أو حتى ماليزيا ،أم من ضوء” إديسون”   “Edison و لقاحات “باستورPasteur ” و مياكروسوفت “بيل غيتس””Bill Gates ؟. هذه العينة من المنتوجات العلمية التي نشتريها بأثمان باهظة لا نستطيع في وقتنا الراهن أن نستغني عنها كما ليس بإمكاننا إنتاجها.

في أحدى الأمثلة الشعبية عندما نريد أن نقول أن الشخص فلان هو الأخير نقول بدل من ذلك: “فلان هو أول الذيل “. أو المثل في معنى آخر: ” الشاف لكبير د لغار الصغير”.

على أثير الإذاعات الوطنية لابد أنك سمعت جملة رددت وستبقى تتردد لمئات المرات ربما إلى أن يرث الله من على الأرض :”المغرب أول بلد اعترف باستقلال أمريكا “. في ما يفيدنا ذلك في الوقت الذي لا تعترف أمريكا بسيادة المغرب على جميع أراضيه كأدنى اعتبار ؟.أو ربما لا تقيم لنا أدنى اعتبار أصلا.

العرب أكثر منتجي البترول.لاحظوا كيف أن كثرة النعمة مع قِلَّةُ العقل وفائض من سوء التسيير والتدبير، أصبحت النعمة نقمة على الأغلبية:أساسا الشعوب.

في عهد القائد الأعلى، صدام حسين، وآية الله الخميني، قامت أطول حرب في القرن العشرين.

النظام المغربي في عهد الملك الحسن الثاني، بنى أكبر مسجد مع أطول صومعة، وخلف أكبر نسبة مئوية في الأمية وفي مدن الصفيح وهذا ما كان يمنح أغلبية ب 99 % من الأصوات.

تحت القيادة الرشيدة لعبد العزيز بوتفليقة وكتيبة من الجنرالات ،سابق النظام الجزائري الزمن من أجل بناء أكبر مسجد .وربما غدا أكبر ميناء، ولم لا أكبر محطة مولدة للطاقة الشمسية.وبعدها أسرع قطار .وفي ما سيلي أطول عمارة و اللائحة تطول…في أكبر بلد إفريقي من حيث المساحة.

في عهد القائد الفذ ،أنفقت الجماهرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى، مئات المليارات من الدولارات من أجل بناء النهر العظيم ، كما أنفقت أرقاما مماثلة من أجل إعلان القائد الرمز ملك ملوك إفريقيا .

في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالتحديد في إمارة دبي الفخمة أنجز “برج خليفة ” وأعلن كأطول برج في العالم.

تحت القيادة الرشيدة للأخ الرئيس بشار الأسد أعلنت سوريا كأول دولة مصدرة لأكبر عدد من اللاجئين.

ماذا استفاد اليمن المسكين الشقي وليس السعيد، من أصالته وحضارته وفي سبق وجوده على وجود وأصالة وحضارة الولايات المتحدة الأمريكية ؟

في العلاقات الجنسية ذكر/أنثى، هناك ثقافة تحمل الكثير من المغالطات، مفادها أن المرأة لا يرضيها ولا يجعلها تحقق رغباتها الجنسية إلا الذكر ذو القضيب من الحجم الكبير.متى اهتم الرجل العربي بزوجته أولا حتى يهتم برغباتها الجنسية وما يرضيها وما لا يرضيها ؟

عند الكثير من الجرائد والمواقع الإلكترونية، تصادف عبارات من قبيل: الجريدة الأولى في الانتشار، نحن السباقون إلى نشر الخبر ،أسرار تكشف لأول مرة ، صور أو حوارات حصريا مع جريدتنا أو قناتنا ،الإذاعة الأولى من حيث عدد المشاهدين أو المستمعين. كما تتلقى معلومة من طينة : نحن أول حزب نادى بالديمقراطية أو الحزب  الأول من حيث عدد المنخرطين أو المؤتمرين أو عدد الأصوات أو عدد المقاعد البرلمانية . أو الحزب العتيد أو التاريخي.

ومؤخرا بدأنا فتوحاتنا الفذة بأرقام قياسية من النوع الجديد : أكبر كسعة الكسكس، وغدا أكبر طجين  وبعده  أكبر تكشيطة وفي ما سيلي أكبر كعب غزال ،واللائحة تطول  …..

هناك مثل شعبي يقول” فاَشْ الناس تَيْذَكْرو خْيولْهُمْ حتى عَبُّو تَيَذْكَرْ حْماْرتو”. (مع كامل الاعتذار لكل شخص يحمل إسم أو لقب عبو)

ماذا نقدم ،غير أطباق كبيرة وكثيرة مملوءة عن آخرها، من الرداءة والتفاهة والتجهيل والتمويه ؟.

هناك عقل يبارك جميع أشكال المغالطات ويبني شرعيته ومشروعيته على الأوهام التي لا تسمن ولا تغني من تخلف ذو الأبعاد الثلاثة. هناك الأنا المفرطة والمن على النفس والافتخار بالذات المبنية أساسا ،على الجهل والكذب والتزوير والتلفيق والمغالطات التاريخية.

لا حظوا ماذا يقول الكتاب الكريم عن الكثرة والعدد الكبير والقلة.

﴿ وَأَكثَرُهُم لاَ يَعقِلُونَ﴾ ﴿ وَأَكثَرُهُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ ﴾﴿ وَأَكثَرُهُم كَاذِبُونَ ﴾ ﴿ بَل أَكثَرُهُم لاَ يُؤمِنُونَ ﴾-

﴿ وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم لاَ يَعلَمُونَ ﴾- ﴿ وَلَـكِنَّ أَكثَرَهُم يَجهَلُونَ ﴾﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكثَرَهُم شَاكِرِينَ ﴾

﴿ أَم تَحسَبُ أَنَّ أَكثَرَهُم يَسمَعُونَ أَو يَعقِلُونَ إِن هُم إِلَّا كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

﴿ وَقَلِيلٌ مِّن عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾- ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وقليل ما هم ﴾﴿ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ ﴾

﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾.

نحن لا نبخس شيئا، بل فقط نتساءل ما علاقتنا بكل هذه الأرقام وهذه المفاهيم؟

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك