تشكيل

أن تختار مجال الكتابة بالألوان والأشكال الفنية الممتعة، معناه أنك ترغب في الانتماء إلى “قبيلة” الجمال.
بقلم الدكتور الحبيب ناصري (المغرب).
تقديم:
كلما اقتربنا من عالم الفنان التشكيلي المغربي مولاي عبد الله اليعقوبي، كلما أحسسنا أننا أمام عوالم تشكيلية قابلة للعديد من القراءات والمقاربات. أكيد، أن أي عمل فني مهما كان جنسه (مسرح، وسينما، ونحت، وشعر،الخ)، إن لم يستطع أن يمتعنا بهذه الرغبة في توليد قراءات متعددة، فهو عمل مندرج ضمن أحادية المعنى، وبالتالي، يكتب شهادة ميلاده ضمن الخطاب التقريري المباشر، والبعيد كل البعد عن لغة الانزياحات، وعبرها نحو لغة الاستعارات، التي وحدها الممر نحو متعة وجماليات التلقي للعمل الفني المخلخل للواقع، والباحث عن واقع فني آخر له قيمته الواقعية/الإنسانية الدالة.
متعة الكتابة باللون والجسد الأنثوي:

الكتابة أنثى، وفي علم المعجم الدلالي، كلما كانت كلمات الإبداع، مستمدة من حقل الأنثى، كلما تحققت المتعة، وجماليات التلقي تكون مضمونة. لنستحضر مما نهل منه العديد من الشعراء، مثل امرئ القيس، وعنترة بن شداد وعمرو بن أبي ربيعة وجميل بثينة وأحمد شوقي والمجاطي ومحمد بنيس وبدر شاكر السياب ودرويش، وغيرهم من الشعراء، وكذا العديد من المسرحيين والسينمائيين والروائيين، وغيرهم من المبدعين، ألم ينهلوا من قصص واستعارات ووقائع،الخ، لها علاقة ما بالأنثى؟ ألم تتحقق متعة التلقي، لاسيما في الأبيات و السطور أو المشاهد أو اللقطات التي تحضر فيها الأنثى لتحكي حكيها بلغة فنية ما؟.

أكيد، أن العالم، بل الكون، ككل ومنذ أن خلقه الله، إلى أن تقوم لحظة طيه، ستكون الأنثي هي سره وسحره وجماليته. لماذا التقديم والحديث عن الأنثى؟ وما علاقة هذه الأنثى بجماليات الإبداع؟ بل وما علاقة الأنثى بالكتابة التشكيلية عند الفنان والمبدع التشكيلي، بل والشاعر مولاي عبد الله اليعقوبي، الذي جال العديد من المدن المغربية والعربية والأروبية بأعماله التشكيلية والفائز بالعديد من الجوائز العالمية والأكاديمية؟.
خصوصيات تشكيلية دالة:

وأنت تقترب من لوحاته، تقترب من عوالمه الداخلية، حيث تسكنه الأنثى/الجمال، وتنجلي عوالمها، من خلال الكشف عن طبيعة الجسد وليس الجسم، لاسيما إذا وعينا بقيمة الفصل بينهما، أي كون الجسم كمعطى بيولوجي مادي، بينما الجسد، له بعده الثقافي والجمالي والإنساني، بل والروحي.
صحيح، أن عوالم هذا التشكيلي التشكيلية اشتغلت على تيمات متعددة ومتنوعة، حيث تحضر موضوعات مختلفة منها الطبيعي والتجريدي والربيع العربي ومكونات أخرى عديدة، الخ، لكن الأنثى حاضرة ومميزة للعديد من لوحاته. ألم نتفق ومنذ البدء أن حضور الأنثى في الإبداع، هو حضور يضمن لنا العبور إلى مملكة الجمال؟، فبماذا كان سيكون عليه عالمنا وكوننا ككل، دون أنثى؟.

التأمل، السير نحو الأمام، التعلق بلون السماء، الوقوف، التماسك، التداخل، الانتقال من اليابسة نحو زرقة البحر، الحركة، التموقع الجميل، السير في العتمات، التموج داخل زرقة البحر، بالإضافة إلى الفعل المميز لجميع اللوحات المرتبطة بهذه الانثى، والذي يتجلى في القبض على المظلة، والتي لها شحنة رمزية دالة، وقابلة لتوليد العديد من القراءات، كالرغبة في التمسك بالنجاة أو التعلق بالسماء، أو الوقاية من فعل ما غير مرغوب فيه، الخ، كل هذه الأفعال الفنية الدالة من الممكن استخلاصها من خلال المعانقة الأولى للوحات هذا الفنان التشكيلي، الذي استطاع أن ينزع بصمته الفنية ويتميز بها داخل المشهد التشكيلي المغربي والعربي والإفريقي والعالمي.

وحده، مولاي اليعقوبي التشكيلي الشاعر، من استطاع أن يجعل من عوالم الأنثى، عوالم فنية جمالية مميزة لأعماله، إذ، عادة ما يقدمهن وبألوان فنية مساهمة في خلق متعة بصرية للمتلقي، حيث نشعر بكونها تزيل عنا ألم العين، نحو أمل حلم جميل، هذا كمرحلة أولى، وكمرحلة ثانية تتمايل أنت كمتلق لأعماله في داخلك، مقتبسا هذا التمايل من تمايل الأجساد الأنثوية، مما يجعل هذا النوع من اللوحات الفنية، تمارس “سلطتها” الفنية عليك، ونجعلك تتراقص داخل وجدانك وعوالمك الداخلية، بل توقف زمن تلقي هذه اللوحات، لتنتقل إلى تمثلات فنية وروحية، حول كيفية خلق الخالق لهذا الجسد الأنثوي الراقي والجميل، والمولد لشطحات داخلية، وكمرحلة ثالثة، تنتقل من التلقي الأول والثاني، نحو تلق التماهي مع هذه الكائنات، وبالتالي، يحقق العمل الفني هنا، وظيفته النبيلة والسامية، أي الحلم/الجمال.
تموجات وتمايلات جسدية، توحي بكون اليد التي نحتتها بلغة الألوان، يد تمايلت وتموجت بدورها، لتعطينا هذه التحف الفنية اللونية الجميلة، وقبل تمايل اليد، تمايلت الأحاسيس والوجدان، بل اهتزت أحشاء المبدع وسكنته شطحات صوفيه، تخبره بضرورة ممارسة “جذبته” إن هو أراد أن يرقى ويتطهر من ماديات هذا العالم وعولمته الموحشة والمرعبة، ليسكن في دائرة الظل/الجمال، وليسافر صحبة هذه الكينونات الجسدية الأنثوية، نحو عالم السحر والخيال، نحو عالم الطهر والهروب من انغماسيات هذا العالم.

عديدة هي القراءات التي توحي بها أعمال مولاي عبد الله اليعقوبي، قراءات ولدت شرعيتها، من كونها انفلتت من قبضة التقريري المباشر، نحو خلق استعارات وانزياحات عديدة، وهذا شرط من شروط العمل الفني الذي يمارس عليك “سلطته”، ويجعلك تترنح تحت عتباته، بل يحولك إلى كينونة مصابة بتلذذ/دهشة الجمال.
مسافر ومعانق للغة الرحيل بكينوناته الأنثوية هاته، بل وحتى هي تطوف تتداخل فيما بينها بشكل دائري، فهي راغبة في الرحيل من الأسفل نحو الأعلى، نحو “الهناك”، حيث الجمال الأبدي.
تعالقات فنية دالة:

ما الذي قد يجمع، على سبيل المثال بين لوحات مولاي عبد الله اليعقوبي، والمقدمات الطللية في شعرنا العربي القديم، وأعمال سينمائية مغربية مثل أعمال كمال كمال، وفوتوغرفيات الفرنسي الراحل ويلي رونيس، ومسرحيات محمد الماغوط أو عبد الكريم برشيد، و كاريكاتور ناجي العلي، الخ، من الفنون المختلفة؟. وحدها، وبلغة الراحل الناقد والكاتب الفرنسي، رولان بارت، اللذة، التي تجمع بين هذه الأعمال الفنية على الرغم من اختلاف أجناسها وموضوعاتها وأساليبها الفنية، الخ.

أعمال تساعدنا على تلق تلذذي، أي مهما كانت درجات أملها و/ألمها، فهي تعطينا الحق في أن نتلذذ ما تقدمه من محتويات و/أو أشكال، دون نسيان، وبلغة غاستون باشلار، أن الحلم بمفهومه الفني الثقافي، وليس بمفهومه الفرويدي، أي حينما تصبح الأعمال الفنية قادرة على ممارسة حلمها، بل وحينما نستطيع نحن، كمتلقين، أن نمارس حلمنا على هامش حلم هذه الأعمال الفنية الجميلة والمولدة للرغبة في القبض على مساحات الجمال فيها.
تركيبات دالة وعاشقة:

مهما حاولنا، الاقتراب من عوالم مولاي عبد الله اليعقوبي، التشكيلي المتيم بلغة الجمال، فسنجد أنفسنا قريبين فقط من العتبات الأولى لعوالمه التشكيلية المولدة للعديد من الأحلام. عوالم، عليك أن تبوح لها بعشقك لها، لأنك أمام حضرة الأنثى/الجمال، وإلا ستجد نفسك خارج دائرة العشق، أستمد هنا مجازا صوفيا، شبيها بعلاقة الشيخ بمريده، عليك أن تكون عاشقا محبا لشيخك، إن أردت كشف سر جماله الداخلي، وبعدها، سيفيض فيضه الروحي عليك. هذه هي طبيعة العلاقة التي عليك، أن تبنيها مع لوحات مولاي عبد الله اليعقوبي، بناء المحبة والعسق للوحاته، مما سيجعلها تتدفق عطرا ومعانقة واحتضانا لك ولمشاعرك….النتيجة القبض على فسحة الجمال والبهاء، واهتزازات وجدانية عميقة نحن في أمس الحاجة إليها في عالم يعج بفوضى يسمونها وبلغة أهل السياسة ” الفوضى الخلاقة”. فهل من الممكن أن ينقذنا الفن من بطشها/عنفها في يوم ما؟.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

مقالات ذات صلة

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك