بويخف يوجه نداء لعقلاء المصباح.. لا تدخلوا حزبكم نفقا مسدودا

يراهن أعضاء في حزب العدالة والتنمية على إعادة انتخاب الأستاذ ابن كيران على رأس الحزب في ولاية ثالثة في المؤتمر الثامن القادم بعد إخضاع المادة 16 من القانون الأساسي لمسطرة التعديل. وتركز الاهتمام بالخصوص على فرص اجتياز ذلك التعديل امتحان مصادقة المجلس الوطني والمؤتمر عليه، وعلى فرص تمكن الأستاذ ابن كيران من الحصول على الأغلبية في المؤتمر المقبل بعد الدخول إلى حلبة التنافس من باب ذلك التعديل. وجوهر ذلك الاهتمام يتركز على القاعدة الرقمية للأعضاء المؤيدين سواء في المجلس الوطني او في المؤتمر بعد ذلك. وتم اختزال الإشكال في هذه النقطة الهامة في بعدها التقني العددي، رغم أنه ينبغي التمييز بين مسألتين مختلفتين اختلافا جوهريا، الأولى تتعلق بتعديل المادة 16 من القانون الأساسي حتى تسمح بثلاثة ولايات. والثانية تتعلق بإشكالية انتخاب الأستاذ ابن كيران اعتمادا على ذلك التعديل. فالأولى تدخل في عالم الممكن والثانية في عالم المستحيل، بمعنى أنه حتى إذا أجاز المجلس الوطني والمؤتمر تعديل المادة 16 فإن ذلك التعديل لا يعني مطلقا الأستاذ ابن كيران! كيف ذلك؟

تعديل المادة 16 ضحية “حادثة سير”
من حيث كون الأمر يتعلق بتعديل مادة في القانون الأساسي، فهذا أمر طبيعي جدا حين تتوافر المصوغات الموضوعية لذلك التعديل. والتعديل المعني يقترح رفع عدد الولايات المسموح بها في منصبين هما الأمين العام ورئيس المجلس الوطني من ولايتين إلى ثلاثة، والابقاء على باقي المناصب المعنية في النظام القديم، أي ولايتين. غير أن هذا التعديل يحمل شهادة كونه مجرد ضحية “حادثة سير” في الحزب. وتلك الشهادة نجدها جلية في أمرين أساسيين. الأول، الانتقال من ولايتين إلى ثلاثة لم يكن أبدا نتيجة تقييم موضوعي للنظام الأول، بل كان فقط لإيجاد مدخل قانوني لإعادة انتخاب الأستاذ ابن كيران للمرة الثالثة أمينا عاما للحزب، وهذا يسمى “تفصيل القانون على مقاس شخص” وقد ناقشنا في مقالات سابقة افتقاده للشرعية الديموقراطية والقانونية ومخاطره التخريبية على الديموقراطية الداخلية للحزب، وعلى تماسكه الداخلي. الثاني، المادة 16 المطروحة للتعديل تلخص فلسفة تنظيمية في التناوب على المسؤوليات ترتكز على التناغم والتوازن في جميع المستويات التنظيمية، لذلك فنفس نظام الولايات ينطبق على الأمين العام، وعلى رئيس المجلس الوطني، وعلى المسؤولين المجاليين الجهويين والاقليميين والمحليين. لكن التعديل اقتصر على منصب الأمين العام ورئيس المجلس الوطني، مما يجعله فاقدا لتوازنه في تنظيم التداول على المسؤوليات كما تعبر عن ذلك المادة 16 الأصلية، مما يجعله تعديلا مشوَّها ومشوِّها. وهذان الأمران يكشفان كون المادة 16 هي ضحية “حاثة سير” لقطار “دينامية الولاية الثالثة”، وهي حادثة سوف تتفاقم خسائرها بتمرير ذلك التعديل على مستوى التشويه القانوني لتلك المادة وعلى مستوى كونها سوف تدخل مؤتمر الحزب في “نفق مسدود”. وهو ما سنناقشه في الفقرة الموالية.

التعديل لن يفيد ابن كيران في شيء!
من أكبر المفارقات التي تواطأ عليها من ينبغي الترفع عن مثلها، هي القفز على قاعدة أن القوانين لا تطبق بأثر رجعي، وأن تعديل المادة 16 يهم المسؤولين الذي ستفرزهم دينامية المؤتمر الثامن على مختلف المستويات ممن تتوفر فيهم الشروط القانونية لذلك، والأستاذ ابن كيران قد فقد أهلية الترشيح من جديد لمنصب الأمين العام بحكم المادة 16 نفسها والتي فعلت فيه فعلها قبل أزيد من سنة من تعديلها. كيف ذلك؟

والالتباس الذي وقع البعض ضحيته نتج عن استمرار الأستاذ ابن كيران في منصب الأمين العام سنة إضافية بعد تأجيل المؤتمر، لكن هؤلاء لم ينتبهوا إلى أمور أساسية، أهمها:

أولا، أن استمرار الأستاذ ابن كيران أمينا عاما سنة إضافية كان نتيجة تأجيل مؤتمر الحزب، وليس تمديدا لولايته، فهو يعني السماح له في الاستمرار كأمين عام للحزب وليس غيره طيلة مدة تأجيل المؤتمر، ولا تعني أبدا التمديد له في ولايته لذلك بقيت المادة 16 التي تحدد عدد الولايات دون تعديل، وهو ما يعني أن التمديد الناتج عن تأجيل المؤتمر لا يمس جوهر المادة 16 التي تصنف الأستاذ ابن كيران في وضع من انتهت صلاحية مدة انتدابه مند المؤتمر الاستثنائي لكونه أنهى ولايته الثانية والأخيرة. فالمادة 16 واضحة في التعبير عن ذلك وهي تقول بالحرف: “لا يمكن لعضو أن يتولى إحدى المسؤوليات الآتية لأكثر من ولايتين متتاليتين كاملتين …” وجاء من بين تلك المناصب منصب الأمين العام للحزب، والأستاذ ابن كيران أنهى بشكل كامل ولايتين متتاليتين. فهذه المادة بهذا المنطوق قد حسمت في وضعية الأستاذ ابن كيران مند المؤتمر الاستثنائي.

ثانيا، حتى لو فرضنا جدلا أن المؤتمر الاستثنائي عدل المادة 16 ليصبح عدد الولايات الانتدابية ثلاثة وسُمح للأستاذ ابن كيران ان يستمر كأمين عام مدة أخرى تساوي مدة تأجيل المؤتمر لما جاز ترشيحه مرة أخرى لولاية ثالثة لنفس الاعتبار السابق، وهو أنه غير معني بتطبيق تلك المادة المعدلة، بل المعنيون بها هم المسؤولون الجدد. وذلك التعديل إن تم سيفسح المجال للاختلاف الحاد حول تأويله في ظل تأجيل المؤتمر الذي سمح للأستاذ ابن كيران بالاستمرار كأمين عام.

ثالثا، إدخال الأستاذ ابن كيران ضمن المعنيين بالولاية الثالثة يعني تطبيق المادة 16 المعدلة بأثر رجعي، وهذا مناف للمادة 105 من القانون الأساسي التي لم تطرح للتعديل والتي تقول بصريح العبارة أن تطبيق القانون الأساسي لا يكون بأثر رجعي. وهذه المادة مؤطرة بقوانين أعلى من القانون الأساسي للحزب، وهما قانون الأحزاب والدستور. وهذا الأخير ينص في فصله السادس انه “ليس للقانون أثر رجعي”.

وماذا عن عقبة المادة 14 من قانون الأحزاب؟
حتى لو تجاوزنا جدلا ما سبق، وقرر “الاخوان” التواطؤ على كل الموانع المشار إليها وإدخال الأستاذ ابن كيران في دائرة المعنيين بتعديل المادة 16 إذا تم، وتمتيعه بحق الترشيح والانتخاب أمينا عاما للحزب، فتمة عقبة أكبر من أي تواطؤ يمكن أن يكون بين البيجيديين، ويتعلق الأمر بالشروط التي وضعها قانون الأحزاب لاستكمال أي تعديل في القوانين الأساسية للأحزاب شرعيته القانونية، وهو ما تفصل فيه المادة 14. وهي بالمناسبة لا تحتاج أن يكون الشخص متخصصا في القانون لفهمها واعتمادها في التحليل والمناقشة.

وبالرجوع إلى المادة 14 من قانون الأحزاب، نجدها تشدد على عناصر مهمة يهمنا منها ثلاثة عناصر:

الأول: أنها خصت المؤتمر الوطني للحزب بصلاحية المصادقة على تعديل قانونه الأساسي.
الثاني: أن ذلك التعديل لا يكون قانونيا إلا بعد التصريح به لدى السلطان المختصة.
الثالث: أن السلطات المعنية سوف تشعر الحزب المعني برسالة مضمونة بموافقة التعديل لقانون الأحزاب، أو أنها في حالة العكس ستباشر مسطرة الطعن لدى المحكمة الإدارية بالرباط.

هذه العناصر ترسم حدودا واضحة لمسار أي تعديل في القانون الأساسي لأي حزب. ويطرح السؤال الجوهري: هل المسار الذي انتهجه الحزب حاليا يسمح بإجازة تعديل المادة 16 من قانونه الأساسي وتطبيقها في نفس المؤتمر؟

فيما يتعلق بالعنصر الأول، نجد بالفعل أن المادة 29 من القانون الأساسي لحزب المصباح تنص على أن مؤتمر الحزب الوطني هو من يعدل قانونه الأساسي. لكن هل يمكن لنفس المؤتمر أن يعتمد التعديلات التي يدخلها في القانون الأساسي ويعمل بها؟

هنا يأتي العنصر الثاني والثالث من تلك المادة 14 المشار إليهما ليقفا عقبة أمام المؤتمر الثامن لحزب المصباح إذا ما قام بتعديل المادة 16 من القانون الأساسي وأراد تطبيقها، فقانون الأحزاب كما رأينا يشترط في أي تعديل للقانون الأساسي اتباع مسطرة تضم التصريح بالتعديل والتوصل بالرد عن التصريح بموافقة ذلك التعديل لقانون الأحزاب.

إنه ببساطة لا يمكن اعتماد التعديلات التي يدخلها المؤتمر الوطني الثامن لحزب المصباح في نفس المؤتمر دون احترام قانون الأحزاب، وإلا فسح ذلك المجال للطعن القضائي فيما قد يترتب عنها من نتائج مثل انتخاب الأستاذ ابن كيران.

إن فرصة تعديل المادة 16 لتكون جاهزة للتطبيق في المؤتمر الثامن “ضاعت” على دعاة “الولاية الثالثة” في المؤتمر الاستثنائي الذي انعقد السنة الماضية، رغم أنه كانت هناك محاولات لتمريره لم تلق القبول. لذلك فكل التدمير الذي ألحقته دينامية “الولاية الثالثة” بالحزب كان مجانيا ونتيجته هي بهدلة الأستاذ ابن كيران بدل “رد الكرامة والاعتبار له”. والسبب في كل ذلك فصلناه في المقال السابق والمعنون بـ(مقاربة تفسير البعد التدميري في دينامية “الولاية الثالثة”) والمقالات السابقة عنه، وهو باختصار استحكام الاعتبارات السياسية وهشاشة الفكر الديموقراطي و”الجهل” بالقانون والعواطف العمياء والأوهام المركبة.

هل من سبيل؟
إن السيناريو الممكن لاعتماد تعديل المادة 16 في المؤتمر الثامن للحزب، يقضي بتنظيمه على مرحلتين يتم في الأولى تعديل المادة 16، وبعد القيام بالإجراءات القانونية وفق المادة 14 من قانون الاحزاب (بعد شهرين تقريبا) ينعقد المؤتمر في مرحلة ثانية ليطبق المادة المعدلة إذا أجازت الداخلية ذلك التعديل وذلك الإجراء. لكن كيف؟ هناك إمكانيتان، الأولى بقرار المؤتمر نفسه الانعقاد في مرحلتين، وهذا يمكن استساغته في حالة واحدة وهي أن لا يكون في الحزب عضو واحد تتوفر فيه الشروط القانونية الضرورية في تولي منصب الأمين العام! والثانية بفرض الأمر الواقع بافتعال أزمة داخل المؤتمر مباشرة بعد إجازة التعديل إذا تم، وفرض تأجيل استكمال المؤتمر إلى وقت لاحق يتم استغلاله للقيام بالإجراءات المطلوبة قانونا والتي يكفي فيها توقيع الأمين العام. وهذا المستوى من الممارسات مستبعد ويعني أن حزب العدالة والتنمية قد انتهى.

إن انعقاد المجلس الوطني لحزب المصباح قبل مؤتمره الثامن يملك تصحيح الوضع، والذهاب إلى ذلك المؤتمر بروح رياضية ديموقراطية كبيرة، تحمي تماسك الحزب. وهو أيضا فرصة من ذهب لإنقاذ الحزب من دخول “النفق المسدود” الذي تدفعه إليه دينامية “الولاية الثالثة”. والأمر لا يتطلب أكثر من رفض إجازة تعديل المادة 16 من القانون الأساسي لإغلاق باب ذلك “النفق المسدود” في وجهها، وتجنيب المؤتمر الدخول في متاهة من الجدل العقيم سواء حول عدم رجعية القانون او بمحاولة الدخول في سيناريوهات العبث التنظيمي الذي يهدد بنسف ما تبقى من المصداقية المؤسساتية في الحزب.

فيا عقلاء حزب المصباح، إن حزب المصباح يكاد يكون البقية الباقية في عالم الأحزاب التي تحترم قوانينها، وتغلب المؤسسات على الأشخاص، وتلتزم بالمنهجية الديموقراطية التي حددتها، وهو أمل المغاربة في الحفاظ على معنى الحزب السياسي.

يا عقلاء المصباح إنكم تملكون تغليب المنطق والانتصار للصواب المتمثل في احترام القانون وحماية مكاسب الديموقراطية الداخلية للحزب، وأنتم بذلك تتحملون مسؤولية تاريخية استثنائية في حق المشهد الحزبي المغربي الهش.

يا عقلاء المصباح إن إعادة الاعتبار للأستاذ ابن كيران لا يكون على حساب الحزب، وأنه لا يكون “ببهذلته”.

يا عقلاء المصباح إنكم وحدكم اليوم تقررون في مصير حزبكم، وإن الرجوع بقطاره إلى سكته التي صابر وكابد للصمود عليها، مسؤوليتكم اليوم وحدكم، وأنه لا تحكم ولا تماسيح ولا عفاريت غيركم من سيجهز على الحزب بقرارات لا يمكن أن يعود بعدها كما كان أبدا، في تماسكه الداخلي، وفي الروابط الأخوية بين أعضائه ، وفي مصداقيته التي هي رصيده الأساسي عند المغاربة.

وهذه نصيحة مناضل سابق في حزبكم غيور عليه، ساهم في إعداد مشروع القانون الذي تتجادلون حول تعديله، وبقي وفيا له كمشروع سياسي أفضل ما يوجد في سوق مشاريع الأحزاب اليوم، فلا تقطعوا “شعرة معاوية” بين حزبكم وبين من يسانده لاعتبارات قد تنسفون ما تبقى منها اليوم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك