https://al3omk.com/258344.html

آه.. يا مرثية الآهات آآآآه

آه يا ولدي آه..

آه وألف آه..

في مكان ما بمدينة جرادة..

تقف أمام الباب وحيدا وقد علت وجهك تقاسيم رسمها البرد القارس..

ولونتها تجاعيد الفقر والقهر في زمن كل شيء فيه صعب..

وقفت تنتظر أباك الذي رحل كما يفعل دائما إلى باطن البئر اللعينة، الساندرية، بحثا عن خبز ملطخ بالسواد..

اعتاد أن يخرج هو ورفاقه ليبعيونها بالثمن البخس لأولئك الذين نجحوا في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ والجغرافيا..

بينما أنت..

والآلاف غيرك..

خارجون من مساحات الجغرافيا والتاريخ والسياسة والأحزاب والاقتصاد..

خارجون من كل شيء..

نعم أبوك ورفاقه اعتادوا على ذلك، مثلما أنت اعتدت على الانتظار..

تلاعبُ أباك، وتفرح بعودته، وتتلذذ بكل ما يجلبه لك..

وما أقل ما يجلبه لك..

حلوى رخيصة الثمن، أو قطعة شكلاطة لا يأكلها سوى الفقراء..

أو سروال خردة لتستطيع الذهاب للمدرسة..

لكن أهم من كل ذلك،

يجلب لك الابتسامة بعودته، فتبتسم لرؤية محياه المتشح بالسواد، وأنت لا تفهم لماذا على أبيك أن يأتي دائما من الساندرية أسود اللون..

لا تهتم ولا تسأل، فقط تبتسم وتواصل اللعب والانتظار في اليوم الموالي..

آه يا ولدي آه،

اليوم لن تستطيع الانتظار..

فقد أخبروك أن أباك ابتلعته الساندرية، هو ورفيقه، مثلما سبق وابتلعت فلانا وفلانا وفلانا..

تقف الآن وحيدا يا ولدي أمام البئر اللعينة وتصك آذانك صرخات أمك ورفيقاتها..

تقطع نفسك آهات وزفرات..

يصدم أذنيك الصغيرتين صراخ الرفاق هنا وهناك وهنالك..

هرج ومرج وأرجل وصراخ..

وأنت وحيد وزفراتك وآهاتك تود أن تسأل:

أين أبي؟

تسمع كلاما أكبر من سنك، أن أباك ورفيقه ما يزالان في الساندرية وقد أغرقهم ”الواد“..

لا تفهم، ولا تريد أن تفهم..

آه لك يا ولدي، كيف ستتحمل أن تفهم حين تفهم..

عشية وضحاها، وليلة ونهارها وأبوك تحت الأرض.. والرفاق لم ينتهوا من انتشاله من البئر اللعينة..

فعلوا ذلك بعد جهد جهيد، وإمكانيات بدائية..

ها أنت ترى جثة أبيك ممدة على الأرض داخل الكوخ..

لا تفهم، ولا تحب أن تفهم..

حاولوا إجباركم على دفنه ليلا، ووقف الرفاق يحرسون الجثتين وسط برد قارس في ليل كالح، وتجاهل أشد ظلمة وقسوة وحلكة..

أرادوا حرمانكم حتى من دفن كريم يليق بكرامة الشهيد..

ها أنت تقف وحيدا يا ولدي أمام باب بيتكم المهترئ..

تقف وتنتظر وتسأل..

هل سيعود أبي يوما؟

لنا ولك ولجرادة الله يا ولدي..

لنا الله..

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك