قطف الجمر.. طابو الجنس.. وأشياء أخرى
https://al3omk.com/267302.html

قطف الجمر.. طابو الجنس.. وأشياء أخرى

عندما سأبرا أريد أن أصبح كتابا، فذلك أقل خطورة من أن تكون إنسانا. فقد تنجو نسخة منك على الأقل

على هامش قطف الجمر

الحكمة ضالة إنسان هذا العصر .. فالإنسانية ليست هي ما يفتقده في جوهر حياته ، ولكن الحكمة هي الجوهر المفقود في كيانه المتخبط في التيه و البؤس و التردد الذي يعثِّر سيرورة عجلة حياته.

“قطف الجمر ” هي رحيق تجارب لم يشفع لها نقاء القلب وبراءته الطفولية في أن تلطخ بلوثاث الحياة، فكان الفقر هو سرطان الحياة الذي ينتشر بين البشر ويتسلل إلى القلوب البريئة لينخر عظمها ويمص كل ذرة أمل و إيمان باقية فيهما، وكذا البطالة بمفهومها النفسي و العاطفي و الثقافي و التي توجه شخوص الرواية لاقتراح حلول للمادي عبر سلوك متاهات الجسد و اللذة، لتتداخل أشياء أخرى انتهازية كالمخدرات -الحشيش-، تغري بالنسيان ولكن تترك الذاكرة قيد الألم و في صعود دائم نحو الهاوية فتظل الأجساد و الأرواح أشباحا مسيرة للاوضوح ولهاوية المجتمع الموبوءة .. “الدواخل لا تتحطم تلقائيا، و الحروب لا تحدث داخلها، إن الخراب يتسرب إليها من الخارج .”

في “قطف الجمر “، تحلق مع ذاتك ومع اللغة في محراب الحكمة..في تجلي عميق تتقاطع فيه حيواتنا مع حيوات شخوص الرواية في انعكاس متواز ومتقاطع .
في الحكمة تكتشف جوهر الحياة و الأشياء المحيطة بك..، و في الخطيئة تُسبَر أغوار الروح، ولكن إنسان هذا العصر يعيش الشتات بينهما، يعيش غربة مطلقة.. “فكان التشظي عنوان مرحلة نفسية” لكل شخصية من شخوص الرواية ، وحرب ظاهرة وخفية معظم الأحايين تهدم أرواحا غير مهيأة في ظل ثورات نفسية ومجتمعية مبهمة ولكنها حرب صامتة مدفوعة الثمن . هنا من اختار ، ان يمسك العصا من الوسط على حساب ظروفه ورغباته التي لم يظهرها إلا مجازا في شذرات .. وهناك اخر ، فضل أن يخوض في الاتجاهين معا الفعل و نقيضه.. فينقذ نفسه في اللحظة الأخيرة أو ما تبقى منها يصلح لعيش سوي.. أما “كريمة”، فقد فقدت ذاتها في كل ما هو واقعي وافتراضي، واختارت أن تعيش حياة بخطط ليست خططها، وظلت في بحث دائم عن ذاتها المفقودة بين صفحات الكتب.. أما “الشخصية الأخرى ، فكانت نهايته تراجيدية ومأساوية دخل في عزلة حارقة بين نيرانه المشتعلة وغدا جمرة منطفئة في رماد جنونه.. أما “أخرهم فغادر نحو عزلة الموت، نحو النهاية المحتومة وغير المتوقعة لشاب متفوق في دراسته ولكنه منهزم أمام ذاته وحياته الشخصية.. إنها الحتمية، حتمية الخراب الذي يبتلع ذات الانسان داخل نسق من الحوادث التي يؤدي بعضها مع بعض إلى كونهم على ما هم عليه الآن “قطف الجمر ” صالحة للاستهلاك من لدن الآخرين ولكن في عمقهم هي قلوب عذراء لم تسبر أغوار الحياة. و لكن من يدري فمعظم القلوب التي لم تهزم تماما في الحياة قد يكبر يقينها فيها.. !

إن استقراء السعيد الخيز للواقع منحه إضفاء لغة واقعية لا تخلو من حرية في البوح وفي استنباط البواطن الداخلية للشخصيات هذا كله جعل “قطف الجمر ” كنص روائي بمثابة تشريح لجسد المجتمع لفهم أطواره وكذا فهم أعماق النفس البشرية وبالتالي إظهار تناقضات المجتمع وعلى ضوئها فهم بواطن الانسان ، و العكس صحيح.

“الشهوة تمارس حقها في الهوامش، في وطن يصعب فيه الجهر بالقبل، وتمنع فيه المرأة من حقها في التعبير عن الحب، وطن لا يؤسس لشيء غير انتخابات مزورة تجعله ظاهريا من الساعين للديمقراطية.” .

عن السعيد الخيز

تعد رواية قطف الجمر من أهم اﻷعمال الجديدة التي صدرت للروائي السعيد الخيز ، فبعد سجين الهوامش وتجربة مجلة أوراق الثقافية ،و نوستالجيا الحب والدمار ،تأتي الرواية الثالثة الصادرة عن دار كيان في عدد 240صفحة.

عن قطف الجمر .

ترصد رواية قطف الجمر ،الصراع الذي يعيشه الشباب المغربي ،فتارة تتحدث عن أحﻵمهم المجهضة في مجتمع محافظ ﻵ يقبل اﻹختﻵف ،وتارة أخرى تصف رغباتهم الجنسية عندما يشتد الظﻵم ؛وسبل تحقيقها في ظل الرقابة التي تمارسها مؤسسات الدولة
.
للرواية أربعة أبطال وهم :أيور ، أسامة ،ياسين ،أيمن ،فلكل واحد منهم حكاية ﻵتنتهي ،يجمعهم سكنا بمدينة تارودانت جنوب المغرب ،إنها نموذج مصغر لﻷحﻵم الكثير من الشباب المغاربة .

تحتضن الرواية الكثير من القيم ،منها الدفاع عن الهوية اﻷمازيغية ؛والمتمثل ان هؤوﻵء ترعرعوا داخل بيئة امازيغية ليجدوا أنفسهم ،داخل مدن ﻵ تقبل اﻵ العربية ،وهذا اﻷمر جعلهم في مواجهة مع اﻷخر وصعوبة في فهم لغتهم.

تلقي رواية السعيد الخيز ؛الضوء على النضاﻵت الجامعية التي تحتضنها الجامعات المغربية ،والصراعات اﻹيدلوجية التي تعرفها انذاك والتي تتحول في أغلبها إلى مواجهات دامية ؛تنتقل من حيز المواجهة بالحجة والدليل إلى مواجهة بالسيوف واﻷسلحة البيضاء ،وتطرح ايضا فكرة طغيان المادة والتسلق والوصولية كأسهل طريق للخروج من مأساة الفقر والحاجة ،وهذا ما أتبثثه الرواية في نصوص عدة ؛لكن لﻷسف كان نصيب هذا البطل الموت في نهاية اﻷمر.

تقع أحدات الرواية في أمكنة متعددة مفتوحة على الماضي والحاضر والمستقبل ،أمكنة تاريخية ومنها مدينة تارودانت التي تقع جنوب المغرب ، وداخل هذا الفضاء الرحب ،نجد أمكنة أخرى نذكر منها على سبيل المثال ﻵ الحصر :الرحبة القديمة ؛مسجد سيدي وسيدي.

إن رواية قطف الجمر ترصد مفارقات عدة ،مفارقة الجنس أوﻵ المتمثل في الشذوذ الجنسي الذي يعيشه احد أبطالها ،ثم مفارقة الحب ،خاصة مع أسامة وعشيقتها كريمة ،هذا المجتمع المصغر يعرف تناقضات جمة داخل الوطن الواحد ،فالكل يجذب نحوه ،فالكل يصارع داخل عالم يقوم على الفوضى ؛والصراع وهذا يولد داخل الرواية مجموعة من اﻷمور التي تعد راحة ودﻵلة الرواية ومنها :الحب ،الجنس ،اﻹدمان ؛اﻹنتهازية ،إنها صراع مكيافيلي ﻵ يتوقف ؛فأسامة يسعى نحو الحب ؛أما أيمن يصنع مجدا واهيا يشبه كرة الثلج سرعان ما يذوب ؛يقوم أيمن بإستغﻵل جسد راضية زوجة سي عﻵل ،يحتضنها ويبادلها العشق والجنس معا ؛فهو يشبع رغباته من جهة وهي كذلك تحقق من خﻵله كل ما ينقصها من متعة وشبق جنسي ،إننا أمام عالمين متناقضين ؛
أما ياسين في أخر اﻷمر لم يكن إﻵ شاذا جنسيا ،لقي حتفه ،انه يبيع جسده مقابل المال .

آخر بطل كان ،أيور ،فهو اﻷصغر سنا والحاذق في كل اﻷمور ؛فهو الناصح والمعين ، مولع بالشعر ،كان الصوت الوحيد للعقل بعيدا عن العاطفة
تعدد المصالح والغاية واحدة

تحتضن قطف الجمر صراعا خفيا ؛تارة وواضحا للقارئ تارة أخرى ؛انه صراع المصالح ؛وبلغة الفيلسوف وليام جايمس رائد الفلسفة النفعية ؛صراع نفعي ﻵ غير فالكل يحاول قضاء مصلحة مع ، اﻷخر ،عن طريق مجموعة من الوسائل ،تكون إما ضمنية أو مصرحة ؛لكن اغلبها مصرح بها ؛فشخصية ياسين في الرواية الشاذ جنسيا غايته اﻷولى واﻷساسية هي المال ﻵ غير ،بشتى الطرق يحاول أن يحقق رغبته وهي اﻹغتناء عن طريق ممارسته الجنسية مع السياح القادمين إلى المدينة ؛أما شخصية أيمن فهو كذلك يبيع نفسه أيضا من جهة أخرى ،فهو يحقق رغبة زوجة سي عﻵل ،بالمعاشرة الجنسية ومقابل ذلك تغدق عليه بمال كثير ،يحاول من خﻵله محاربة فقره وقلة حيلته ؛إننا أمام صورة مكتملة لمجتمع مكتظ بالقيم السلبية ،وتكشف عن زيف كل القيم في مجتمع معطوب.