https://al3omk.com/271795.html

لا أتهم … ولا أبرئ أتساءل وفقط

وحدها حرارة السؤال، ورعونة الاستفهام، وهموم الأنطولوجيا، وهوس البحث الدائم في ما هو متعارف عليه وما هو عادي ومقبول ومسلم به… ينقذنا من شر الإقامة الأبدية في أبراج الأوهام التي تحدث عنها “فرانسيس بيكون” ذات وقت فائت[1]. كما يقينا من مخاطر باطولوجيا الكسل الفكري، والتخاذل اللاواعي، ومن فخاخ المعالجة السريعة للأحداث، صديقة كلما هو سطحي وعرضي وجانبي… إن طرح الأسئلة كما هو معلوم أهم من تقديم الأجوبة لأنها تفجر ما لا تفجره الأجوبة، وعادة ما يكون السؤال نابعا من بيئة غادرتها الطمأنينة والارتياح، واستولى عليها سديم القلق والقنوط، وخيم فيها شبح المصير المجهول.

لقد عرفت منطقة قلعة مكونة على غرار مختلف مناطق المغرب مؤخرا موجة من الاحتجاجات العارمة، قامت بها قبائل “ميرنة” الثلاث[2]، وقد بدأت إرهاصاتها الأولى في شهر نونبر من سنة 2016 وهي مستمرة إلى حدود الساعة، وقد تنوعت أشكال هذه الاحتجاجات بين تنظيم لمسيرات حاشدة، في الشوارع الرئيسية للمركز الحضري قلعة مكونة، ووقفات تنديدية أمام مقر باشاوية قلعة مكونة وأمام مقر جماعتها الترابية، وبين اعتصام قضت فيه الساكنة شهرا كاملا.

وتجدر الإشارة إلى أن سبب الاحتجاج، كما يقول المحتجين هو ضد النهب الذي تعرضت له أراضيهم السلالية من طرف من وصفوهم “بمافيا العقار وسماسرة أراضي الجموع”[3]، وعلى رأسهم _ تقول الساكنة المحتجة_، رئيس مجلس الجماعة الترابية الحالي، الذي قام بالدفاع عن نفسه في العديد من المنابر الإعلامية[4]، نافيا كل التهم التي وجهت له من طرف الساكنة المحتجة، ورد هو الآخر في أكثر من مناسبة بتوجيه مجموعة من التهم لأشخاص زعم أن هم من كانوا وراء كل المناورات التي تستهدفه في شخصه وتستهدفه في منصبه، وهو ما حول قلعة مكونة إلى حلبة صراع واحتقان اجتماعي حقيقي بين قوى وقوى مضادة، وبين رهان ورهان مخالف، خصوصا عندما برزت محاولات حثيثة حاولت تحوير الاحتجاجات إلى صراعات سياسية جافة، والزج بها في مستنقع الكيد والصراع الحزبي القديم-الجديد. إلى هنا لم نتطرق بعد لما يهمنا، بل كل ما سبق مجرد توطئة لابد منها، لتوضيح المشهد، وصفاء الصورة.


[1]للمزيد من البحث والتوسع، يرجى الاطلاع على كتاب ” الأرغانون الجديد“، الذي صنف فيه فرانسيس بيكون الأوهام المحدقة بالعقل البشري  من الأوهام العامة والمشتركة بين الناس إلى أخرى فردية ينفرد بها الفرد لوحده.

[2] قبيلة ميرنة الفوقانية، وقبيلة ميرنة التحتانية، وقبيلة تلموت. وهي قبائل تابعة إداريا للنفوذ الإدارية للجماعة التربية لقلعة مكونة.

[3]https://www.youtube.com/watch?v=zJuww-dA1H8

[4]http://mondepress.net/news.php?extend.4079.11


وعليه، وانطلاقا من كل ما حدث، ويحدث الآن، فلا يمكن لكل مهتم بموضوع الحركات الاحتجاجية، وابن المنطقة مثلي، إلا أن يتساءل ويعيد طرح السؤال حول ما إذا كان هذا الاحتجاج يستحق أن ينال توصيم مفهوم الحركة الاحتجاجية الاجتماعية وفقا لبعض مرجعيات الدرس السوسيولوجي؟ وحول أسباب قيام ونشوء الحركات الاحتجاجية بالهامش، وبهامش الهامش، وحول أبعد مدى يمكن أن يصل إليه هذا النوع من الاحتجاج، إذا لزم بيئته الهامشية، وحول المهاوي التي يمكن لهذا النوع من النضال أن ينزلق فيها ويقبر أريجه إلى حين؟.

نعم أن تحتج في المغرب، فهذا حق مشروع، يضمنه دستور المملكة في الفصل 29 من الباب الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية[1]، ولكن كيف تحتج وعلى من تحتج ولمن تحتج وضد من تحتج،  فذلك فيه نقاش طويل… يضعنا دائما في دائرة استفهامات الشرعية المزعجة، أو بعبارة أخرى، أي صنف من الاحتجاج يظفر بالتوصيف الشرعي، ويحوز تزكيات أوليغارشيات المخزن، ويحظى بمباركة الأولياء وأعوان السلطة من شيوخا ومقدمين وغيرهم، وينال رضا تكنوقراط الدولة العميقة، وبالتالي يكون على السكة الصحيحة للنجاح من خلال الحفاظ على المكاسب وانتزاع أخرى.

رغم كل الضجيج الإعلامي الصاخب المصاحب لمشروع الجهوية الموسعة الذي جاء به الخطاب الملكي في 3 يناير 2010[2]، باعتباره ورش هيكلي كبير، وتحول نوعي في أنماط الحكامة الترابية، تؤسس لدينامية جديدة للإصلاح المؤسساتي العميق… كما وصفه نص الخطاب. وكل الاحتفالات “الميتوسية”، المقامة على أنغام اللامركزية واللاتمركز، وكل ادعاءات المغرب الجديد والعهد الجديد… فإن واقع الممارسة الفعلية – بقدرة قادر- تؤكد أنه لا جديد سوى الثنائية الأزلية؛ المركز في مقابل الهامش، وهامش الهامش، مجاليا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا…إن هذه الثنائية، والتدبير السياسي والدولتي وفقها حصد العديد من الضحايا، ولا زالت اللائحة تطول، مادام بعض مسؤولي هذا البلد ينظرون إلى كل ما يعتري الهامش من اضطرابات ومشاكل، على أنها ثانوية  وغير مهمة، يمكن وضعها في خانة الانتظار.

لنا أن نتساءل عن أي جهوية متقدمة نؤسس لها، وعن أي نموذج تنموي نحن طامحين لبلوغه، وقد نزل خبر رفض تعميم المنحة المخصصة للطلبة على ما يقارب 1400 أسرة بجهة درعة تافيلالت كالصاعقة من طرف وزارة الداخلية، وما زادنا التأكد من أننا في بلد الشعارات وفقط، هو جواب السيد وزير الداخلية المحترم على سؤال شفوي بالبرلمان يستفسر عن حيثيات عدم التأشير على الاعتماد المخصص لدعم المنح


[1]دستور المملكة المغربية 2011، اصدارات مركز الدراسات وأبحاث السياسة الجنائية بمديرية الشؤون الجنائية والعفو، سلسلة نصوص قانونية_  شتنبر 2011، العدد 19.

[2]://www.youtube.com/watch?v=49HPlKkqKTk

خطابات ملكية قوية في مستوى الانتظار، حاملة لإرادة التغيير وطموح التجديد من جهة، ومن جهة أخرى هناك بعض المسؤولين الذين يعرقلون تنزيل مشاريع حيوية من موقع الوثائق الى الواقع اايومي للأفراد. 


الجامعية وعن تعليل ذلك القرار، حيث اكتفى السيد الوزير بالإشارة إلى أن ليس هناك تعامل مختلف للوزارة من جهة إلى أخرى.

إننا مدعوون أكثر من أي زمن مضى للربط بين الأحداث، كي لا ننخدع بالقشور، لندرك أن”أهم السمات المميزة للديموقراطية في العصر الحديث هو غياب الديموقراطية”[1]. ربما قد يتفاءل البعض بمشاريع القوانين التي تعد وتعرض على البرلمان، وبالقوانين التي تمت المصادقة عليها ودخلت حيز التنفيذ، كالقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة، هنا لا يجب أن يؤول كلامنا على أساس امتلاكنا لنية غير سوية، تروم الانتقاص من النصوص القانونية، لا أبدا، ليس هذا هو القصد، ببساطة نريد أن نقول بأن إصلاح الإدارة المغربية يتجاوز بكثير مجرد سن القوانين، إلى العمل الجاد والدؤوب لتغيير العقليات القديمة، وهذا لن يتأتى إلا عن طريق التربية، فهي الوحيدة القادرة على إعادة تشكيل كينونتنا من جديد على قاعدة الحق والواجب.

هكذا إذن، نلامس هذه النظرة الاقصائية، وعدم الاهتمام والاكتراث، حتى بالنسبة للحركات الاحتجاجية التي تنشأ في المناطق الهامشية، فقد سجل الاحتجاج “الإميضري”[2] فوق جبل “ألبان”[3] أطول مدة احتجاجية في المغرب المعاصر، لكن دون جدوى، كما خرجت ساكنة إقليم زاكورة للاحتجاج ضد العطش… ولم تتلقى أي تجاوب سوى القمع والاعتقال، وهاهي ساكنة قبائل “ميرنة” إلى حدود هذه اللحظة وبعد عام من الاحتجاج والنضال المستمر والمستميت تسير في أفق مجهول في احتجاجها ضد من سمتهم ” بلوبي الفساد”.

لقد شكل زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية نقطة البدء في مسار الدرس المعرفي للحركات الاجتماعية، وعرفت هذه السنوات نقاشا سوسيولوجيا، وسياسيا، لتفسير الفعل الاحتجاجي الذي تمارسه هذه الحركات، ما أنتج لنا دراسات كثيرة لباحثين أسسوا لسوسيولوجيا الحركات الاجتماعية كفرع جديد لعلم الاجتماع العام. إن الحركات الاجتماعية في بعدها الاحتجاجي ممارسة قديمة في التاريخ البشري، إلا أن استعمالها كمفهوم نظري ظل حديثا ومرتبطا ب “لورينزو فون ستاين” ناحث المفهوم سنة 1842[4]. والقرون الثلاث الأخيرة هي التي مهدت لصياغة المفهوم الجديد للحركة الاجتماعية، اعتبارا لما عرفته من ثورات مهمة (الثورة الإنجليزية والثورة الأمريكية، الثورة الفرنسية 1789، الثورة البلشفية 1917).


[1]Marrifield Andy, The New Urban Question, British library cataloguing in pulication data, 2014, p: viii.

[2] نسبة إلى الجماعة الترابية الموجودة  بإقليم  تنغير بجهة درعة تافيلالت.

[3]إسم جبل بقرية إميضر، جسد فيه الاعتصام منذ 2011، ترمز هذه التسمية حسب ما يقوله بعض شيوخ القرية إلى كون هذا الجبل شبيه بالذقن، وفي تأويل آخر فإن التسمية تعود للاستعمار الفرنسي نظرا لكونها شبيهة بمنطقة الألب بفرنسا وأن المستعمر هو من أطلق على هذا الجبل هذه التسمية.

[4] عبد الرحيم العطري، الحركات الاحتجاجية بالمغرب: مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي، دفاتر وجهة نظر، ب ط ، 2008، ص: 18.


ستنطلق هذه الورقة من إشكالية أساسية تتعلق بماهية أسباب اندلاع احتجاج قبائل ميرنة “بمدينة” قلعة مكونة، وكيف يواجه هذا الاحتجاج ما يمكن تسميته بالمخاض العسير المرتبط بسؤال الاستمرار في طريق حدوده تنتهي عند عامل الإقليم، أو تتجاوزه بقليل إلى والي الجهة، وفقا لسلم إداري في نسخة مغربية ملتبسة؟ وما هي المآلات والمسارات التي تفرض نفسها على هذه الحركة الاجتماعية لتتخذها، عندما تطرق كل الأبواب التي يمكن طرقها على المستويين المحلي والجهويدون أن تحقق ملفها المطلبي؟

قبل الخوض في تفاصيل هاته الإشكالات المطروحة، لا بأس من منطلق الاهتمام بتحديد المفاهيم الأساسية، أن نتوقف قليلا عند مفهوم الحركات الاجتماعية الذي يعتبر من المفاهيم الجديدة النشأة، فكل حركة اجتماعية يراد من ورائها صياغة علاقات مجتمعية جديدة وبناء أسلوب حياة مختلف عن الفائت، وعلى ذلك فالقراءات الماركسية تنتصر لها باعتبارها صراعا طبقيا وجسرا نحو التغيير، عكس ذلك تماما، لا ترى فيها القراءات الرأسمالية سوى عدوا يتوجب التخلص منه في أقرب فرصة تتيحها شروط التاريخ. ولكي تتحول ممارسة احتجاجية إلى حركة اجتماعية هناك ثلاث شروط يجب أنتتوفر؛ منها شرط التغيير، فالحركة الاجتماعية بتعبير H. blumer ذلك “الجهد الجماعي الرامي إلى تغيير طابع العلاقات الاجتماعية المستقرة في مجتمع معين، فالحركات الاجتماعية في نظره مشروعات جماعية تستهدف إقامة نظام جديد للحياة وتستند إلى إحساس بعدم الرضا عن النمط السائد والرغبة في إقامة نسق جديد”[1]، ثم شرط الاستمرارية؛ حيث تعني الحركة الاجتماعية جهود مستمرة من قبل جماعة اجتماعية تهدف لتحقيق أهداف مشتركة لكافة الأعضاء[2]، وأخيرا شرط التنظيم، على اعتبار أن الحركة الاجتماعية تنظيم مهيكل ومحدد، له هدف علني يكمن في جمع بعض الأفراد للدفاع عن قضية محددة[3].

انطلاقا من هذا التأسيس النظري المتواضع الذي سبق ذكره، يمكن القول أنه فعلا احتجاج قبائل “ميرنة” يشكل حركة اجتماعية بامتياز، تتوفر فيها جميع الشروط المشار إليها سلفا، فبالانطلاق من الملاحظات الميدانية، والمقابلات التي قمنا بها مع الساكنة، نجد هم التغيير هو الهم الأساسي المطروح لدى هاته الساكنة، كما أن المدة الزمنية التي قضوها في نضالهم ذاك، كفيلة بأن تثبت لنا وجود شرط الاستمرارية، أما فيما يخص الشرط الثالث المرتبط بالتنظيم والهيكلة، يعكسه تشبثهم بالسلمية، ورفضهم لمنطق الارتجالية، كما يعبر عنه تكوينهم للجنة انتخب أعضاؤها، ليتكلموا مكان الساكنة، ويمثلونها أمام المبادرات الحوارية التي تقترح من هنا وهناك. وعليه فإن المسار الذي ترسمه هذه الحركة لنفسها، هو مسار محاربة “الفساد والمفسدين”[4]، وهو رهان مشروع، وطموح، وصعب أيضا، لأنه شعار فشلت في تحقيقه قيادات حزبية شامخة، وإرادات حكومية سابقة، وما بالك بحركة نضالية قد تكون مغلوبة على أمرها؟


[1]H, blumer, social movements, in a m. lee(ed), a new ounline of the principles of sociology, new York, p: 199.

[2]Yves alpe et autres, lexique de sociologie, eddalloz, paris, 2005, p : 169.

[3] Bertrand Badic et jacques Gerdé, sociologie politique, puf. Paris, 2005, p : 169.

[4] نقصد بالفساد في هذا المقال كل الممارسات الخارجة عن القانون.


صدق البرلماني خالد تيكوكين لما قال: “حينما نتجه إلى الجبل (أو بالأحرى حينما نتجه إلى الهامش بصفة عامة) يقل كل شيء، تقل التنمية، يقل احترام الإنسان، تقل الكرامة… حتى الأكسجين يقل”. وفي المقابل يتكاثر الظلم واستغلال جهل الناس بحقوقهم. لذلك فالحركات الاجتماعية الاحتجاجية التي تظهر في هذه البيئة لا تنبجس من العدم، ولا تكون وليدة الصدفة… بل لا بد لها من أسباب وشروط حقيقية تدفع بها إلى الظهور، ولا بد لها من سياق يغذي نشأتها وتطورها، ويساعد على نموها ونضجها، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار الغياب الشبه التام لمؤسسات الوساطة الاجتماعية التي من المفروض أن تكون صمام أمان للمجتمع من كل مظاهر الإفساد ومن كل حيف قد يطاله ومن كل شطط في استعمال السلطة… حيث يكون المجتمع مبدعا لأشكال مؤسساتية عديدة تترافع عنه في إطارات قانونية، تعمل على حفظ الكرامة للجميع.

ومن جهة أخرى يعد الهامش بمثابة مستنبتات طبيعية توفر كل الظروف الملائمة لتكاثر الرداءة واستفحال الفساد بكل تلاوينه، وملاذا آمنا تتفشى فيه ظاهرة الرشوة… والتهميش والإقصاء الاجتماعي للساكنة وتفقيرها.

بالهامش يمارس الالتفاف على المقاربة التشاركية في تنفيذ المخططات التنموية بطله تعبيرات جمعوية موسمية مسيسة وانتهازية تتعامل مع ميزانيات الدعم بمنطق الوليمة الكبرى، وبحس انتهازي خطير في النوع والدرجة.

يمكن استلهام نظرية مالك بن نيئ القائلة بالقابلية للاستعمار للقول أن المجالات الهامشية تتجسد فيها القابلية لخرق القانون خرقا سافرا، حيث تعتبر من المجالات الأكثر تسجيلا لنسب عالية في الأمية، حسب دراسات المندوبية السامية للتخطيط. ويمكن أن نذهب بعيدا ونقول أن الأمية كمفهوم لا تتعلق فقط بالأمية الأبجدية أي من لا يعرف القراءة والكتابة  ولكن تشمل كذلك ما قد نسميه بالأمية القانونية، فهناك من حصل على درجات علمية من المستوى الجامعي، لكنه سرعان ما ينجر وراء خطابات غير المتعلمين وعامة الناس، ويبقى أسيرا خنوعا لفكر الحس المشترك. لذلك فإن مقاربة مثل هاته المواضيع تستدعي أكثر من نافذة للتفكير.

ويبقى كل ما أشرنا إليه مجرد شروط إلى جانب أخرى، لم يتأتى لنا ذكرها، تساهم في ظهور الفعل الاحتجاجي بالهامش، بشكل من الأشكال. وعلى وجه الخصوص فإن حركة قبائل “ميرنة” التي تعتبر الموضوع الأساسي لهاته الورقة، خرجت إلى الوجود، للأسباب التالية:

  • تسلط رئيس مجلس الجماعة الترابية وتعنته واستقوائه على المساكين كما يجمع  المحتجين.
  • النهب والسرقة التي تتعرض له أراضيهم السلالية من طرف أشخاص بعينهم.
  • حرمان الكثير منهم من ربط منازلهم  بشبكة الكهرباء.
  • تسييس التنمية في المنطقة.
  • نهب الأراضي باستعمال أسماء الأميرات[1].

وحري بالذكر أن كل هاته الأسباب حصلنا عليها من طرف المحتجين المعنيين بهذا النضال.

الخروج إلى الشارع معناه أنك في الاختبار الصعب، فكل حركة احتجاجية معرضة لخطر خطير يتمثل في استنفاذ الفعل الاحتجاجي لقواه، وبالتالي يكون مهددا بالتلاشي والانهيار، خصوصا إذا لم تلقى الحناجر من يتفاعل مع ملفها المطلبي، ليصل إلى الجهات الوصية القادرة على فك تعقيدات الملف، والتشبيك الذي قد يلفه، حتى يتضح الحابل من النابل، وينجلي الغبار.

بكل تأكيد، فالاحتجاج هو مؤشر إيجابي على قدوم تغير اجتماعي مهم، لكن في أحايين كثيرة لا يكون هذا التغير سريعا، وهو ما يقتضي بالضرورة نفسا نضاليا طويل الأمد، مع الحذر من السقوط في سراديب الروتين التي تؤدي أنفاقه بالمحتجين إلى نسيان القضية الأساسية التي هم محتجين من أجلها، فعندما نتحدث عن “قبائل ميرنة” فنحن بصدد الحديث عن ساكنة تربطهم علاقات شخصية يعرف بعضهم بعضا وتربطهم علاقات قبلية عصبية قوية، وعلاقة بمعطى الروتين، الذي أدرجناه ضمن ما يعتمل سلبا في الاحتجاج، سيصبح احتجاج هاته القبائل إذا ما أصيب بداء الروتين مبنيا على اعتبارات أخرى[2] غير تلك التي كانت سبابا أوليا للخروج إلى الشارع، وهنا نكون أمام منزلق خطير، وفي مواجهة مباشرة مع قنبلة موقوتة ستحدث انفجارا داخليا للحركة.

أضف إلى ذلك، ضعف تأطير الفعل الاحتجاجي بالمناطق القروية، إذا ما قُورن بالمناطق الحضرية، مما يفتح الباب أمام المبادرات الفردية وفقط، وليس مشاريع محكمة لهيئات منظمة، فقد يحدث أن تتشكل حركة احتجاجية بالهامش كرد فعل على مشكل أو حدث يفيض الكأس، ولكن قيادتها من طرف شخص أو أشخاص أي “شخصنتها” يجعل إمكانية انهيارها بسبب اتخاذ استراتيجيات نضالية مفلسة إمكانية واردة تفرض نفسها بقوة.

لا شك أن صعوبات جمة ومتاريس عديدة تنطح أمام نجاح الفعل الاحتجاجي بالهامش، بالنظر إلى حجم ظاهرة الأعيان به، ففي غالبية الأحيان يكون الاحتجاج بالدرجة الأولى ضد هذه البنية التقليدية، ونحن نعِ جميعا الأساليب التي واجه بها الأعيان كل الأصوات المعارضة لهم تاريخيا، وهي أساليب لن يدخروا أدنى جهد لاستحضارها والعمل بها، نظرا لوجود بنية حاضنة لهم، لا تريد التخلص منهم، وإنما تبحث لهم عن وظائف جديدة، ظاهرة وأخرى خفية.


[1]  هناك مساحة شاسعة من الأرض فوق جبل بقبيلة تلموت تطل على واد مكون، تقول الساكنة أنه في احد الأيام قصدها مستثمر مغربي وبدء عملية البناء فيها بغية تشييد مشروع سياحي، وعارضت الساكنة سبيله، لكنهم حصروا بادعاء المستثمر ومن معه أن إحدى الأميرات الجليلات هي صاحبة المشروع، لكن فيما بعد تبين للساكنة أن اسم الأميرة لم يكون سوى توظيفا تكتيكيا لكي يتركوا لحال سبيلهم، بلا متابعة ولا مساءلة.

[2] فمثلا قد يرى بعض الشبان في الالتحاق بالمعتصمات المفتوحة للمعتصمين والمعتصمات، فرصا إضافية للالتقاء بالفتيات والعكس صحيح، ما يفتح الباب لممارسات لا نقول عنها أنها لا أخلاقية، لأننا من دعاة الحريات الفردية في إطار قانوني، وإنما نعدها من الممارسات التي نخال أنها لا تناسب المقام ولا تخدم السياق في شيء.


حبذا لو سطرنا بالبند العريض على أن من يخترق القانون ويتلاعب بالصفقات ليس شخصا واحدا، ولا أشخاص محدودين ومعزولين، يمكن عدهم والإشارة إليهم بالأصابع، إن من يخالهم هكذا، فهو لا يزال ينعم بالأحلام في سباته العميق. إن الفساد أصبح نظاما يستلزم تكوين شبكة واسعة، أقل وصف يمكننا أن نصدره في حقها، هو أنها”أخطبوطية” تلعب على أكثر من صعيد، ويلعب كل واحد من عناصرها دور الحامي للعناصر الأخرى، وكل تهديد حقيقي يهم أحد الأطراف يمس الجميع، باعتبار الكل نسقا موحدا أو بالأحرى تكتلا على أساس المصالح. بهذا يمكن تفسير الاختفاء المفاجئ للوثائق داخل الملفات ببعض المصالح الإدارية، وللأرصدة البنكية داخل بعض المؤسسات…

انطلاقا من هذا التصور يمكن أن نفهم لماذا بعض مبادرات الحوار بين الساكنة والسلطات تكون جوفاء وعقيمة لا تخرج بأي نتيجة تذكر، لأنها مجرد تكتيكات منسوجة بغرض إعياء المحتجين، وتستهدف العمل بالقاعدة الشهيرة التي تقول ” لنحاور ونناور”، وبالتالي إكراههم غير المباشر على التنازل عن حقوقهم، وترك الجمل بما حمل.

سنكون غارقين في البلادة حد الثمالة، إذا رأينا في كل مسؤولي الإدارات المغربية بكل مستوياتها بعين الرضا الكاملة، واعتبرناهم ملائكة تدب على الأرض كل صباح وكل مساء. فعلا لن نضع الكل في سلة واحدة، سننصف من يستحق الإنصاف، ونقول هناك في الإدارة المغربية من نرفع لهم القبعة إجلالا لهم وتقديرا، على حسهم وحبهم وخدمتهم للوطن.

إن ما تفضلنا بالحديث عنه من اختلالات عميقة تعتري الخدمات التي تقدمها الإدارات والمرافق العمومية بالمغرب ليست بالمرة ثمرة لخلاوات تأملية لشخص طوباوي يعيش في عزلته المشتهاة، بالقدر الذي تعكس استنتاجات واقعية لكائن مغربي يعيش هنا، ويتنفس بما يتنفس به المغاربة أجمعين. كيف لقلمي أن يتردد في تعرية واقع استآت منه حتى القيادة العليا لهذا البلد، في العديد من المناسبات والخطابات، التي أكدت فيها أن علاقة الإدارة بالمواطن علاقة تطرح سيلا جارفا من الأسئلة، أبرزها ألا تخجلون من أنفسكم أيها المسؤولون المتهاونون في خدمة المواطن، إلى متى سنعيد تكرار هذا السؤال وأسئلة أخرى مشابهة له؟

إن المتتبع لنضال قبائل “ميرنة” سيلاحظ و بجلاء، التماطل الواضح في تنفيذ الوعود، وسياسة الآذان الصماء والأبواب الموصدة التي قوبل بها الاحتجاج  من طرف السلطات المحلية، وأمام هذا الوضع نكون أمام فرضيتن[1] أساسيتين لفهم هذا الموقف، إما أن هؤلاء معنيين بموضوع الاحتجاج، إما – وهذا هو الراجح – أن موضوع الاحتجاج يتجاوزهم، وغير قادرين على حله، نظرا للتراكم التاريخي الذي عرفته


[1] الفرضية بطبيعتها قد تكون صحيحة، وقد تكون خاطئة.


المشاكل موضوع الاحتجاج. لكن دعونا نتساءل بحثا عن الحقيقة الغائبة، لماذا لم تخضع السلطات المحلية هذا الملف لمنطق التراتب الإداري المعمول به، وتبدي نية حسنة لمعالجته، بدل التموقع في مكان يثير الشبهات؟

في سياقات عديدة، البراءة تعني السذاجة، وعليه، لا يمكن أن نتعامل مع كل من يتضامن مع أي حركة احتجاجية كيف ما كان نوعها سواء ببيانات مكتوبة أو بتدوينات على جدران مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى بالانخراط الميداني على أنه معها، لا يجب أن نفهم من الأمر كذلك. هناك من يستغل الاحتجاج للاغتنام، هناك من يعزف على وتر آلام الساكنة ليطرب جهات أخرى، هناك من يريد أن يعمل جاهدا على تصفية الحسابات، والغريب في الأمر وهو ما وقفنا عليه، أن هناك من يحمل أطروحات نبيلة في ظاهرها من قبيل: حقوق الإنسان ومناهضة الفساد والرقابة على الثروة وحماية المستهلك وحماية المال العام… وهلم جرى من العبارات المضخمة التي تغلف ماهيات معاكسة للشعارات الرنانة. إذن في هذه الحالة يكون الاحتجاج موضوعا تتجاذبه إرادات مختلفة ومتناقضة، فلا يمكن التغاضي على أنه على صخرة المصالح تتحطم جميع المبادئ.

لقد أفرز الاحتجاج المتواصل لقبائل “ميرنة” في اللحظة الأخيرة نسخة ثالثة من الحوار مع ممثلي عمالة الإقليم بعد فشل النسخة الأولى مع السيد الباشا وكذلك النسخة الثانية مع العمالة ذاتها، وممثلو الساكنة لا يزالون يعقدون اجتماعات دورية مع اللجنة الإقليمية الموفدة من طرف السيد العامل، وفي حالت عدم تمكن هاته اللجنة من وضع حلول للمشاكل التي تعاني منها الساكنة، لن يكون أمام الحركة سوى تجديد النضال الميداني، وطرق باب الولاية، لعل وعسى أن يكون الفرج على يد هذه المؤسسة.

أما إذا عادت الحركة من الولاية بخفي حنين، سيكون ذلك خسارة كبيرة في عقر الدار لما يدعى الجهوية الموسعة، وسنتأكد جميعا وبشكل أكثر وضوحا أن المركز مقابل الهامش هو المنطق التابث في تعامل الإدارة مع المواطنين، بالرغم من كل “الروتوشات” التي تنضح بها الأبواق الإعلامية، صانعة منها الحدث التاريخي.

آنذاك سيكون الاحتجاج مشروعا ممتدا ومنفتحا على الزمان، وستسلك الحركة مسالك أخرى… حينها سيفهم المغاربة أكثر لماذا يتوجه المواطنون إلى ملك البلاد لحل مشاكلهم.

إلى هنا، أقول ما قاله koenraad bogreart إذا أردنا معرفة الواقع في المجتمع المغربي المعاصر، لا ينبغي أن ننظر إلى مراكزه الحضرية التي تنم عن مغرب ديموقراطي ومتقدم، بل أن ننظر إلى الهوامش، كقرى الأطلس الكبير والمتوسط، أو صحراء زاكورة وفيجيج.[1] فبين مشروع قانون جديد للأراضي السلالية لم ير النور بعد، وواقع مأساوي تعيش فيه الساكنة تحت وطأة الاغتصاب للحقوق وعلى جمرة التهميش والإقصاء، تنضاف كل يوم لبنات أخرى إلى صرح اليأس والخذلان، الذي يتطلب هدمه تعلم الصراخ والاحتجاج كما نتعلم المشي والحركة كما تعلمنا ذلك الجسورة فاطمة المرنيسي.


[1]Bogaertkoenraad,imider vs. COP22 : Undestandigclimate justice frommorocco ‘s Peripheries, Jadaliyya, 12 Nov 2016.

تعليقات الزوّار (3)
  1. يقول اسماعيل بلشيش:

    تحياتي لك ايها المثقف المشاكس، الهم الكبير الدي يحمله المثقف هو التعبير عن مايختلج الفئات العريضة التي لا حول لها ولا قوة فهو قلمها المعبر و صوتها الصادح بالحق

  2. يقول يونس شكري:

    ان فرادة اللغة باعتبارها الية التعبير لا تستطيع في بعض الاحيان سوى معاكسة الواقع بفضح الواقع ذاته وما هو جدير بالذكر هو نفسه الجدير بعدم الذكر ..مقالك هنا صديقي رشيد سوسيولوججي التحليل لكنه موجه للنخبة والنخبة وحدها لا تستطيع سوى جر الاقلام على البياض ولا اخفيك سرا انه ان كان دور الفئة الواعية في الغرب هو القيادة والمبادرة الى الصفوف الاولى فهي في مغرب التناقضات مقتصرة على المبادرة الى النقد والتحليل…اما السؤال المزعج والذي لا يجد جوابا هو كيف يجب ان نعمل او نفعل كل ما يمكن ان نقوله ؟؟؟
    بوركت اخي تحية سوسيولوجيا من عمق الاعماق ..

  3. يقول حمزة الحنصالي:

    مقال رصين ينضبط لِعمق المقاربة السوسيولوجية النقدية و جِدَّتها.
    تحياتي الحارة صديقي رشيد ???

أضف تعليقك