https://al3omk.com/303894.html

“من الوهابية إلى الإسلام”.. لشهب: مشكلة الوهابية مع القرآن (الحلقة 22)

ضمن هذا الشهر الكريم، نعرض عليكم متابعي جريدة “العمق” سلسلة جديدة مع الكاتب خالد لشهب يروي فيها تجربته من “اعتناق” مذهب بن عبد الوهاب إلى مخاض الخروج إلى رحابة الإسلام، بما يبشر به من قيم الجمال والتسامح والرحمة …

السلسلة هي في الأصل مشروع كتاب عنونه مؤلفه بـ «من الوهابية إلى الإسلام»، حيث يُحاول من خلال عرض تجربته بأسلوب يزاوج بين السرد والاسترجاع والنقد.

جريدة “العمق” ستعرض طيلة هذا الشهر الفضيل، الكتاب منجما في حلقات، يحاول من خلالها الكاتب نثر الإشارات التي قد تكون دافعا ووازعا لكثير من الشباب للخروج من ظلمة الوهابية إلى رحابة الإسلام عملا وظنا.

الحلقة 22: مشكلة الوهابية مع القرآن
لقد سبق لي في الحلقة الماضية أن بينت فضل أصول الفقه في استنباط الأحكام الشرعية والمقاصد الجليلة، وبينت أيضا أن التعامل مع النص من الكتاب أو الخبر بسطحية يؤدي بنا في النهاية لمخرجات سطحية تنزل بعلم الشريعة إلى مرتبة العوام. وفي هذه الحلقة سأحاول أن أثير مسألة أخرى من العلل التي أورثتها الوهابية في حياة المسلم؛ ويتعلق الأمر بظاهرة الاكتفاء بالسنة وإهمال القرآن؛ والتي هي من المسائل التي قد لا يصرح بها السلفي الوهابي مخافة الشناعة، ولكن هي أمور تفهم من خلال عاداتهم ودأبهم في التفكير وفي تبرير العقائد.

فنسأل الله التوفيق والسداد في تنبيه هؤلاء إلى أن الأصل هو القرآن وهو المسمى وحيا ومعجزا، وأن الخبر هو ما يكون أحوج للقرآن. فالسنة لها حجيتها وفضلها في فهم بعض من آي القرآن وتفصيل بعض من العبادات وهذا لا ينكره إلا جاهل، لكن هذا لا يعني أن السنة تحجر على الدلالة القرآنية حتى تجعل ما كان أراده الله مختلف الدلالة فيجعله الخبر والأثر لا يحتمل إلا دلالة واحدة. فلو أن حكمة الله كانت تقضي أن يكون القرآن خطابا قطعيا محكما لأمكنه ذلك وهو العليم القدير، بل هي حكمته تعالى في التدبير والتنزيل وعلم ما كان وما سيكون.

لقد أثر عن بعض أئمة السلف مثل مكحول قوله: القرآن أحوج للسنة من السنة للقرآن. وقال مثله الإمام الأوزاعي: السنة قاضية على القرآن. فإذا كان المقصود من قول الأوزاعي المحو والغم فهذا قول شنيع، لكن إذا كان يقصد به القضاء بمعنى التحاكم فهذا مقبول، وأمثلة هذا كثيرة في الاختلاف في استنباط حكم من نص مبهم، فهذا هو الذي عليه أئمتنا؛ والذي على أساسه لما سئل الإمام أحمد عن من يقول مثل ما قاله مكحول والأوزاعي استنكر الإمام قول مكحول بحاجة القرآن للسنة فقال رحمه الله وكان ورعا عالما : ما أجسر على هذا أن أقوله إن السنة قاضية على الكتاب, وإن السنة تفسر الكتاب وتبينه”.

ونحن إلى الآن لا نختلف مع أصدقائنا الوهابية في شيء، فالله سبحانه وتعلى يقول:وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. فالبيان من لوازم نبوته صلى الله عليه وسلم، فالإقرار للخبر ببيان السنة وما تشابه من الكتاب لا يخالف الأصول عند أئمتنا، مادام الخبر صحيحا متنا وسندا لا يخالف بداهة العقل والقياس وعمل أهل المدينة، ولا يخالف ما يقره صريح القرآن نفسه، وأن هذا ملزم لنا في العمل لا في الاعتقاد.

لكن السؤال الذي يطرح هو لماذا لم ينزل القرآن واضحا جليا؛ يظهر الحرام والحلال بألفاظ لا تحتمل الوجهين؟ ولماذا لم يؤلف النبي صلى الله عليه وسلم كتابا أو يقرئ صحابته معاني هذه الآيات حتى لا يختلف الناس في شيء؟. نحن لا نقول بهذا ولا أترجاه أنا شخصيا، ولكن طرحي لهذه الأسئلة هو لأنبه إلى الواقع الذي جسدت فيه الوهابية ما اجتنبه النبي والقرآن؛ ذلك أن القرآن أصبح فقط للتبرك والأجر والموعظة والرقية والتجارة، ولم نعد نقرأ القرآن للتدبر واستكناه الأسرار في النفس والكون والأحكام والتشريعات..؛ بما يجعل هذا النص صالحا لكل زمان ومكان، فالوهابي مكتف بالأثر والخبر، والقرآن بالنسبة إليه انتهت دلالته بفهم السلف له، وأنه لا فائدة بالمطلق لتدبره مادام أن السنة فيها كل شيء ويكفي فقط العودة إليها.

وقد تراهم لا يذكرون القرآن إلا مصحوبا بأثر، بل ما جعل تفسير ابن كثير هو المعتمد عندهم، أي أنه كما قلت معناه فهم القرآن فقط بما فهمه السلف وانتهوا إليه بما فهموه من المعاني البسيطة عندهم في العلم بالكون والنفس، وما يروج لتنظيم المجتمع؛ ولهذا قالوا : القرآن أحوج للسنة، وهذا امتداد للسلسلة الطويلة في ازدراء أصول الفهم وعدم الحاجة إليها والاكتفاء فقط بفهم السلف.

إن التفسير بالأثر لا يطرح عندي أنا شخصيا أي مشكل حين يكون نوعا من أنواع شتى من التفاسير، فتفسير ابن كثير يستطيع أن يعود إليه بل واجب في رأيي أن يعود له كل مسلم باحث، وأنا إلى اليوم لا غنى لي عنه رغم بعض المآخذات عنه وهي قليلة لا تنقص من قدره شيئا. لكن الاكتفاء بما قاله السلف لا يكون دائما سليما وعندي من الأدلة الشيء الكثير، فعلة الوهابي أنه يقدس فهم الصحابي بل يجعل صفة الإيمان والورع وما مدح به الله ونبيه جملة منهم ملزما لرجاحة العقل تحت مسمى ما قاله الحسن البصري: العلم الخشية. وهذا مخالف للواقع ومخالف لصريح القرآن والخبر. فالصحابة مجتمع تكثر فيه الأمية وليس كل صحابي هو مصيب فيما يقوله أو راجح عقله بدليل ما تكرر في الخطاب القرآني مما أشرت إليه في حلقات سابقة. فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل أي مجتمع يتعلم ويفهم انطلاقا مما تمليه عليه فطرته.

ومثل هذا ما أخرجه الإمام البخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما الخيطان قال إنك لعريض القفا، إن أبصرت الخيطين ثم قال لا بل هو سواد الليل وبياض النهار. وأيضا ما روي في آيات كثيرة لم يفهمها الصحابة ففسرها لهم النبي صلى الله عليه وسلم مثل آية: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، ففهم الصحابة الظلم على ظاهره وفسرها النبي بالشرك .

يقول الشيخ ابن تيمية في مقدمة في أصول التفسير: (وحينئذ ؛ إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ، رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة ، فإنهم أدرى بذلك ؛ لما شاهدوه من القرآن ، والأحوال التي اختُصُّوا بها ، ولما لهم من الفهم التام ، والعلم الصحيح ، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم ). فهذا لا نختلف فيه، فالخلاف فقط هو في كيف ينظر السلفي إلى أقوالهم وكيف ينظر غيره من أهل السنة والجماعة، فقول الصحابي والتابعي كما عند ابن كثير وظاهر في هذا النوع من التفسير؛ يختلفون في الآية الواحدة اختلافا كثيرا وقد يتفقون على فهم؛ وهذا راجع إلى أنهم رضي الله عنهم لم يكونوا جامدين وإنما كانوا يفسرون برأيهم وأيضا بما سمعوه وأخذوه من النبي وصلا أو رفعا أو بما تلقفوه من أهل الكتاب، وهذا شرطه عندهم العلم بأصول التفسير الذي به أخذ من اقتفوا أثرهم من أهل السنة والجماعة؛ ولم يكتفوا بقولهم كما يفعل الوهابية في كثيرهم. يقول الزرقاني في المناهل : فالتفسير بالرأي الجائز يجب أن يلاحظ فيه الاعتماد على ما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مما ينير السبيل للمفسر برأيه ، وأن يكون صاحبه عارفا بقوانين اللغة ، خبيرا بأساليبها ، وأن يكون بصيرا بقانون الشريعة ؛ حتى ينزل كلام الله على المعروف من تشريعه”.

إن علة التفسير بالأثر تجد المصنف رحمه الله يدرج قول الصحابي أو التابعي بالقول: وكان الناس إذا كذا وكذا، وقد نزلت هذه في قوم كذا وكذا… وهكذا من العبرات المسكوكة المتكررة التي تجعل القرآن ملتصقا بزمكان معين. وربما أحالك المصنف إلى ظاهر الآي وهذا هو الغالب. فالذي يكتفي بهذا التفسير ويدمن عليه مع الوقت يحس أنه غير معني بالخطاب خاصة حين يكون الحديث عن أهل الكتاب، مع أن الأصل هو أن الإسلام حركة تصحيحية وليس دينا جديدا. وبهذا يفقد القرآن في نفس صاحبه السيرورة والصيرورة؛ بمعنى يفقد القدرة على التأويل الممكن والواسع الذي يختص به الخطاب القرآني. هذا دون أن أغفل الحاجة إلى الاستعانة بأسباب النزول كما بينها وبرع فيها الإمام السيوطي.

قلت: وإذا كان المؤمن يفهم من دعوة الله تدبر القرآن واستكناه معانيه وجعله صالحا لكل زمان ومكان؛ وبه تنتشر ثقافة الاختلاف التي تطبع الصنعة الربانية في الملكوت، وبه يضمن النص خلوده كما هو شأن كل النصوص الخالدة والتي تتعفف بغموضها، فتتجاوز ثباتها إلى التبشير المستمر حتى بما هو آت بما تمتلكها من دينامية في الاستمرار، أو بما تمتلكه وتكنزه من السنن والقوانين التي تحكم الحياة في مجملها وهنا يكمن الفرق، إنها تستطيع أن تتعفف بأكبر قدر من الغموض، حتى لتقي نفسها سفاح الزمن وتضمن لنفسها مقعدا داخل الوجود المستمر. فإذا كان هذا حال القرآن وحال من يفهمون خطاب القرآن مصداقا لقوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون. فنريد أن نفهم الغاية التي من أجلها يقرأ السلفي القرآن إلا لحاجة الأجر والتبرك، مادام أن كل شيء بالنسبة لهم قد تم.

إذا المشكل الذي يعاني منه الوهابي هو مشكل نبذ التأويل وتقديس الرأي، وليت هذا المشكل يتوقف إلى حد التأويل بل إنه يتعداه من تقديس النصوص المؤولة على صحتها وسقمها، إلى تقديس فهمها، وربما غلب في قلوب كثير منهم تقديس التأويل على النص المؤول نفسه، حتى رأينا من يؤلف كتابا أو يخطب خطبة لا ترى فيها إلا القيل والقال عكس ما كان يخطب به النبي صلى الله عليه وسلم من الاستدلال بالقرآن ، تماما كما تغلب محبة الشيخ والمرشد في قلوب الكثيرين محبة النبي صلى الله عليه وسلم من حيث لا يدري المرء؛ لأنه أصلا ملبوس عليه .

إن الإسلام في كل الأحوال ينتهي أمره إلى التأويل والاختلاف الذي حكم به الله غاية الخلق، فقال: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم …ذلك أن الإسلام ليس كما ينتهي عنده فهم العوام واضح جدا ، نعم صحيح أن بعضا من أصوله ومقاصده واضحة ثابتة ، لكنه في غالبه يقوم على التأويل والاجتهاد ، هذا الأخير الذي يجعله تحث سيطرة اللغة والمؤسسات والأهواء وأمراض اليقين، وبالتالي يصبح مفروضا على الإسلام أن يستثمر هذا الأصل الطبيعي في خدمته بدلا من ضربه حتى يتشابه الناس، فحكمة الله الاختلاف. فالمسلمون في كل الأحوال إذا أردوا أن يعيشوا كما تعيش كل الأمم اليوم يجب أن ينفلتوا من سلطة اليقين، يجب على المسلمين أن يكفوا عن الحديث بالنيابة عن الله، فلا أحد في النهاية موكول إليه الحديث باسم الله. فالذي نعرفه هو أن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر وهذا هو ما يجب العمل عليه؛ أي تحقيق المقصد والمناط وليس تحقيق النص وكفى.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك