صروف الزمان

أم رؤوم ،حماة ودود، زوجة حنون،جارة غاية في الإخلاص والتآزر …هكذا كان عهدي بها منذ عرفتها سنة 1996، امراة كمعظم أمهاتنا لم تنشد شيئا في حياتها أكبر من استقرار بيتها،ومحبة ورضى زوجها،وكثير من زاد الرحمة والعطف لأبنائها، وسعت سعيها المشكور إلى طاعة ربها ، وإقامة حدوده في شتى مناحي دنياها.

هكذا كانت – رحمة الله عليها- وبأوصافها تلك كبرت نفسي عن مخالفتها غير ما مرة ….كما تقت مرارا إلى محاورتها، وسعيت الى ودها بل والى الاخذ بنصائحها في معاملة اطفالي، وفي أبجديات الطبخ المغربي، وفي التغاضي عن هفوات الآخرين ، ولاسيما الذين تجمعنا معهم مصالح مشتركة (الأسرة_ الجيران_ العائلة _زملاء العمل…)

كان كل شيء فيها يشدني ويجبرني على تقديرها،وكان وجهها الابيض الصبوح يبعث في كثيرا من الثقة وغير قليل من الاتزان ، وكانت ملامحها الرقيقة التي تخفي معالم جمال كان ولاشك لافتا للانتباه،يجبرني على الاعتبار بسنة الحياة والايمان بان دوام الحال من المحال.
وبالجملة، كان فعل ماض ناقص ، ونقصه سمة انسحبت على اوصاف هذه ” العزيزة” ،فاحالت

اجمل ما فيها من ذكرى وحلم غابر ….حين اقتات ” السرطان” من ثديها الرحيم على حين غرة في سن متقدمة….وحين شاءت صروف الزمان ان تصاب بمرض ” الزهايمر” لتدور معه في سلسلة من الحلقات الموجعة والايام المبكية والساعات المكلمة….

حلقات وايام وساعات ، صنعت صنيعها فيها ، وفي كل أفراد أسرتها الصغيرة ، وكانت درسا للموعظة والاعتبار لكل من كان يعرفها ، وخبر عن قرب عنفوان حقيقتها كامرأة وكأم وكزوجة ، وأولهم أنا….

أجل هي درس للاعتبار بامتياز ، وأنى للمرء ان يغض الطرف عن حقيقته الواهية ، ولا ينحني لمشيئة القادر المقتدر ؟! انى له ان يرى أما قد تحولت إلى طفلة لم تتعد ربيعها الثاني فيتوانى عن الحمد على نعم الله بكرة وعشية ؟!

” أم ” فقدت ابجديات الكلام ، وفقدت معها قواعد الاكل والشرب و….، ولا تقوى على اي شيء ، وتتعب لادنى حركة .

لفقد فقدت ” العزيزة ” معظم معالم التمييز لدى بني البشر ، ولكنها في مقابل ذلك ، عضت بالنواجد على معاني الحياء وومضات الايمان ، من قبيل حركة رفع الكفين الى السماء مصحوبة بتمتمات هي ضرب من الدعاء ولا شك، كما ابقت على الإحساس الفطري بالحب والود، فهي وان كانت لتنسى لم تنس حب ابنائها اها ، وابتهاجها للالتفافهم حولها.

انكسر الفؤاد لرؤيتها على حالها تلك ، واعتصر القلب لمصابها ، واحترقت المقل عند كل دمعة درفتها …

لا لا اريد ان احتسب مصابها لغير وجه الله ، بل أسعى ان تعتبر نفسي وغيري بهذه النوائب ،وان ننحني جميعا لهاتف الايمان ، فنتضرع للمولى جل علاه ان يقبلنا عنده وان يجمعنا بموتانا في جنان الخلد ان شاء الله .

فهل كثير على المرء ان يعتبر ؟ ام حسبه فقط ان يجزع ويفزع ويشكو صروف الزمان ؟!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك