التحولات السياسية في العالم العربي بعد الربيع

احتضنت كلية الحقوق بالرباط نقاشا علميا جادا في سياق يعرف تراجع فضاءات النقاش العمومي السياسي حول كتاب “تحولات سياسية مقارنة في المغرب العربي والمشرق، 7 سنوات بعد الربيع العربي”. وهو مؤلف جماعي صدر بالفرنسية والإنجليزية مؤخرا عن مركز السياسات التابع للمكتب الشريف للفوسفاط. ويتضمن دراسات لباحثين مغاربة وعرب وأجانب في مجال العلوم السياسية والإجتماعية تحت إشراف الأستاذ عبد الله ساعف. والكتاب هو ثمرة ندوة سبق أن نظمها المركز في 2016. مرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك التاريخ لأن المنطقة تعيش تطورات وتحولات مستمرة. ويتناول المؤلف بالدرس الأوضاع في مختلف الدول العربية تقريبا من المغرب إلى سوريا مرورا بليبيا وتونس والسعودية إلى جانب دراسة موقف الإتحاد الأوربي باعتباره الطرف الأجنبي المباشر القريب للمنطقة العربية. ويتأسف الباحثون لعدم دراسة موقف قوى دولية أخرى مثل أمريكا أو روسيا، وهاته الأخيرة، التي ليست بعيدة عن الحراك العربي، برأيهم، تبدي اهتماما كبيرا بما يجري فيه. كما يمكن التساؤل عن غياب دراسة معمقة لتونس بسبب خصوصيتها وتحدياتها وذلك رغم بعض الإشارات التي توقف عندها الكتاب مثل المؤشر الدولي للدمقرطية الشمولية الخاص بتصنيف بلدان المغرب العربي.

كيف يصف الباحثون ما جرى في 2011؟ وما هي نتائجه؟ وهل يمكن الحديث عن نجاح أو فشل هاته التحولات؟ عبد الله ساعف يرى أنه يصعب الحكم بالنجاح أو الفشل لأنه “في المجال الإجتماعي هناك ما نسميه بالمظاهر النائمة. كما هو الحال في ما يعرف بالخلايا النائمة” في إشارة منه إلى الخلايا الإرهابية. ويتحفظ الباحث عن وصف ما جرى ب”الثورة” ويفضل أن يصفه ب: “التغيير والرغبة في التغيير” معتبرا أن ما وقع يكشف عن “حراك اجتماعي حقيقي ومستمر”، وعن بروز ثقافة للاحتجاج. وقد جاءت هذه الأحداث بعد بروز مطالب شعبية متشابهة بشكل عام تنادي بالدمقراطية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون.
وبغض النظر عن الوصف الذي يمكن إعطائه لما عرفته المنطقة من “موجات احتجاج”، فإن النتائج والمخرجات واضحة ومتعددة تتمثل حسب حالات كل بلد عربي في: تغيير للنخب السياسي، وفي إصلاحات دستورية، وانتخابات.. وغير ذلك. وهي مخرجات تصنفها مقدمة الكتاب كالتالي: انتقال دمقراطي، إعادة بناء، إصلاحات، ثورات مضادة، وحروب أهلية… وغير ذلك.

في المغرب، يتناول الكتاب عدة جوانب مثل تطور “الفعل الجماعي” منذ 2011 على المستويين السياسي والإجتماعي وذلك من خلال نموذج حركة 20 فبراير. كما يتوقف عند “حراك الريف” ويتسائل: هل يعتبر هذا الحراك “إعادة إحياء للربيع العربي”. وفي ارتباط منهجي بهاته الاحتجاجات، يحلل الكتاب القواعد الدستورية لإصلاح الدولة وإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويرى الباحث عبد الحميد بنخطاب أن الوضع في المغرب ينطبق عليه سيناريو “الإنتقال المراقب” مثل الأدرن وهي وضعية تتميز عموما بإصلاحات لضمان الإستقرار مع تعزيز أكثر لسلطة النظام. ويذكر ساعف في هذا السياق بنظرية الباحث الفرنسي الشهير روبير مونطاني المتخصص في الشأن المغربي إبان الإستعمار والتي تقول إن الحركات الإجتماعية يتبعها عادة تقوية للدولة التي تصبح أكثر سلطوية، لكنه يتسائل إلى أي حد هذه النظرية تبقى صحيحة اليوم.

ويعتبر عبد الحميد بنخطاب أن هناك عدة سيناريوهات أو تصنيفات للتحولات التي عرفها العالم العربي تتمثل في ما يلي: تغيير للأنظمة، انتقال فوضوي، انتقال مراقب… وفي دراسته التي ركزت على السعودية يعتبر أن هذا البلد يعيش “استقرارا سلطويا” وأنه نظام يشتغل بدون استعمال كبير للعنف نظرا لتجذره الإجتماعي وللتحالف التاريخي بين العائلة الحاكمة ونخبة دينية وذلك في ظل مجتمع قلبي بالأساس.

وبالنسبة للوضع، في ليبيا ترى الباحثة إحسان كنون أن من بين أسباب ما تسميه “الثورة” التي عرفها هذا البلد: الرشوة وتهميش النظام السابق لبعض القبائل في البلاد من السلطة. كما تحلل ما تسميه “لعبة الفاعلين الأجانب”، وتتسائل، في ظل الإنقسام والصراع المسلح الذي تعرفه ليبيا حاليا، حول إمكانية العودة إلى نظام فدرالي يقوم على أساس التقسيم التاريخي الثلاثي الذي يميز هذا البلد؟ أم أن الأطراف المتنازعة ستتمكن من الاتفاق حول حكومة وحدة وطنية؟

ويتسائل الباحث السوري سلام كواكبي من مؤسسة “مبادرة الإصلاح العربي” في دراسته: “هل تعرف سوريا نزاعا بلا نهاية؟”. ويعود الى الجذور التاريخية القديمة للازمة. ويحلل شرعية الدولة وبنية النظام السياسي في سوريا منذ 1920، وغياب حياة سياسية بعد الإستقلال في ظل النظام السابق بقيادة حافظ الاسد. وهو يشبه ما يجري اليوم في سوريا، في مقارنة غريبة، ب”إضفاء طابع فلسطيني” على الأزمة نتيجة استمرار الإقتتال بموازاة مفاوضات سلام فاشلة. أما حل الأزمة فيقتضي، حسب رأيه، وقف الحرب، واللجوء إلى عدالة دولية تحت إشراف قوة تابعة للأمم المتحدة. رغم ان “التحليل السياسي البعيد المدى” لأصبح نفسه صعبا في سوريا باعتراف الكاتب، وذلك نتيجة رعب الحرب وعنفها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك