https://al3omk.com/319727.html

“أحاديث في ما جرى”.. إيذان بنهاية جيل ذهبي

التردد الذي أبداه عبد الرحمان اليوسفي -أو سي عبد الرحمان كما يحلو لمناصريه تسميته-، في نشر مذكراته على الأقل ،كما قال كاتبها “امبارك بودرقة”، ربما كان ترددا في محله .

فقد تختلف الأسباب و تتعدد وراء هذا التردد ، لكن الذي يمكن فهمه بشكل تلقائي و من وجهة نظر معينة ، أن من بين هذه الأسباب نجد أن الرجل لا زال يمتلك في جعبته الكثير مما قد يقدمه، للبلد الذي ناضل كثيرا من أجله بمعية العديد من رفاقه، الذين دفعوا الثمن غاليا .

إضافة إلى أن زمن نشرها لم يحن أوانه بعد،لأن فصولها لم تنتهي و لأن في العمر بقية . هذا، فضلا على أن نشر المذكرات عادة ما يعني الإحجام النهائي و المطلق إن لم يكن عن الحياة ،فعلى الأقل عن المبالاة بما كان يمثل هوسا يوميا .

لكن في السياسة كما في النضال “الحقيقي”، لا مكان لما يمكن تسميته تقاعد أو اعتزال.فحب الوطن و الكفاح من أجله ، يعتبران بمثابة الحب الأول ،الذي ما إن يكاد يلامس شغاف القلب وسويدائه، حتى يتحول إلى هوس لا ينتهي ،و عشق لا ينطفئ أواره ، و ترانيم للحياة تسير و تستمر وفق إيقاعها و ضوابطها حتى آخر فصل من فصولها..

فلا نهاية لعشق، كبير،طاهر ، لا يخشى صاحبه إن هو تعرض من أجله إلى الإعتقال سنوات طوال ، أو سيق إلى مقصلة الإعدام ،على غرار البطل النبيل “دون كوشيط ” .

إن نشر هده المذكرات ،ربما كان نتيجة انطباع تكوّن مما يمكن تسميته بالعطالة التي أدخل فيها مكرها غير راغب. لكنه انطباع في غير محله . فقبل هذا و منذ انتهاء تجربة التناوب،كان قد سبق له أن اختار المنفى لسنوات طوال ، بعدما لم تستطع الأرض أن تحمل و تستوعب أفكاره و أحلامه.

وما إن آجتاحتهم تلك الرغبة العارمة ،التي تكونت لديهم من خلال ما للرجل من مواقف بطولية كبيرة و ما يمثله من إجماع كلي لدى الشعب المغربي بامتلاكه و استحقاقه القدرة على الخروج من الأزمة التي كادت أن تعصف بالبلد –و صفة التشريف”السي” المقرونة بإسمه دليل على ذلك- ،حتى توسلوا إليه دون غيره لكي يعود.

و كمثل أي رجل عاشق لبلده ،فهو لم يتردد في تلبية النداء كما تردد في كتابة مذكراته “أحاديث في ما جرى” .

لا أحد اليوم ، يمكنه أن ينكر أن البلد لا تمر بوضعية صعبة ،و لا تختلف عما كانت عليه من قبل ، حينما كان “سي عبد الرحمان”و رفاقه أمثال المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد و الفقيه البصري و … يجوبون العالم مدفوعين بقوة الأمل ، ينشدون تغيير و تطوير البلد ،غير عابئين بالمخاطر التي كانت تهدد حياتهم في كل مرة و حين ،و لا مهتمين بأحكام الإعدام التي كانت تصدر في حقهم غيابيا دون توفر أبسط شروط المحاكمة العادلة.

ولتجاوز هذه الصعوبات،لا بد من رجال على غرار من وصفهم المهدي بن بركة “بأقوياء النفوس “.

قوة النفس و عزتها، فكما أنها قد تأتي عن طريق الجينات ،فقد تتشكل كذلك عن طريق التلقّى ،بعد أن تجد من يصقلها و ينفخ فيها من قوته ،عبر التأطير و التكوين و زرع حب الوطن و النضال من أجله ،و عدم المبالاة مما قد ينتج عن ذلك .

و هذا ليس بغريب. إذ نجده بنفسه، يعترف و بكل افتخار في مذكراته التي يقول فيها : لولا المهدي بن بركة الذي كانت حياته كلها حماسة و نشاط ،لا تفتر و لا تهدأ أبدا كلما تعلق الأمر بخدمة الوطن ،لما كنت كما أنا عليه اليوم. فبسببه عرف النضال و صقلت ملكاته و مواهبه السياسية .

الأبطال حينما يخلدهم التاريخ فذلك ليس حبا في التخليد،و إنما لكي يستمروا كذكرى و عبرة للأجيال المقبلة ،حتى تغترف من معينهم بما يمكن أن يفيد الأوطان و بما يجعل للحياة الإستمرار.

إن عبد الرحمان اليوسفي الذي يشهد له الكل بفضيلته و غيرته على الوطن، و الذي ضحى بالكثير رفقة العديد من المناضلين في سبيل

هذا الوطن . يعتبر قدوة لكل الأجيال .و البلد تحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى .فنسيانه و عدم الإستفادة منه خسارة كبيرة للوطن و لجيل هذا الزمان .

فهذا التشتت و هذا الضياع،و هذا الخنوع الذي أصاب الوطن إنما هو محصلة لهذا النسيان . فرجل يعترف به العدو قبل الصديق من شأن كلمته أن تسمع ،و من شأن الشباب أن يقتدي به في حب الوطن .

فنحن نشكو عزوف الشباب عن السياسة،و نشكو التطرف ،لكننا في المقابل نعلم جيدا أن الممارسة السياسية عدوى تنتقل عمن يتمتع بخصالها و أسسها ومن يتقنها.

ربما ابتعاده عن السياسة و عن النضال ليس ناتج عما يمكن أن يتهيأ لنا ،من خلال تقدمه في العمر و من خلال ظروف صحية .فالنضال لا يشترط في قيامه شروطا معينة ،بل هو حي في الروح مادامت حية أبدا . لكن اختلاط الحابل بالنابل و فساد الذمم و تملق المتملقين و آستئساد الخائرين في وقت الرخاء و الدعة، كلها أسباب تؤدي إلى كمون حب الأوطان و لكن إلى حين .

يحكي في مذكراته” أحاديث في ما جرى” زمن كان الإتحاد الوطني للقوات الشعبية تسير بذكره الركبان وحين كان الفساد على أشده وحين كان يوجد في المغرب مناضلين من طراز عالمي ،أنه سنة 1964 حدث و تقدم الفريق البرلماني لحزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية بملتمس الرقابة من أجل إسقاط الحكومة التي تخلفت عن القيام بما يليق بها في خدمة الوطن .و لبهدلة الفريق البرلماني الاتحادي، تقرر أن يتم نقل أطوار مناقشة الملتمس الرقابي مباشرة على شاشة التلفزة المغربية .

غداة بداية النقاش الذي كان الحسن الثاني يتابع أطواره ،هاجم وزراء الحكومة نواب الإتحاد بكونهم خونة و ضد الملكية و مثيرين للمؤامرات ، ثم فوق ذلك هاهم يلتمسون بلا خجل، إسقاط الحكومة بملتمس رقابتهم هذا.

آنذاك فهم أعضاء الحزب السر وراء النقل التلفزي لأطوار هذا النقاش. لكن ما إن أخذ رئيس الفريق النيابي عبد اللطيف بن جلون الكلمة حتى انقلب السحر على الساحر ،بعدما بيّن بالحجة و الدليل أن أغلبية الوزراء الذين تتشكل منهم الحكومة ، كانوا غداة الإستعمار الفرنسي، ضد الملكية و ضد الشعب المغربي و ضد عودة محمد الخامس من المنفى .

و أمام هذا الإحراج الكبير،نهض وزير الأنباء من مكانه، فصاح المحامي و البرلماني الإتحادي محمد التبر قائلا:هاهو وزير الأنباء يتوجه نحو الطاقم التقني لإيقاف البث المباشر عن المغاربة.و بالفعل فقد أعطى أوامره بقطع البث التلفزي حتى لا يعرف الشعب المغربي حقيقة من يحكمه. لكن الحس الثاني أعطى أوامره عبر الهاتف بمواصلة البث التلفزي .

فتشابه الظروف في عصور مختلفة من شأنها أن تعطي نفس النتائج .

ولأن ظروف هذا العصر لا تختلف كثيرا عما كانت عليه في العصر السابق ،فإن هذا يجعلنا نفهم بكل يسر ،سبب صمت عبد الرحمان اليوسفي قوي النفس في زمن لا يختلف كثيرا عن زمن تقديم ملتمس الرقابة سنة 1964.

لكن في تلك الفترة حينما تصدوا بكل قوة للفساد و التملق ، كان هناك الكثير من أمثال عبد الرحمان اليوسفي ،أما الآن فعددهم لا يتعدى أصابع اليد الواحدة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك