https://al3omk.com/334400.html

الدّارجة والتدريج.. والعربية والتعريب.. والأمازيغية والتمزيغ أقديم يكتب:

كثيرا ما يُتعِب البعضُ نفسه كي يبرهن لنا أن اللغات العامية المغربية (الدوارج)، لغات مستقلة بذاتها، و تجمع بين معجم اللغة العربية الفصحى في معظم مفرداتها، و بين قواعد الأمازيغيات في بنيتها و صرفها و نحوها. محاولا حشد الكثير من الأمثلة والنماذج لتأكيد ذلك، معتقدا أن هذا المسلك يعتبر كافيا لجعل الدّوارج العامية المغربية خصما عنيدا للغة العربية الفصحى، ومن ثمة درعا للدفاع عن الأمازيغية، ناسيا أو متناسيا و جاهل أو متجاهل، أن لا الدّوارج العربية ولا الأمازيغيات يمكن أن تشكل خصما للعربية العالمة. لسبب بسيط، هو أنّ الأدوار و المهام موزعة و متكاملة فيما بينها، كما تقتضي ذلك صيرورة التطوّر في المجتمع والدولة، منذ العصر الوسيط، حيث الدّوارج العامية و الأمازيغيات تقوم بوظائفها في المؤسسات الطبيعية و البنيات التحتية للمجتمع، كلغات الأم للتواصل في الأسرة و البيت و القبيلة و الشارع وفي العمل في مستوياته التي لا تحتاج المعارف العلمية التجريدية والقدرات الذهنية والمهارات التقنية المعقدة، و العربية العالمة (الفصحى) تقوم بدورها كلغة للتواصل في كلّ ما هو مؤسساتي ورسمي مرتبط بالدّولة، كالمدرسة و التربية و التعليم و العلم، و كلغة السياسة، ممّا أهّلها لتصير لغة امبراطورية (langue impériale). فلا الدّواراج العامية و الأمازيغيات يستطعن القيام بدور و وظيفة العربية العالمة (الفصحى)، و لا هذه الأخيرة يمكن لها القيام بمهام لغات الأم والبيت والقبيلة.

وعليه فالدّوارج العامية العربية هي التي تشكل خطرا على الأمازيغيات الشفوية، و ليس العربية الفصحى في حد ذاتها، على اعتبار أن هذه الأخيرة تؤدي دورها و تنجز مهامها، في مجالات و فضاءات: المدرسة و التعليم و الدولة و الدين و الإدارة، التي لم يسبق للأمازيغيات أن كان لها وجودا تاريخيا فيها، في الوقت الذي تشغل فيه الدوارج العامية العربية نفس أدوار و تقوم بنفس مهام الأمازيغيات، كلغات للأم و الأسرة و القبيلة و الشارع و العمل اليدوي، و بالتالي تزاحمها في نفس الفضاءات و المجالات (مهام لغة الام و أدوار لغة الشارع و العمل). و لذلك فالتعريب “الدارج” هو الذي يشكل خطر ا على الأمازيغيات على المدى القريب و المتوسط و ليس التعريب “الفصيح”. سنحاول أن نقارب هذا الموضوع من وجهة نظر سوسيولسنية، و تاريخية، من خلال إبراز تطور العلاقات بين الأمازيغيات من جهة و العربية الفصحى من جهة ثانية، و كيف نشأت الدّوارج العامية من جهة ثانية وسنبين بشكل مقتضب، كيف تشكلت أضلاع هذا المثلث اللسني المؤطر لمعظم لوضع اللغوي بالمغرب.

1- في تعلُّمِ العربية و نشأة الدّوارج العامية المغربية:

إن الدّاورج المغربية، كلغات مستقلة كما يحلو للبعض أن يراها، و باعتبارها حقلا لسانيا يعكس التفاعل بين الأمازيغيات و العربيات الشفوية، التي تشارك فيه ببنيتها التركيبية و قواعدها الصرفية و النحوية، من جهة و بين اللغة العربية الفصحى، التي تساهم فيه بمفردات معجمها من جهة ثانية، هو بمثابة، مجال لسني حيوي بالنسبة للغة العربية الفصحى، و يخدمها أو لا يخدم نهائيا الأمازيغيات الشفوية.

فالدوارج العربية العامية هي كذلك بمثابة الخطوة الأولى و المرحلة الابتدائية للأمازيغ نحو تعلُّم اللغة العربية الفصحى، وليس قطعا و نهائيا مرحلة أولى للعرب الناطقين بالعربية الفصحى لتعلُّم الأمازيغيات. لأنّ المسار الطبيعي لتعلّم اللغات في كل بلاد العالم وعبر التاريخ، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات، إنمّا يبدأ بتعلّم مفردات اللغة الأجنبية كمرحلة أولى ثم يأتي تعلّم تراكيبها و قواعدها الصرفية و النحوية كمرحلة ثانية، فتعلّم اللغات لا يبدأ بقواعدها النحوية و الصرفية و تراكيبها البنيوية ثم يأتي تعلم معجمها، و إنما يبدأ تعلم اللغات بمعرفة مفردات معجم اللغة الأجنبية كمرحلة أولى ، فيأتي تعلم قواعد اللغة في المرحلة الثانية، و هذا ما حدث عند احتكاك الأمازيغ بالعرب، منذ النصف الثاني من القرن1هـ/ 7م، و طيلة القرون الستة الهجرية الأولى، حيث تشكلت الدّوارج العربية العامية بالمغرب، من المعجم العربي الفصيح و القواعد الصرفية و النحوية و البنية التركيبية للأمازيغيات، لأن أول ما أخذه الأمازيغ من العربية الفصحى هو معجمها الذي يوظفونه في حديثهم بالقواعد النحوية و الصرفية للأمازيغيات، و يحدث هذا كثيرا على مستوى تعلُّم الأفراد للغات الأجنبية، فيقع أن نسمع إنسانا في بداية تعلّمه للغة أجنبية معينة أن يتحدث بمفرداتها، و لكن بالقواعد الصرفية و النحوية للغته الأصلية، و هذا ما وقع للأمازيغ في بداية مسار تعلُّمهم للغة العربية، ففي المرحلة الأولى بدؤوا بتعلّم معجمها، الذي يوظفونه بالقواعد الصرفية و النحوية و تراكيب لغاتهم الأمازيغية، فظهرت الدّوارج العامية المغربية الحالية، أما المرحلة الثانية من تعلم العربية الفصحى المتمثل في تعلم قواعدها و استيعابها بنيتها التركيبية، و الذي يعني التعريب الشامل و الكامل فلا يتم إلا بشكل مؤسساتي في المدرسة، خاصة أن العربية الفصحى هي لغة مؤسسات ، لغة مدرسة و دولة و أمة، و ليست لغة أم و أسرة.

2- في كون نشأة الدّوارج العامّية مرحلة أولى في التعريب:

فعادي جدّا أن يكون معجم الدّارجات العامية المغربية عربيا في ألفاظه، أي في المظهر الخارجي للغة، و تكون البنية التركيبية والنحوية و الصرفية، أي الجانب الخفي من اللغة، فذلك يعكس الوضع و المسار الطبيعيين في تعلُّمِ الأفراد و الجماعات للغات الأجنبية، فنشأة الدّوارج العربية العامية آلية لسنية(لغوية) رئيسية في تعريب الأمازيغ، و خطوة أولى و ميسِّرة لتعلّم العربية الفصحى، فتعلّم مفردات لغة ما أيسر بكثير من تعلّم قواعدها التركيبية الخفية، و معرفة مفردات معجم لغة ما أسبق دائما على تعلم قواعدها، و من ثمة فتعلُّم الإنسان المغربي عموما و الأمازيغي خصوصا للعربيات الدّارجة، خاصة في المرحلة الأمية، أي كلغة أم شفوية، هو بمثابة قطع نصف الطريق نحو التعريب الشامل في المرحلة الثانية من عمره عندما يلتحق بالمدرسة، وعندما يتوفر على القدرات الذهنية و المعرفية لتعلّم و استيعاب قواعد اللغة العربية الفصحى، أي الشق الأصعب و الخفي من اللغة. فطبيعي أن يبدأ التعريب بالمعجم، لانّه هو الأسهل و الأيسر في تعلّم أي لغة و كمرحلة أولى في تعلُّم اللغة شعبيا و اجتماعيا (الأسرة – الشارع – العمل..) لإعداد الإنسان للقبول بالتعريب الكامل و الشامل مؤسساتيا و رسميا في المدرسة و الدّولة، حيث يتعلم الإنسان قواعد اللغة، و هي الجانب الصعب و الخفي من اللغة.

ومن ثمة فالدّوارج العامّية المغربية تعكس سعي الآمازيغ تاريخيا الى تعلم اللغة العربية الفصحى، بتعلم مفردات معجمها، و لا يعكس أي محاولة للعرب لتعلم الأمازيغيات، و هذا ما يمكن ملامسته في الواقع المعيش حاليا، إذ لا يقوم الإنسان الناطق بالعربية بأية محاولة لتعلم الأمازيغيات، حتى و إن كان يعيش وسط الأمازيغ، فهم الذي يبذلون الجهد للحديث و التواصل معه بالعربية، والعكس صحيح، فالإنسان الأمازيغي، إذا عاش وسط العرب، يتعلم الحديث بالعربية في أسرع وقت ممكن. و لو كان للأمازيغيات الشفوية تاريخيا لغة عالمة ممعيرة موحّدة و تراثا مكتوبا، و سعى العرب إلى تعلّمها، لنشأت في المغرب دوارج عامية معجمها سيكون أمازيغيا، و قواعدها الصرفية و النحوية و بنيتها التركيبية ستكون عربية، و من المحتمل أن يكون شمال إفريقيا قد عرف قديما في مرحلة الهيمنة البونيقية (الفينيقية-القرطاجية) و اللاتينية (الرومانية – البيزنطية)، بوادر نشأة دوارج عامّية، قائمة على مفردات معجمي البونيقية و اللاتينية، و القواعد التركيبية و الصرفية و النحوية للأمازيغيات.

3- في زحف التعريب في ركاب التدريج:

إن “التعريب” الذي عانى منه الأمازيغ تاريخيا و لازالوا يعانون منه إلى اليوم ليس التعريب المباشر للعربية الفصحى، لانّ هذا النمط من التعريب لا يمكن أن يكون إلا مؤسساتيا رسميا في المدرسة و باقي مؤسسات الدّولة، و لذلك فهو لا يزاحم الأمازيغيات و لا تنافسها في شيء، فالعرب الأوائل الذي غزوا شمال إفريقيا عموما و المغرب خصوصا، و الذين ارتبط دخول اللغة العربية الفصحى الى المغرب بهم، فقد كانوا عبارة جيوش قبلية سرعان ما عبروا الى الأندلس بعد استكمال مهم الفتح، أو قفلوا راجعين الى المشرق، تاركين مهمة استتباب الأمن لأمازيغ زناتة الذين أسلموا مبكرا، و تاركين مجموعة محدودة من الفقهاء و الدعاة و الوعاظ المستقرين بالمراكز الحضرية المعدودة بالمغرب، الذين يعلمون العربية الفصحى للناس في إطار الدعوة إلى الإسلام، و كان تأثيرهم بالتعريب الفصيح على الأمازيغيات الشفوية محدودا جدا.

إنما تعاني الأمازيغيات الشفوية من التعريب”الدارج” الذي يزحف عليها مجاليا، في السهل و الجبل و الفيافي و الصحراء و في المدن و القرى، و يبتلعها بشريا، بتعريب الأمازيغ الوافدين على المدن هجرة من القرى و البوادي.

انطلق التعريب الدّارج مجاليا، منذ عهد الدولة الموحّدية الأمازيغية المصمودية، عندما قام سلاطين هذه الدولة بإبادة ساكنة السهول الأطلسية( الغرب(أزاغار)- زعير والشاوية(تامسنا) – دكالة..) الأمازيغ، في إطار عملية “الاعتراف” التي قادها السلطان عبد المومن بن علي، فأفرغ هذه السهول من ديموغرافيتها المصمودية، و أسكن فيها بطون عرب بني هلال و بني سليم، وواصل حفيده يعقوب المنصور نفس النهج، باستقدام عرب بني هلال و إسكانها في تلك السهول، ليمتد استيطان هذه القبائل الى سهول سايس و تادلة بعد ذلك، و أنجز أمازيغ بنو مرين الزناتيين المرحلة الثانية باستقدام بطون عرب المعقل،و إقطاعهم هضاب الشمال الشرقي و سهوب الصحراء و جزءا من حوز مراكش و جزءا من سهل سوس، لينجز الشرفاء السعديون و العلويون الفصل الأخير من التعريب المجالي الدّارج، بـ “حْرْكاتِهم” العسكرية في مطاردة القبائل الأمازيغية “السائبة” و ترحيلها من مكان إلى آخر.
أما التعريب الدّارج بشريا، فالأمازيغيات منذ القرن 16م تحولت الى لغات قروية و طردت من المدن، و منذ الإستقلال و شرع التعريب “الدارج” يزحف عليها في معاقلها بالقرى و الأرياف، وتسارعت وثيرة هذا التعريب”الدارج” في المغرب خلال الستينيات والسبعينيات و الثمانينيات من القرن الماضي بفعل قوة الهجرة القروية إلى المدن خلال تلك العقود، مما جعل الجيل الثاني من أبناء هؤلاء المهاجرين “معرّبين دارجيّا” ، بشكل شبه كلّي، بفعل، حيث سارت “العربية الدارجة” في ركاب التمدين، فبقدرما تتمدن العديد من المناطق و الساكنة الأمازيغية بقدرما تتعرب “دارجيا”و تدريجيا، و بقدرما تزداد الهجرة القروية من العالم القروي، بقدرما يتعرب المهاجرون منه تعريبا “دارجا”.

4- في الإعاقة التاريخية للأمازيغيات:

و كون العربية الفصحى مرتبطة بالكتب و كل ما له علاقة بالكتابة و المدرسة و الدّولة و الأمة هو مصدر قوتها، لان “اللغات العربية”( الفصحى و دارجاتها) إن صح التعبير، قد حسمت في توزيعها للأدوار و تقسيم العمل في ما بينها، منذ أن نزل القرآن بعربية قريش في القرن 6م ، حيث تكفلت اللغة العربية القريشية( الفصحى) بالتواصل كتابة و تعليما ومدرسة و إدارة دولة ، فارتقت العربية القريشية فصارت لغة أمة و دولة و مدينة و تجارة، و تولت الدّوارج العربية الشفوية المختلفة مهمة التواصل في فضاءات الأسرة والعمل و القبيلة، و تؤدي وظيفة “لغة الأم”. و إن انحصار و انحسار الامازيغيات في الشفوي( الأسرة – القبيلة – العمل اليدوي الملموس..)، و اكتفاءها بدور “لغة الأم” هو مصدر ضعفها، و لم تستطع، أو بالأحرى، لم تتح لها الفرصة تاريخيا، منذ أن وطئت أرجل الفينيقيين سواحل شمال إفريقيا في القرن 12 ق م، كي تتطور و تُكْتَب و تتوفّر على أبجديتها و تقعد، لترتقي الى لغة المدرسة و التجارة و المدينة و الدولة و الأمة. فتاريخيا لم يسبق لها أن توفرت على الدولة و الكتابة و الأبجدية و المدرسة، وحتى في المرحلة التاريخية الاستثنائية التي أسس فيها الأمازيغ بعض ممالكهم، خلال المرحلة الانتقالية من الهيمنة القرطاجية إلى السيطرة الرومانية(من القرن 2 ق م إلى القرن5 م)، كانت هذه الممالك و ملوكها تحت الهيمنة السياسية والثقافية و الحضارية للقرطاجيين و الرومان، فكانت لغات و أبجديات هؤلاء (القرطاجيين و الرومان) هي التي وظفت في تدبير الدولة و في الدين والتعليم و المدرسة. و بقيت الامازيغيات في فضاءات الأسرة و القبيلة و العمل.

هناك بعض المسلمات لدى المؤرخين للكتابة ينطلقون منها، و عليها يقومون ببناء تحليلاتهم و استنتاجاتهم، ومنها أن اكتشاف الكتابة في تاريخ البشرية، لم ينزل على المجتمعات البشرية وحيا من السماء، و إنما كان نتيجة صيرورة تاريخية طويلة من التحولات، و لخصوا تلك الصيرورة في ثلاث مراحل أساسية:

أ‌- مرحلة الرموز السحرية أو الكتابة الدينية، حيث الرموز تعبير عن علاقة تربط الانسان بالغيب( الكتابة التصويرية أو التجسيمية)، هذه الرموز و الصور ينحصر استعمالها في فرد واحد أو بضعة أفراد و في أحسن الأحوال أسرة ممتدة أو قبيلة، هذه الرموز (السحرية الدينية) توظف للتواصل مع عالم الغيب و ليست للتواصل بين البشر. و هذا النمط من الرسوم (الكتابة) مورس في الكهوف و المغارات و الجبال، و في مجتمعات بدائية تعيش على التنقل و الترحال بحثا عن الغداء بالقنص و الصيد و الالتقاط، و تعود الى أواخر العصر الحجري الأعلى.

ب – الكتابة التجارية: حيث استعملت رموز في التواصل التجاري، ، و هذه ظهرت في المجتمعات المستقرة، حيث ظهرت الملكية لوسائل الإنتاج و الزراعة و التدجين، ظهر هذا النمط من الكتابة في مجتمعات حققت فائضا في الإنتاج، و قام بصرفه بالتبادل، فظهرت الأسواق بين القبائل، فتأسست المدن، فتوسع نطاق التواصل ليتجاوز القبيلة الوحيدة إلى القبائل المتعددة التي تتواصل في الأسواق و المدن، فاتخذت لنفسها لغة جامعة للتوصل و رموزا مشتركة للتفاهم كتابة. حيث يدل كل رمز أو صورة على الشيء أو السلعة التي يمثلها، فانتقلت رموز الكتابة و صورها من التواصل مع القوى الغيبية إلى رموز و صور للتواصل بين البشر.

ج – الكتابة الأدبية: بعد تحسّن الإنتاج ارتفع الفائض منه، تحسنت المعيشة و ارتفع عدد السكان، فتطورت التجارة و توسّعت الأسواق، ثم ظهرت المدن واتحدت، فأسّست دولة المدينة، ثم دولة المدن المتعددة، و تطورّت الحرف اليدوية، فظهر تقسيم العمل جنسيا( بين الذكور و الإناث) و فئويا( بين التجار و الفلاحين و الحرفيين و الساسة)، كما تمّ تقسيم العمل على مستوى الدولة( الحكام – الجيش – الكتاب – الكهنة ). و مع ظهور الدولة ظهرت الكتابة الأدبية التي يدلّ فيها كل رمز على صوت بشري، فظهرت الحروف، التي هي رموز للأصوات البشرية، فصارت الكتابة وسيلة للتواصل بين مختلف الناس الذي يعرفون رموزها، و صار الإنسان يكتب كل ما يقول، فكتب الرسائل و الأشعار و الحكايات. و في هذه المرحلة “بدأ التاريخ”، فصار المؤرخون يميزون بين فترة “ما قبل التاريخ” و فترة “التاريخ”، لان الكتابة هي التأريخ و التأريخ هو الكتابة.

هذه المراحل لم تعرفها ما يسمى بالكتابة الأمازيغية “أبجدية تيفيناغ”، بل وقفت عند المرحلة الأولى أو الجنينية البدائية(الدينية والسحرية). و أكبر دليل على ذلك أن كل رموز تيفيناغ التاريخية( الفن الصخري) عثر عليها في المغارات و الكهوف بالجبال والصحراء، و ليس بالمدن، في حين أن كل المجتمعات البشرية القديمة ( السومرية – الفرعونية – الفينيقية – الإغريقية – الرومانية ..) ظهرت فيها الكتابة بالمدن. و ليس الكهوف و المغارات، كما أن كون رموز تيفيناغ المنقوشة في الصخور لم يتم بعد فك شفرتها و قراءاتها، دليل على أنها ليست رموزا للتواصل بين البشر(الكتابة) بقدرما هي رموز الى التواصل بين الأفراد و القوى الغيبة.
و عليه فما يعتقده البعض في رموز ” تيفيناغ” و يعتبرها حروفا للكتابة ليس كذلك، كما بينا أعلاه، و ليس هناك ما يتبثه تاريخيا ولا وجود لما يؤكده أركيولوجيا، فشعوب شمال إفريقيا لم يسبق أن توفرت لها الشروط التاريخية لتطوير التجارة ليؤسسوا المدن ويبنوا الدّول، كي يكتشفوا الكتابة، فالتجارة التي مارسوها مع الطلائع الأولى للفينيقين على السواحل كانت “تجارة صامتة” بالمقايضة، أي أنها تجارة بدائية، والممالك التي أسسها الأمازيغ في المرحلة الانتقالية من الهيمنة القرطاجية إلى السيطرة الرومانية، لم تستطع الخروج من التبعية السياسية و الثقافية و الحضارية القرطاجية و الرومانية، حيث كانت تلك الممالك و حكامها يستعملون إما اللغة و الكتابة القرطاجية البونيقية أو اللغة و الكتابة الرومانية، كما كان الأمر في العهد الإسلامي كذلك عندما أسس أمازيغ صنهاجة و مصمودة و زناتة دول المرابطين و الموحدين و المرينيين، و صاروا يستعملون اللغة و الكتابة العربية في دواليب دولتهم ومدارسهم.

أما أول كتابة عرفتها شعوب شمال إفريقيا فهي الكتابة الفينيقية، و منها اشتق اسم أبجدية “تيفيناغ” و هي في الأصل “تيفيناق”، و معلوم لسنيا كيف يتحول حرف القاف غينا و الغين قافا في و بين اللغات السامية الحامية، كالقراءة = تيغري، آر إقاز = إيغزا، آر يقّرف = يغرف، إقّور= تَغارتْ، من تيفيناغ الفينيقية، التي انحدرت منها تيفيناغ الطوارق و غيرهم، و التي انتقلت إليها وظلت محدودة الإنتشار، لطغيان الشفوية على تقاليدهم، و لو كانت رموز تيفيناغ بالفعل كتابة، لتركت لنا تراثا من النصوص أو المدونات من الكتب و الرسائل و الأشعار و الحكايات و الأساطير مكتوبة بلغة أمازيغية و بأبجدية تيفيناغ، والواقع والتاريخ إلى حد الآن لم يكشفا و لو على كلمة أو جملة أو سطر أو فقرة أو بيت شعري من ذلك.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك