https://al3omk.com/342742.html

العلاقات المغربية الموريتانية (2).. “الأزمة الصامتة” ومخاطر الانفتاح فيما بين البلدين

رغم التصريحات المطمئنة العلاقات التي يعكف مسئولو البلدين على الإدلاء بها حول طبيعة العلاقات بين المغرب وموريتانيا، تظل العديد من نقاط الاختلاف المؤجلة التي تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية، ما أفرز حالة من “الأزمة الصامتة” فيما بينهما طوال العقد الأخير.

واقع “الازمة الصامتة” في العلاقات فيما بين البلدين

مع التغيرات التي حدثت على مستوى نظام الحكم في موريتانيا في العشرية السابقة، خاصة منذ الإطاحة بحكم معاوية ولد سيد أحمد الطايع سنة 2005، ثم وصول محمد ولد عبد العزيز إلى سدة الحكم بعد الإطاحة بالرئيس المدني المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله سنة 2008، ستشهد العلاقات المغربية الموريتانية تغيرات دراماتيكية متسارعة، حيث كان من اللافت مباركة المغرب السباقة للانقلاب العسكري الذي قاد محمد ولد عبد العزيز إلى الحكم، عبر إيفاد وفد رسمي هام رأسه مدير الاستعلامات الخارجية ياسين المنصوري إلى نواكشوط غداة الانقلاب، في ظل الحديث عن علاقات أسرية وشخصية تجمع الرئيس الموريتاني الحالي بالمغرب، أهمها انتماءه لمكون اجتماعي ينتشر بالمغرب، بالإضافة إلى تلقيه تكوينه العسكري في كلية مكناس العسكرية، ثم أصول زوجته وارتباط صهره بالدوائر الرسمية المغربية، لكن تلك الاعتبارات لم تساهم في تحسين العلاقات المغربية الموريتانية، حيث لم يلبث أن عاد التوتر من جديد إلى العلاقات بين البلدين.

ورغم التصريحات المطمئنة التي عكف مسئولو البلدين على الإدلاء بها طوال فترة حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز، بخصوص العلاقات في ما بين المغرب وموريتانيا، إلا أنه يمكن تسجيل العديد من مظاهر “الأزمة الصامتة” التي عكرت صفو العلاقات فيما بينهما في العشر سنوات الماضية، أبرزها التأخر الكبير الذي سُجِّلَ بخصوص تعيين سفيري البلدين وتقديم أوراق اعتمادهما بشكل رسمي، بالإضافة إلى انقطاع الزيارات المتبادلة لزعيمي البلدين، والاقتصار على الوفود الوزارية في ما بينهما وفي مناسبات قليلة، في حين يعكف الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز على استقبال العديد من وفود البوليساريو الرسمية التي تضم قياديين بارزين في الجبهة، إلى جانب احتضان المغرب بالمقابل لمُعَارِضَيْنِ راديكاليَيْن بارزين لنظام محمد ولد عبد العزيز، رغم إصدار موريتانيا لمذكرات اعتقال دولية في حقهما.

واقع متسم بالجمود في العلاقات الثنائية المغربية الموريتانية عززته أزمة الكركارات التي كادت أن تتسبب في إغلاق المعبر البري المفتوح الوحيد الذي يربط المغرب ببقية ببلدان غرب إفريقيا، حيث أبانت تطورات الأزمة بحسب مراقبين عن تنسيق عسكري بين موريتانيا والجبهة، في وقت تشهد فيه العلاقات في ما بين موريتانيا والجزائر تحسنا ملحوظا، أفرز توقيع اتفاقيات تعاون وشراكات عديدة بين البلدين، أبرزها تلك المتعلقة بإنجاز “طريق تيندوف شوم” الذي سيساهم في ربط شبكتي الطرق في البلدين، كما سيربط مدينة تيندوف وبالعاصمة الموريتانية نواكشوط، عدا عن تدشين معبر حدودي بري بينهما، يتوقع مراقبون أن ينافس معبر الكركارات الرابط بين المغرب وموريتانيا، كما سيساهم في تسويق السلع والمنتجات الجزائرية في السوق الموريتانية، وفي تعزيز العلاقات الثنائية بين الجزائر وموريتانيا في مختلف المجالات، الأمر الذي يدفع ببعض الأوساط في داخل المغرب من التوجس من أن يكون التقارب الجزائري الموريتاني على حساب العلاقات المغربية الموريتانية.

مخاطر تهدد الانفتاح فيما بين البلدين

يظل موضوع النزاع الصحراوي هو المهدد الأبرز بالنسبة للعلاقات الثنائية في ما بين البلدين، حيث لا يزال الإقليم متسما بحالة “اللاسلم واللاحرب”، كما يظل الملف مدرجا لدى الهيئات الأممية، مشكلا مادة خصبة للتصعيد السياسي والعسكري والإعلامي لدى أطراف النزاع، ومهددا لاستقرار المنطقة، ففي حين تحتفظ موريتانيا بإدارة منطقة الكويرة المدرجة قانونيا في الإقليم، تُصَنَّف منطقة الكركرات التي يمر منها الطريق الرابط بين المغرب وموريتانيا، تُصنف على أنها منطقة عسكرية عازلة غير مأهولة، وتشير التقارير الإعلامية إلى نشاط ملحوظ لعصابات التهريب فيها، ما يدفع كلا من المغرب والبوليساريو إلى تنظيم دوريات أمنية فيها، الأمر الذي يسبب احتكاكات بين الطرفين ويستدعي تدخل العناصر الأممية المتواجدة في الإقليم والمكلفة بمراقبة وقف إطلاق النار بين الطرفين، وإذ تعتبر الأمم المتحدة تلك التحركات بمثابة انتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار في كل حادثة اقتحام للمنطقة الحدودية التي تصفها بـ”العازلة”، يعبر العديد من المراقبين عن خشيتهم في أن تتسبب تلك التحركات العسكرية في انهيار الاتفاق المبرم في ما بين الطرفين وبالتالي عودة شبح الحرب من جديد، الأمر الذي قد يفتح المنطقة على المجهول، مهددا لفرص الاستثمار ومعطلا لمسار التنمية ومعرقلا للشراكات والتعاون القائم بين بلدانها، فيما لن يكون غلق معبر الكركرات – المنفذ البري المفتوح الوحيد الذي يربط بين المغرب وبين موريتانيا وبقية دول القارة الافريقية – سوى أبسط تداعياتها.

أمنيا تواجه موريتانيا تحديات جمة، حيث تربطها حدود شاسعة مع دولة مالي، البلدي المجاور الذي سبق أن شهد تمردا واسع النطاق، والذي ينفتح بدوره على دول الساحل التي تعرف انتشارا كبيرا للجماعات المسلحة و لعصابات التهريب العاملة في مجال تجارة المخدرات، البشر، والسلاح…، كما تشكل تهديدا لمختلف دول المنطقة، كما تشهد بعض دول منطقة الساحل والصحراء تمردات وحروبا أهلية، مشكلة بيئة خصبة لتدخل القوى الدولية و لاستقطاب العناصر المتطرفة، ورغم الأدوار الأمنية والعسكرية الهامة التي بات البلدان يضطلعان بها على المستوى الإقليمي، وكذا انخراط بلدان المنطقة في العديد من أشكال التعاون والتنسيق الأمني، إلا أن خطر الحركات المسلحة وعصابات التهريب العابرة لحدود الدول يظل قائما، ما يستدعي تضافر جهود دول المنطقة لحصر التهديدات الأمنية المحدقة بها، بغض النظر عن طبيعة الأزمات والتوترات السياسية والدبلوماسية القائمة فيما بينها.

وسياسيا تشهد موريتانيا تعثرا في مسار الحوار في مابين القوى السياسي، فبالرغم من مشاركة القوى السياسية المعارضة للنظام في العملية السياسية، إلا أن جلسات الحوار التي دعا إليها النظام في فترات سابقة شهدت مقاطعة من طرف العديد من القوى السياسية البارزة، كما تعبر الأحزاب المنضوية تحت لواء “تنسيقية المعارضة” عن تشكيكها في نتائج الانتخابات المعلن عنها رسميا، ما يبرز حالة عدم التوافق على مخرجات العملية السياسية في البلاد، الأمر الذي يوحي بوجود وضع سياسي هش في بلد مقبل على محطات انتخابية وسياسية هامة، في ظل تعارض المواقف بخصوص التكهنات والتحليلات التي تفيد باعتزام الرئيس محمد عبد العزيز تعديل الدستور بما سيسمح له بالترشح لمأمورية رئاسية ثالثة.

أما تنمويا فرغم الموارد الطبيعية الهائلة، والأرقام المشجعة المعبر عنها والمتعلقة بمعدلات النمو المسجلة، إلا أن التقارير تشير إلى تفاقم مجموعة من الظواهر الاجتماعية المقلقة، كالفقر، الأمية، والهجرة القروية، الفساد الإداري، و ضعف الخدمات العمومية…، مؤشرات تستغل من طرف العديد من القوى السياسية المتطرفة التي تعتمد الخطابات العرقية والشوفينة الضيقة وتوظف المظلومية التاريخية التي لحقت شرائح عرقية واجتماعية واسعة من المجتمع الموريتاني، خاصة شريحتي الزنوج، والحراطين (الأرقاء السابقين)، مهددة الاستقرار السياسي الهش أصلا، ومعرضة السلم الاجتماعي للخطر، في بلد لا تزال المؤسسة العسكرية تحظى فيه بنفوذ واسع في مجالات السياسية، في المال والأعمال.

(يتبع)…

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك