https://al3omk.com/352372.html

حقيقة سورة عبس مقال

عبس الوليد واستغنى وتلهى الرسول الأكرم وتصدى، ذاك ما كان

يقول المولى القدير في سورة عبس (عَبَسَ وَتَوَلَّى ،أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ)

ويهمنا أن نطلع على ما أورده الإمام السيوطي رحمه الله في تفسيره ” الدر المنثور في التفسير بالمأثور ” لنقف على ما حفظ لنا من أقوال صحابة رسول الله حول سبب نزول السورة، أورد الإمام رحمة الله عليه ما يلي:

– أخرج ابن الضريس عن أبي وائل ” أن وفد بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو الزينة أحلاس الخيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم بنو رشدة فقال الحضرمي بن عامر: والله لا نكون كبني المحوسلة، وهم بنو عبدالله بن غطفان كان يقال لهم بنو عبد العزى بن غطفان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، فقال: اقرأه فقرأ من ( عبس وتولى ) ما شاء الله أن يقرأ، ثم قال: وهو الذي منَّ على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى بين شراسيف وحشا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تزد فيها فإنها كافية “.

– وأخرج ابن النجار عن أنس قال ” استأذن العلاء بن يزيد الحضرمي على النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له فتحدثا طويلاً ثم قال له: يا علاء تحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، ثم قرأ عليه عبس حتى ختمها فانتهى إلى آخرها وزاد في آخرها من عنده: وهو الذي أخرج من الحبلى نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا فصاح به النبي صلى الله عليه وسلم: يا علاء إنته فقد انتهت السورة ” والله أعلم.

– أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: أنزل سورة عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول أترى بما أقول بأساً فيقول لا، ففي هذا أنزلت.

– وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس من ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة فيقول لهم أليس حسناً أن جئت بكذا وكذا؟ فيقولون: بلى والله، فجاء ابن أم مكتوم وهو مشتغل بهم فسأله فأعرض عنه، فأنزل الله ( أما من استغنى فأنتله تصدى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ) يعني ابن أم مكتوم “.

– وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو يعلى عن أنس قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلم أبيّ بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله(عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه.

– وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال ” بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبا جهل بن هشام، وكان يتصدى لهم كثيراً، ويحرص أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبدالله بن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبدالله يستقرىء النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن. قال يا رسول الله: علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبس في وجهه، وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره ثم خفق برأسه ثم أنزل الله ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبي الله وكلمه يقول له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ ”

– وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: (عبس وتولى ) قال: جاءه عبدالله بن أم مكتوم فعبس في وجهه وتولى، وكان يتصدى لأمية بن خلف، فقال الله ( أما من استغنى فأنت له تصدى ).

– وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم قال: ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية متصدياً لغني ولا معرضاً عن فقير.

– وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئاً من الوحي كتم هذا عن نفسه.

– وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال ” أقبل ابن أم مكتوم الأعمى وهو الذي نزل فيه ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى)فقال يا رسول الله كما ترى قد كبرت سني ورق عظمي وذهب بصري ولي قائد لا يلائمني قياده إياي فهل تجد لي من رخصة أصلي الصلوات الخمس في بيتي؟ قال هل تسمع المؤذن؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك من رخصة “.

– وأخرج ابن مردويه عن كعب بن عجرة:”إن الأعمى الذي أنزل الله فيه ( عبس وتولى ) أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أني أسمع النداء ولعلي لا أجد قائداً، فقال: إذا سمعت النداء فأجب داعي الله “.

– وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ( أن جاءه الأعمى ) قال: رجل من بني فهر اسمه عبدالله بن أم مكتوم ( أما من استغنى ) عتبة بن ربيعة وأميه بن خلف.

– وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن الضحاك في قوله: (عبس وتولى ) قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً من أشراف قريش فدعاه إلى الإِسلام، فأتاه عبدالله بن أم مكتوم، فجعل يسأله عن أشياء من أمر الإِسلام، فعبس في وجهه، فعاتبه الله في ذلك، فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم فأكرمه، واستخلفه على المدينة مرتين.

– وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه في شعب الإِيمان عن مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف تقطع له الأترج وتطعمه إياه بالعسل، فقلت: من هذا يا أم المؤمنين؟ فقالت: هذا ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم قالت: أتى نبي الله وعنده عتبة وشيبة فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما فنزلت ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) ابن أم مكتوم.

– وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مستخلياً بصنديد من صناديد قريش وهو يدعوه إلى الله وهو يرجو أن يسلم إذ أقبل عبدالله بن أم مكتوم الأعمى، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كره مجيئه، وقال في نفسه: يقول هذا القرشي إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس فنزل الوحي ( عبس وتولى ) إلى آخر الآية.

– أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ( في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة) قال: هي عند الله ( بأيدي سفرة ) قال: هي القرآن.

– وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ( بأيدي سفرة ) قال: كتبة.

– وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه ( بأيدي سفرة كرام بررة ) قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

– وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: السفرة الكتبة من الملائكة.

– وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ( بأيدي سفرة ) قال: كتبة.

– وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح مثله.

– وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس ( سفرة ) قال: بالنبطية القراء.

– وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ( كرام بررة ) قال: الملائكة.

– وأخرج أحمد والأئمة الستة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرؤه، وهو عليه شاق له أجران ” والله أعلم.( انتهى )

المقال الذي لابد له من تحقيق القول في مصطلح “العرفاء”: إنه لمن الغفلة وسوء التقييم أن تنظم المسيرات المليونية والمظاهرات الصاخبة، وليس صوابا أن تجتمع النخبة من أهل الذكر والفكر والدعوة ليناقشوا أمر إساءة لرسولنا الأكرم صلوات الله وسلامه عليه نشرتها صحيفة بائسة ومغمورة طمعا من القيمين عليها في دعاية مجانية من أمة “إقرأ”، أو من أجل الرد على سخافات رجل دين مغمور محاط بعشرات أو حتى مئات من المريدين والأتباع وهو يتوق توقا إلى شهرة واسعة وذكر يملأ الأرجاء، حتى ولو كان ذلك على هامش نشاط آخر رئيسي ، غير أنه للأسف الشديد حصل ويحصل والكل يساهم في الدعاية المجانية، القنوات الفضائية والمنابر الفكرية والحركات الدعوية والكل يرفع شعار ” أنصر نبيك” و ” إلا رسول الله” وتكون النتيجة أداء مبهر من منظور فن الدعاية والإشهار وجهد فارغ له أثر عكسي بمقاييس الفكر والدعوة وتجليات الغيرة الحقة على الدين والقدوة صلوات الله وسلامه عليه فتصير بين عشية وضحاها تلك الصحيفة المغمورة تطبع ربما عشرات أضعاف ما كانت تطبعه وتوزعه قبل قرعها باب الشركة العظمى للدعاية المجانية، بل وتحظى بالتعاطف والتقدير من قبل من لم يكن بالأمس على علم بوجودها ونشاطها الفكري أو الهزلي، طبعا بعد التصريحات الحماسية والمندفعة التي تصدر عن بعض المشايخ الكرام وردود الفعل المتهورة لبعض الغيورين.

أما الكاهن المغمور فيتحول إلى علم مشهور يعرفه الملايين ويقرؤون ما ينشر له على صفحات كبريات الصحف والمنابر الإعلامية ويغنم تقدير وتعاطف الكثيرين، طبعا بعد خرجات بعض أهل الذكر والفكر بتصريحات ترسخ الصورة النمطية للإسلام والمسلمين وبعد اندفاع وتهور الغيورين، وقد كان أولى لنا أن نتجاهل ما قيل وبدل رد الفعل المعتاد المتمثل في الإستنكار والصخب والهيجان كان الأجدر أن يناقش الأمر تحت قبب برلمانات الدول الإسلامية فتشرع وتسن قوانين تجرم كل من أساء إلى مقدساتنا ورموزنا حتى يتسنى لنا بالقانون إذا حل أحد المتطاولين بأرضنا إعتقاله ومحاكمته، ولمَ لا؟ ونحن نجد بلدا كفرنسا يجرم التشكيك فيما لقيه اليهود على يد النازيين أو إنكاره، وقبل أسابيع شاهدنا كيف جرم البرلمان البولندي من يقرن بين معسكرات الموت النازية وبولندا، نعم أنا وغيري مجرم بالقانون البولندي إذا قلت أو قالوا ” معسكرات الموت البولندية ” ولن يشفع لي زعمي أنني إنما قلت ما قلت لأن معسكرات الموت النازية تلك كانت على الأراضي البولندية وصرح رئيس الدولة أن القانون يحمي المصالح البولندية ويحمي كرامة أمته والحقيقة التاريخية.. وأعجب ممن يرى شكل المقاومة المطلوبة والحل ودفع الضرر من أهل العلم والفكر في مضاعفة المجهودات التي تعرف برسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام وهم أنفسهم يتجاوزون في حق رسولنا الكريم ولو عن غير قصد وحمدا للخالق الغفور إذ يقول( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) ، إليكم ما أعنيه وما أتته الأمة بعلمائها وعامتها.

بناء على ما حفظ لنا من أقوال الصحابة الكرام والتابعين الأخيار نفهم أن الصحابي الجليل ابن أم مكتوم رضي الله عنه أتى مجلس الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه ومعه بعض كبراء قريش – حملت الروايات المختلفة عدة تأليفات مكونة من مجموعة أسماء – وكان الرسول الأكرم يحاورهم ويدعوهم وهو منشغل بأمرهم فقطع ابن أم مكتوم حديثهم بقوله مخاطبا الرسول عليه الصلاة والسلام “يا رسول الله أرشدني ” واللفظ في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها، وفي حديث آخر قالت أن ابن أم مكتوم سأل الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وفي حديث ابن عباس جاء أن ابن أم مكتوم استقرأ الرسول الأكرم آية من القرآن وأنه خاطبه قائلا ” علمني مما علمك الله “.. المهم وما يلفت نظر الدارس المدقق هو أن عبارة ابن أم مكتوم وأيا كانت مما تقدم لم تكن على شكل سؤال محدد ومباشر ومستعجل لا ينتظر إلى أن يفرغ الرسول صلوات الله وسلامه عليه مما هو خائض فيه، بل جميعها عبارات فضفاضة ومطاطية وكأن ابن أم مكتوم يقول لرسولنا الأكرم عليه الصلاة والسلام خاطبني وحسب ولتحدثني بما تشاء، هذه واحدة والثانية أنه إذا استحضرنا وسلمنا ببشرية الصحابة الكرام بعيدا عن التنزيه وكان في الحسبان أنهم كغيرهم من البشر قد تصدر عنهم بعض التجاوزات ويأتون بعض ما يُستنكر لكان من الطبيعي والوارد جدا ما دام الحال كما كان عليه أيام الدعوة المحمدية بل وفي كل الأزمنة والعصور وداخل كل المجتمعات أن سيكون هناك حقد إجتماعي وبغضاء وشحناء وتنافر بين الكبراء والضعفاء والأغنياء والفقراء. وأما النقطة الثالثة فهي أن ابن أم مكتوم حتما كان يعلم إنشغال الرسول عليه الصلاة والسلام وكان الأولى واللائق أن يرجئ سؤاله أو طلبه إلى أن يفرغ الرسول الأكرم مما هو خائض فيه، السؤال المطروح: ما الذي جعل ابن أم مكتوم يتجاوز ويصر على أن يسمع من الرسول صلوات الله وسلامه عليه ساعتها؟ فما الذي أعجل ابن أم مكتوم يا ترى؟ الجواب: يُفهم بإعمال الملكة، ملكة الذكاء الباطن حسب مصطلحات علم النفس أو ملكة ذكاء القلب كما تقول العرب أن غرض ابن أم مكتوم لم يكن طلب العلم البتة! لم يكن يريد جوابا لسؤال يؤرقه ويشغل باله إذ لو كان كذلك لأمكن لابن أم مكتوم أن ينتظر إلى أن يتفرق الحضور ويفرغ الرسول عليه الصلاة والسلام، إنما كان الهدف والقصد من قطعه لحديثهم هو أن يسلب الحضور من الكبراء شرف التحاور والسماع من الرسول الكريم فيتحول الخطاب النبوي الموجه إليهم إلى ابن أم مكتوم وكأنه بصنيعه يقول لغرمائه أو غريمه من الحضور أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ليس كمن عرفوا من الملوك وذوي الجاه والسلطان وأن الإعتبارات السائدة والمقاييس المعمول بها في المجتمعات العربية عندئذ غير معمول بها في مجلسه عليه الصلاة والسلام، وأنه إذا – أي ابن أم مكتوم – نُظر إليه من قبله – أي من قبل غريمه – بازدراء واحتقار فهو موقر وله قدره ومنزلته عند الرسول الكريم، وما كان صلوات الله وسلامه عليه غمرا حتى يغفل عن القصد الخفي لصاحبه ، بل أدرك عليه الصلاة والسلام بذكاء قلبه المتقد غرض ابن أم مكتوم فتلهى عنه ” فأنت عنه تلهى” بما كان خائضا فيه قبل قدومه، فصار من وصفه ربه بقوله ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) بين المطرقة والسندان، كيف؟ أجيب: غريم ابن أم مكتوم الوليد ابن المغيرة – سأورد لاحقا ما يثبت أنه الوليد – الوليد المعني بحركة ابن أم مكتوم فطن كذلك لمرمى ابن أم مكتوم وكان يأمل أن ينهره الرسول الأكرم ويرده عنهم وهو صاحب المجلس لذلك إنتظر ما سيكون من الرسول الكريم وابن أم مكتوم يسأل – والغالب أنه كان يسأل ويعيد ويلح – ولما لم ير الوليد العنيد من صاحب الخلق العظيم عليه الصلاة والسلام ما كان يأمله عبس في وجه ابن أم مكتوم وتولى ” عبس وتولى” وهم بالإنصراف فتصدى له الرسول الكريم ” وأما من إستغنى فأنت له تصدى ” هذا من جهة الوليد، ومن الجهة المقابلة أي جهة ابن أم مكتوم نجده يسأل ويعيد وهو يطمع في قضاء حاجته فيشرف بخطابه عليه الصلاة والسلام وينغص على الآخر العابس، حينها بدا لصاحب الخلق العظيم رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن الأنسب والأصلح في هاته الحال أن لا يمكن الإثنين مما يبتغيان وذاك ما كان فلا هو صلوات الله وسلامه عليه نهر ابن أم مكتوم فألزمه الصمت أو أمره بالإنصراف فيتحقق للوليد ما أراد، ولا هو رد عليه فأسمعه كلمة أو كلمتين لينوله مراده.

لنقف عند قوله جل من قائل: ” كلا إنها تذكرة، فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة” كلا حرف ردع وزجر، ترى من الذي زجر وردع ولمَ؟ الجواب: علم علام الغيوب سبحانه ما كان وما هو كائن وما سيكون فزجر وردع أمة “إقرأ” حين تجاوزت – بل قبل أن تفعل – حين تجاوزت ونسبت لنبيها وقدوتها ما لم يكن وزعمت أنه صلوات الله وسلامه عليه كان العابس المقصود المقطب للجبين ولو كان الأمر كما زعموا وأخذنا بما هو سائد لما وجدنا وجها لهذا الردع والزجر.

“كلا إنها تذكرة” معناه أن السورة ليست عتابا أو لوما لرسولنا الكريم بل هي تذكرة وما كان ينبغي له صلوات الله وسلامه عليه أن يتلهى عن صاحبه بل كان الأنسب أن ينوله مراده رغم فعلته وما بطويته ويسمعه كلمة أو كلمتين ولو من قبيل “لاحقا يا صاح” لأن حركة ابن أم مكتوم حتى وإن كانت كما بينت إلا أنها تبقى دالة على حقيقة كبرى ينادي بها هذا الدين الجديد إذ الكل سواسية كأسنان المشط(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ، كما أن الهاء الضمير في قوله تعالى: “فمن شاء ذكره” تعود على العابس وجاءت صيغة الغائب كما كان في مطلع السورة “عبس وتولى أن جاءه الأعمى” والغائب والعابس ما هو إلا الوليد بن المغيرة. والملحظ الوجيه أننا نجد المفسرين يقولون أن ورود صيغة الغائب في قوله سبحانه “عبس وتولى” كان من باب الإشفاق الرباني على نبينا صلوات الله وسلامه عليه وقولهم ليس صحيحا لأننا نجد في القرآن الكريم صيغا وعبارات والمخاطب فيها رسولنا الأكرم وهي أشد وقعا على النفس وأكثر إيلاما كقول المولى عز وجل(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وقوله جل من قائل(مَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، وقول الحق سبحانه(عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) ، وقوله عز وجل(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) ، ورغم أن القرآن الكريم يوظف ألطف الألفاظ وأرقها في معاتبة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلا أن الآيات السالفة وهي بصيغة المخاطب لا الغائب أشد وقعا وأعظم أثرا من أن يذكر عبوس الرسول الأكرم إن كان فعلا قد كان بصيغة المخاطب، كما أن الإنتقال المفاجئ من صيغة الغائب إلى صيغة المخاطب ليس من البيان في شيء وأعجب من الدارسين أصحاب البلاغة والبيان كيف لهم أن يستهجنوا هذا الإنتقال المفاجئ من صيغة الغائب إلى صيغة المخاطب من أديب إذا خطه قلمه ويقبلونه ويستحسنونه من ربهم ورب الأديب..

لنلتفت إلى لغة العرب في نقطتين اثنتين:

“عبس وتولى”: جاء في لسان العرب لابن منظور الإفريقي، وَلَّى تَوْلِيَةً: أدْبَرَ، كَتَوَلَّى، وتولى عنه: أعْرَضَ، أوْ نَأَى ، فيكون المعنى أن الوليد بن المغيرة قد عبس وتولى أي عبس وأدبر، كان قد أقبل ليسمع من الرسول الكريم ولما كان من ابن أم مكتوم ما كان عبس وأدبر واستغنى، أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه فقد كان مقبلا على الوليد متلهياعن ابن أم مكتوم وبقي على تلك الحال إلى أن انصرف الوليد وأدبر.

“أن جاءه الأعمى”: تقول العرب: جِئْتُهُ أجِيئُهُ: غَالبَنِي بكَثْرَةِ المجيءِ، فَغَلَبْتُهُ.

من المؤكد أن الوليد بن المغيرة كان كثير التردد على مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام وهو الشيخ المجرب وواضح أنه ممن يعتد برأيهم وهو ممن يفاوض عن قريش ويتحرى، أما ابن أم مكتوم فقد كان يتربص بالوليد ولا يفوت جلسة حضرها أو علم بها في حينها للوليد مع الرسول الأكرم إلا وجاءه بهدف التنغيص عليه فيشارك في الحوار الدائر ويكون جليسا له رغم أنفه، فيكون ابن أم مكتوم قد غالب الوليد بن المغيرة في المجيء فغلبه..

أما ما الذي مكنني من تحديد هوية العابس حتى “زعمت” أنه الوليد بن المغيرة فهو ما أجمع عليه جمهور المفسرين والمحدثين عند تناولهم قول المولى جل وعلا في سورة المدثر من الآية 11 إلى الآية 30

(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ )

أجمع المفسرون على أن المعني في الآيات هو الوليد بن المغيرة، الحق سبحانه ذكر الغائب في سورة المدثر بأنه قد خلقه وحيدا وجعل له مالا ممدودا وبنين شهودا وهو يطمع في الزيادة، وأخبر عنه المولى عز وجل أنه كان لآيات الله عنيدا وأنه فكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم أنه نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر، وأنه قال أن القرآن سحر يؤثر وأنه قول البشر..

وفي سورة عبس يخبرنا الحق سبحانه عن الغائب أنه عبس وتولى عندما جاءه الأعمى وأنه قد استغنى وأن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه له تصدى، واضح أن المشترك بين المعني في سورة المدثر والمقصود في سورة عبس هو العبوس ” عبس وبسر ” و ” عبس وتولى” وبذائقة بلاغية سليمة وتنزيه يليق بالعلي القدير يتبين للمتأمل أن من ذكر بصيغة الغائب في سورة المدثر هو نفسه من عبس وتولى في سورة عبس، أما في قول البشر فلا حرج وينتظم عندي وعند غيري أن يذكر الكاتب في كتابه شخصا بصيغة الغائب لضرورة أو لغير ضرورة في موضعين مختلفين ويخبر عنه في الموضع الأول بنفس ما يخبر عنه في الموضع الثاني وليس فقط بخبر واحد مشترك ويكون الشخص في الموضع الأول غير الشخص في الموضع الثاني.. قد يكون ولا من معقب أما في القرآن المبين فلا يكون.. وقطعا العابس في سورة المدثر هو العابس نفسه في سورة عبس ما لم يتناقض خبر في الموضع الأول أي في سورة المدثر مع خبر في الموضع الثاني أي سورة عبس، والواضح أنه ليس هناك تناقض إذ الغائب في سورة المدثر له مال وبنون وطامع عنيد وفكر وقدر وتقصى وتحرى فخاب مسعاه، ونظر ثم عبس وبسر، وبعدها أدبر واستكبر وقال إن القرآن سحر يؤثر وأنه قول البشر فكان ممن صلي سقر، وأما الغائب في سورة عبس فأخبرنا عنه الحق سبحانه أنه عبس وتولى وأنه استغنى وأن الرسول صلوات الله عليه وسلامه له تصدى، ما من تناقض بل هناك تكامل وإثراء، وقد جعل الحق المبين سبحانه للغائب في الموضعين المختلفين وصفا مشتركا وهو العبوس حتى نقرن بين سورة المدثر وسورة عبس ونتبين هوية العابس المقصود في سورة عبس بتبين هوية العابس المقصود في سورة المدثر وهو معلوم.. على الأقل ثابت أنه من أهل الكفر والعصيان..القرآن بعضه يفسر بعضا،

” إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر” هو الوليد بن المغيرة وقد فكر فيما جاء به رسولنا الأكرم صلوات الله وسلامه عليه وقدر كيف يتحقق من الأمر ويتبين حقيقة محمد أنبي مرسل هو أم متقول كذاب بعد أن يسر له الخالق سبحانه سلفا سبل الهداية و بصره بأمور تحمله على التصديق وتدفعه نحو الإيمان غير أنه كابر وعاند ” ومهدت له تمهيدا، ثم يطمع أن أزيد، كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا”.

” ثم نظر” تقول العرب نظره وانتَظَره إذا ارتقبَ حضوره، فيكون المعنى المراد هو أن الوليد بن المغيرة كان يرتقب حضور غريمه ابن أم مكتوم كما جرت العادة، هذا من جهة ابن أم مكتوم أما من الجهة المقابلة أي جهة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فنجد العرب تقول كذلك: نَظَرَ الرجل وانْتَظَرَهُ وتَنَظَّرَهُ، تَأنَّى عليه، فيكون المعنى المراد هو أن الوليد العنيد حين كان من ابن أم مكتوم ما كان انتظر أن يرده الرسول الأكرم عنه وعن رفاقه وينهره مراعاة للمقامات كما يرى وتأنى عليه وابن أم مكتوم يسأل ويلح.

” ثم عبس وبسر” لما لم يرَ الوليد من رسولنا الأكرم صاحب الخلق العظيم ما كان يأمله عبس وبسر، تقول العرب: بَسَرَ حاجته يبسرها بسرا وبسارا وابْتَسَرَهاوتَبَسَّرَها إذا طلبها في غير أوانها أو في غير موضعها، فيكون المعنى هو أن الوليد قد نظر إلى الواقعة على أنها أية كبرى وجلية دالة على ” تقول وكذب ” الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام ، كيف؟ أجيب: الوليد هو العابس وطبعا هو على يقين من ذلك كما أنه يوقن ويعلم تمام العلم أن الرسول الأكرم لم يعبس البتة ولم يقطب الجبين في وجه صاحبه، لأنه بمحاولتنا تصور ما كان وكيف مرت المدة الوجيزة الممتدة من لحظة تدخل ابن أم مكتوم إلى أن عبس الوليد وتولى رغم تصدي الرسول الأكرم له يمكننا الجزم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأبه بصاحبه ” فأنت عنه تلهى” وواصل خطابه للوليد ورفاقه وبديهي أن ينظر المخاطب إلى من يخاطب كما أنه من البديهي أن الوليد بن المغيرة كان ينظر إلى رسولنا الأكرم شأن وحال المستمع أو المتلقي مع من يسمع منه خصوصا مع حرص الوليد أن يظهر للحضور أنه لا يعير حركة ابن أم مكتوم المعتادة أدنى اهتمام ولا يلقي له بالا، هذه واحدة، والثانية هي أن الوليد عندما بلغه لاحقا وبعد نزول السورة عبارة رسولنا الأكرم المرحبة بابن أم مكتوم ” أهلا بمن عاتبني فيه ربي” وبعد أن فهم ابن أم مكتوم وصحابة رسول الله – إلا شخصين على الأقل – من لفظه صلوات الله وسلامه عليه أنه إقرار منه واعتراف بأنه العابس المقصود خيل للعنيد الوليد أنه قد تبين حقيقة محمد وأيقن من أنه متقول كذاب – معاذ الله- بدليل أنه صلوات الله وسلامه عليه قد أقر بما لم يكن واعترف بما لم يقترف، وبالتالي يكون الوليد قد بسر حاجته وحاجته ما هي إلا آية كبرى وعلامة واضحة يتبين بها حقيقة محمد حيث طلب حاجته والتمسها في غير موضعها وفي غير أوانها فأضله ربه بالقرآن كما هدانا بالقرآن (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ) ، سؤال، إذا لم يكن الأمر كما أسلفت فمن يطلعني من أهل الذكر على السبب الذي جعل الوليد بن المغيرة يهم بالإنصراف و يستغني بعد أن كان يسمع ويحاور ؟ ثم لمَ لم يأت الخالق المبين جل وعلا على ذكر سبب انصرافه وهو محور أساسي من محاور القصة حيث يقتضي البيان ويفرض التبيان أن يذكر السبب وربنا رب التبيان والبيان؟ وليخبرني أهل العلم والتفسير عن معنى “بسر” إذا لم يكن الأمر كما أسلفت؟

ثم ما المراد من لفظ ” عبس وبسر “، الحق جل وعلا خلقه وحيدا وجعل له مالا ممدودا وبنين شهودا وهو يستزيد وهو عنيد وسيرهقه الحق سبحانه صعودا، ثم إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم نظر ثم عبس وبسر، أسأل الحكماء عن الباعث على القول ” عبس وبسر ” بالرؤية السائدة يبدو حشوا – تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا – وليس لنا فيما شاع من تفاسير تصريف يجد صلة بين ما سبق وما لحق قول المولى جل وعلا ” عبس وبسر ” أما ما أسلفت يبين أن المولى جل جلاله قد دسها لنتبين بها هوية العابس في سورة عبس وورود حرف ” ثم ” الذي يفيد التراخي يسند قولي..

قد يقول قائل: كيف يكون ما ذكرت وكل الصحابة الكرام والتابعين الأخيار وجميع علماء السلف والخلف وجميع المفسرين والمؤولين والمحدثين قد أجمعوا على أن العابس هو الرسول صلوات الله وسلامه عليه وهو القائل ” لا تجتمع أمتي على ضلالة”، أجيب صاحبنا فأقول أنه قد حفظت لنا خمس مرويات لصحابة رسول الله رضوان الله عليهم عن سبب نزول السورة، ثلاث منها لأمنا عائشة وواحدة لسيدنا أنس وخامسة لسيدنا عبد الله بن عباس، أما ما ذكره بعض التابعين فقد فهموه من أقوال أمنا عائشة وسيدنا أنس، إليكم المرويات الخمس وقد تقدم ذكرها:

– أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: ” أنزل سورة عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول أترى بما أقول بأساً فيقول لا، ففي هذا أنزلت.”

– وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس من ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة فيقول لهم أليس حسناً أن جئت بكذا وكذا؟ فيقولون: بلى والله، فجاء ابن أم مكتوم وهو مشتغل بهم فسأله فأعرض عنه، فأنزل الله ( أما من استغنى فأنت له تصدى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ) يعني ابن أم مكتوم “.

– وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه في شعب الإِيمان عن مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها رجل مكفوف تقطع له الأترج وتطعمه إياه بالعسل، فقلت: من هذا يا أم المؤمنين؟ فقالت:” هذا ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم قالت: أتى نبي الله وعنده عتبة وشيبة فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما فنزلت ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) ابن أم مكتوم.”

– وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو يعلى عن أنس قال:” جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلم أبيّ بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه.”

– وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال ” بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبا جهل بن هشام، وكان يتصدى لهم كثيراً، ويحرص أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له عبدالله بن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبدالله يستقرىء النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن. قال يا رسول الله: علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبس في وجهه، وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره ثم خفق برأسه ثم أنزل الله ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبي الله وكلمه يقول له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ “.

يتبين من صيغ أمنا عائشة في الأحاديث الثلاث كما في لفظ سيدنا أنس أن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه قد تلهى عن ابن أم مكتوم وأقبل على من كان يحاور من صناديد قريش، ولم تذكر من تربت في بيت النبوة وسمعت ما يتلى في بيتها من الكتاب والحكمة شيئا عن العبوس والعابس وكذلك سيدنا أنس رضي الله عنه لم يذكر لا عابسا ولا عبوسا وإنما اكتفى بما ذكرته أمنا عائشة رضي الله عنها من إعراض الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن صاحبه وتلهيه عنه بمحاورة من كان يحاور .. فلمَ نأخذ عن سيدنا ابن عباس ما أورده في حديث يتيم – هذا إن صح – وندع أربعة أحاديث لأمنا عائشة وسيدنا أنس ؟ ثم إنه إن تكلمنا عن الإجماع يكون ما أثبت هو ما أجمع عليه أنس وعائشة وأقوالهما تشكل أربعة أخماس الموروث، وأما ما هو سائد فذاك رأي شاذ لابن عباس.. ثم لنسأل ساداتنا المحققين عمن أخبر ابن عباس نفعنا الله بعلمه أن الحق سبحانه أمسك ببعض بصر رسولنا الكريم وخفق برأسه وليس إلى علم ذلك من سبيل سوى أن يكون رسولنا المصطفى صلوات الله وسلامه عليه قد أخبره، ولو حصل لقال ابن عباس حبر الأمة أخبرني الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحق سبحانه قد أمسك ببعض بصره وخفق برأسه.. وبالتالي ما كان لمن دعا له الرسول الكريم ربه المجيب بأن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل أن يصدر عنه مثل ما نسب إليه، وأسأل أهل الذكر الكرام هل ما أوردته أمتن من حيث البناء البلاغي وأنسب أم ما هو سائد وقد صار من المسلمات بفعل التقادم وغياب البديل؟ ثم ما المطلوب يا ترى، أن نصحح الزلة فنلغي ما ساد طيلة أربعة عشر قرنا و “ننصر نبينا” و “إلا رسول الله” أم يظل رسولنا الأكرم صاحب الخلق العظيم في مخيلات العلماء والعامة والناشئة ومن تدعونهم ممن يدين بغير الإسلام وتبذلون قصارى جهودكم مشكورين مأجورين للتعريف بالنبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليه ذاك المعرض عن العميان والعابس في وجه الإخوان المقبل على أهل الطغيان المصرين على العصيان؟ هذا والله تعالى ورسوله أعلم بما كان .. ثم إن بعض ما بلغنا لا ينتظم في عقل عاقل، مثال ذلك:

– أخرج ابن أبي حاتم عن الحكم أنه قال: ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية متصدياً لغني ولا معرضاً عن فقير.
المعنى الضمني للعبارة هو أن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه قبل نزول السورة كان ديدنه التصدي للأغنياء فقط لأنهم أغنياء والإعراض عن الفقراء فقط لأنهم فقراء، ثم ليخبرنا الحكم عن فقير واحد أعرض عنه صاحب الخلق العظيم صلوات الله وسلامه عليه.. أما الحرص على إيمان الأغنياء كائن لا محالة كالحرص على إيمان غيرهم من المعدمين.. ونحن المسلمون المنزهون لرسول الحق والهدى لا نلقي بالا لمثل هذا القول، لكن من لا يدين بديننا ممن يفتشون ويمحصون وهم يبحثون عن الدين القويم وعن أسمى شرع وأحلم رسول قد تردهم عبارة عن مسعاهم وتنفرهم من الدين المتين الذي أمرنا أن نوغل فيه برفق حتى وإن شدتهم إليه أمور أخر واستحسنوا جوانب شتى.. ثم كيف لمن قال فيه ربه جل وعلا ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ )وقوله تعالى( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) وأمره سبحانهوتعالى ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) كيف لصاحب الخلق العظيم رسولنا الكريم البعيد كل البعد عن الغلظة والفظاظة بصريح القرآن المأمور بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، كيف له صلوات الله وسلامه عليه أن يعبس في وجه صاحب له لم يأت منكرا وجريرته فقط أنه قطع عليه حديثا كان خائضا فيه؟! فإن كان ما بلغنا صحيحا أين هي الليونة وأين خفض الجناح؟ قد يقول قائل: وهل تنقض حركة واحدة في موقف واحد خلق رسولنا العظيم ولينه ورأفته بصحبه الكرام؟ أجيب وأعود فأقول أنه يلزم النظر في المسألة من زاوية المثال والكمال والتمام، وحركة واحدة أو كلمة واحدة إن صدرت وكانت بها غلظة وقمع نقضت ما ذكره الحق سبحانه وتعالى من عظيم خلق الرسول وما أمره به من خفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين..

– أخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم مستخلياً بصنديد من صناديد قريش وهو يدعوه إلى الله وهو يرجو أن يسلم إذ أقبل عبدالله بن أم مكتوم الأعمى، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كره مجيئه، وقال في نفسه: يقول هذا القرشي إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد، فعبس فنزل الوحي ( عبس وتولى) إلى آخر الآية.”

في قول مجاهد ما دس ونسب إلى ابن عباس وقد يكون من كلام الرجل وقد تكون زيادة من أحد الرواة!! أسأل أهل الذكر والفكر مرة أخرى عمن أخبر مجاهدا أن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه كره مجيء ابن أم مكتوم لمجرد مجيئه لما رآه وهذا أنكر، من أخبره بما جال في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم، استغرق والله مجاهد أو من زاد في كلامه في الفرية حيث لم يذكر ما اقترفه ابن أم مكتوم وقطعه لحديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه وحركته المبغوضة والمنكرة بل جعل فقط سبب الإعراض والعبوس هو مخافة أن يتحدث الصنديد المجالس للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بأن أتباع محمد من العميان والسفلة والعبيد، لقد أسأنا وتجاوزنا ومن سمع كلامي ولزم القديم يكون قد افترى..

وننتقل إلى ما كان من أمر العلاء بن يزيد الحضرمي مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه،

– أخرج ابن الضريس عن أبي وائل: ” أن وفد بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو الزينة أحلاس الخيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم بنو رشدة فقال الحضرمي بن عامر: والله لا نكون كبني المحوسلة، وهم بنو عبدالله بن غطفان كان يقال لهم بنو عبد العزى بن غطفان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: هل تقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، فقال: اقرأه فقرأ من ( عبس وتولى ) ما شاء الله أن يقرأ، ثم قال: وهو الذي منَّ على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى بين شراسيف وحشا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تزد فيها فإنها كافية.”

– وأخرج ابن النجار عن أنس قال: ” استأذن العلاء بن يزيد الحضرمي على النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن له فتحدثا طويلاً ثم قال له: يا علاء تحسن من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، ثم قرأ عليه عبس حتى ختمها فانتهى إلى آخرها وزاد في آخرها من عنده: وهو الذي أخرج من الحبلى نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا فصاح به النبي صلى الله عليه وسلم: يا علاء إنته فقد انتهت السورة ” والله أعلم.

– وجاء في ” تهذيب التهذيب ” لابن حجر العسقلاني عن أنس قال: استأذن العلاء بن يزيد الحضرمي على النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنت له فأذن، فلما دخل عليه سفر (سفر: من باب ضرب والسفر هنا المراد الكنس) له النبي البيت، ثم أجلسه وتحدثا طويلا، ثم قال له: تحسن من القرآن شيئا؟ قال: نعم، ثم قرأ عليه عبس حتى ختمها فانتهى إلى آخرها وزاد فيها من عنده، وهو الذي أخرج من الحبلى نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا، فصاح به النبي : يا علاء انته، فقد انتهت السورة، ثم قال: يا علاء هل تروي من الشعر شيئا؟ قال نعم ثم أنشده:

وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم * تحيتك الأدنى فقد يرفع النغل
(النغل: بفتح النون وسكون الغين، ولد الزنية)
وإن دحسوا للشر فاعف تكرما * وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعه * وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
فقال النبي: أحسنت يا علاء، أنت بهذا أحذق منك بغيره إن من الشعر لحكما، وإن من البيان لسحرا،

لا أظن أن أقلام أحبار الأمة وأعلامها قد خطت شيئا عن مقالة العلاء بن يزيد رضي الله عنه، لم يتساءلوا لم زاد العلاء بن يزيد في السورة بعد أن تلاها إلى آخرها أو ما شاء الله له أن يتلو بل الأصح والأكيد أنهم تساءلوا وتوقفوا عند الحادثة لكنهم تحرجوا ويتحرجون؟!يتحرجون من أن يسألوا: هل كان يستهزئ بآيات الله؟! أم كان يستعرض مهاراته في النظم؟! أم مجرد لغو وثرثرة؟!ولا نتحرج ولا يتحرجون من أن نقول عبس رسولنا الأكرم في وجه صاحب له استقرأه آية من القرآن، عجبا مما نقول، العلاء الحضرمي يستهزئ بكتاب الله، معاذ الله فالرجل له مناقب وكرامات وإسهامات أعلت كلمة الحق ودين الحق.. بل لو كان يستهزئ لصرفه الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه مباشرة أو ترك له المجلس .. وإني أرى أن العلاء لحن لرسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ لا شك أنه كان قد بلغه قليل أو كثير من القرآن، وكونه يحفظ سورة عبس فلا ريب أنه قد تدبرها واستنبط وفطن لما أسلفت، وعلم أن العابس المقصود إنما هو جليس الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه ويسند ما أقول كون قافية رجزه كقافية مطلع السورة وسواء كان قد أتم السورة أم قرأ منها شيئا ولم يتمها فإنه بمقالته كأنه يقول للمصطفى صلوات الله وسلامه عليه ضعها خلف ما يماثلها في القافية، والعلاء بقوله ” وهو الذي أخرج من الحبلى نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا ” أو قوله ” وهو الذي من على الحبلى فأخرج منها نسمة تسعى بين شراسيف وحشا ” كأنه يقول أن بالسورة حقيقة مخفية قد تنبه لها، وقد رد عليه الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه بقوله ” يا علاء إنته فقد انتهت السورة” أو قوله عليه الصلاة والسلام ” لا تزد فيها فإنها كافية ” وأرجح هذه الصيغة الأخيرة لأنها ألطف وأنسب، وقد فهم عليه الصلاة والسلام لحن العلاء فصرف الحوار إلى الشعر ليتبين به بجدة الأمر إذ لا شك أن العلاء سيكون قد نظم أبياتا ليلقيها بين يدي الرسول الكريم يضمنها ما عناه بزيادته في كلام الله، قال صلوات الله وسلامه عليه: ” يا علاء، هل تروي من الشعر شيئا ” فقال نعم وأنشده ما نظم:

وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم تحيتك الأدنى فقد يرفع النغل
وإن دحسوا للشر فاعف تكرما وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعه وإن الذي قالوا وراءك لم يقل

فأما قوله:
وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم تحيتك الأدنى فقد يرفع النغل

فمعناه أن الحكماء يحيون ذوي الضغائن لترق قلوبهم وترهف والأنبياء أحلم وأعلم وأحكم من الحكماء وأنه لو كان الواقع والحال كما زعموا ولم يفتهم شيء لرد الرسول الكريم صاحب الخلق العظيم على صاحبه ابن أم مكتوم سواء سلم أو سأل..
وأما قوله:
وإن دحسوا للشر فاعف تكرما وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل

فالمعنى وهو يخاطب الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وكأنه يقول حتى وإن تجاوز أصحابك وآذوك وزعموا ما لم يكن وما لا يليق فلا تسلهم عما يتحرجون من قوله في حضرتك..

وأما البيت الثالث،
فإن الذي يؤذيك منه سماعه وإن الذي قالوا وراءك لم يقل

فمعناه أن ابن أم مكتوم سواء سلم أو سأل واستفسر ومراده فقط أن يشاركهم الحوار وأن يتحول الخطاب النبوي إليه فحسب فهو بذلك قد آذى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وتحية الرسول المرجوة هي الأدنى ” تحيتك الأدنى …” والمشاركة في حوار يخوض فيه من يراهم كراما أعزاء هي الأعلى ومجرد سماع الرسول منه إيذاء له لأن ابن أم مكتوم جعل من الرسالة والدعوة مطية وقنطرة لتفريغ ما بنفسه، و قوله ” إن الذي قالوا وراءك لم يقل ” ربما أراد بها العلاء أنه لم يقع فيما وقع فيه غيره وأنه قد فطن لما غاب عن الجميع وأنه لا يقول بما يقولون،وقد يكون استأذن بها سيد الخلق عليه الصلاة والسلام أتراه يصدع بما كشف أم يبقي الأمر على حاله إلى حين، وبعد أن سمع الرسول صلوات الله وسلامه عليه أبيات العلاء تبين مرماه وأقر فيه الحذاقة والفطنة فقال له: ” أحسنت يا علاء، أنت بهذا أحذق منك بغيره ” والمعنى أنه حين لحن بزيادته في القرآن كان حاذقا وقد فطن لما غفل عنه غيره لكنه أتى منكرا وركب مذموما رغم أنه حقق القصد، أما عندما لحن بأبيات من الشعر فهو بها وبتوظيفها في المقام أحذق منه بالزيادة في كلام الله .

قد يقول قائل، ولمَ لم يعمل العلاء على تصحيح الفهم الخاطئ فيصدع بما كشف؟ أجيب: قلت آنفا أن العلاء بقوله ” وإن الذي قالوا وراءك لم يقل ” كان يستأذن بها الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه والحكماء النبهاء يستغنون عن صريح العبارات بلطائف الإشارات ولما أبقى الرسول الأكرم على غموض حديثه مع العلاء وبقيت عبارات الأخير مبهمة عند الحضور فهم العلاء أن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه يريد إبقاء الأمر كما هو.. هذا والله تعالى ورسوله أعلم.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك