https://al3omk.com/353846.html

حركة التوحيد والإصلاح .. جهود حثيثة من أجل ترسيخ المَغْرَبة

تأسست في بعض مناطق المغرب وأقاليمه جمعيات إسلامية صغيرة، تجمعت فيما بعد في تنظيمين كبيرين؛ حركة الإصلاح والتجديد؛ ورابطة المستقبل الإسلامي، ثم تطور الأمر بالتنظيمين إلى الاندماج والانصهار في تنظيم واحد، وهو حركة التوحيد والإصلاح.

من خلال أدبيات التنظيم وبرنامجه، يتبين قربه أو تقاربه من جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما حدا ببعض المتابعين إلى اعتباره فرعا من التنظيم العالمي للإخوان، إلا أن المتابعة الدقيقة للحركة ومواقفها وأدبياتها، وتصريحات قادتها، يبين بالملموس أنْ لا علاقة تنظيمية تجمعه بالتنظيم العالمي.

وبالجملة، يمكن أن نتحدث عن الفصل والوصل بين حركة التوحيد والإصلاح وتنظيم الإخوان:

– فصلٌ على مستوى التنظيم والهيكلة والتبعية؛

– وصلٌ على مستوى التأثر بفكرهم وأدبياتهم.

بالرجوع إلى أدبيات جماعة الإخوان، نجدها في صيغتها الأصلية – انطلاقا من كتابات الإمام حسن البنا قدس الله روحه، وأعلى مقامه – بعيدة عن التأثر بالفكر الوهابي، ومع مرور الزمن، وبعد التنكيل الناصري بالإخوان، فتح الملك فيصل بن عبد العزيز لهم أبواب مملكته، واحتضنهم في إداراته ومدارسه وجامعاته، ليس حبا فيهم، وليس رحمة بهم، وإنما ليستغلهم في صراعه الخفي والمعلن مع جمال عبد الناصر.

أثناء هذا الاحتضان، وقع نوع من التأثير والتأثر، حيث تأثر مجموعة من السعوديين بالإخوان، وتأثر الإخوان بالسعوديين وفكرهم، فتسرب الفكر الوهابي إلى أدبياتهم، ومن ثم، تسرب إلى من يقترب من فكرهم ويتأثر بهم، ولو لم تجمعه معهم أية علاقة تنظيمية، ومن هؤلاء، بعض إسلاميي المغرب، خصوصا الحركات والجمعيات التي انصهرت فيما بعد في التوحيد والإصلاح.

وللإنصاف، فإن تأثرهم بالفكر الوهابي لم يكن بسبب التأثر بالإخوان فقط، وإنما هناك تأثيرات أخرى، منها:

أ – التأثير المباشر لشيوخ مرتبطين بذلك الفكر، كتقي الدين الهلالي، ومحمد زحل، والقاضي برهون، ومحمد بوخبزة، وغيرهم، ممن سهروا على تأطير مجموعة من الشباب، فتخرج على أيديهم من صاروا فيما بعد قادة التنظيم، مثل فريد الأنصاري (مكناس والرشيدية) ومحمد الأمين بوخبزة (تطوان) وغيرهما.

ب – التأثر بجماعة التبليغ، وهي – على مستوى فرعها المغربي – متأثرة بالفكر الوهابي، وكانت تستدعي مجموعة من شيوخ الوهابية (كالشيخ أبي بكر الجزائري وغيره) لتأطير منتسبيها، ومنهم من انتسب فيما بعد إلى الجمعيات المؤسسة لحركة التوحيد والإصلاح.

ترتب عن التأثر بهذا الفكر، تشبُّع كثير من القادة الوطنيين والجهويين والمحليين للحركة بأفكار مخالفة للتدين الشعبي والرسمي بالمغرب، ومنهم من تجاوز حد الخلاف إلى إعلان العداوة، كمعاداة التصوف والعقيدة الأشعرية جملةً، وقد سمعت من بعضهم ذلك مباشرة، ومنهم من نشر ذلك في مقالات متعددة، (نموذج أحمد الشقيري الديني)، ولم يسلَم من ذلك حتى أبناء التنظيم الذين ينتمون إلى أسر علمية متشبعة بالنموذج المغربي (نموذج المقرئ الإدريسي أبو زيد : أثناء محاضرة ألقاها بمقر الحزب بمدينة الجديدة ذات ليلة رمضانية، خصصها للحديث عن الاعتداء الأمريكي على أفغانستان بعد هجمات 11 شتنبر، افتتحها بتحديد مفهوم العلم، وميز بين مفهومه في التراث الأشعري ومفهومه في التراث السلفي، وانتصر للثاني على الأول، ليجعل ذلك منطلقا لمحاضرته البعيدة جدا عن الموضوع، فكان إقحاما متعسفا جدا، وذلك في محاولة منه للانتصار لما هو سلفي على ما هو أشعري، وتمرير ذلك لأبناء التنظيم).

لم يبق التأثر بالفكر الوهابي مقتصرا على أفراد هنا وهناك، بل انتقل إلى مرحلة الترسيم في وثائق الحركة، مثل كتاب سبيل الفلاح، الذي يعد أساس منظومة التربية والتكوين لحركة التوحيد والإصلاح، بإشراف الدكتور محمد بولوز (طبعة أولى 2011).

في المجال المعرفي من الجزء الأول من هذا الكتاب، تطرق مُعِدّوه إلى دروس خاصة بالعقيدة، اعتمدوا في كثير منها على كتب وهابية صرفة، مثل:

– التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لمحمد بن عبد الوهاب.

– الأصول الثلاثة والأصول الستة لابن عبد الوهاب، شرح العثيمين.

– الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك للفوزان.

هذه الكتب ذات خطورة معرفية لا يستهان بها، وبها شذوذات، منها تقسيم التوحيد إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وهو ما شذ به ابن تيمية رحمه الله عن عامة العلماء، من خلف وسلف، وهو التقسيم ذاته الذي تبناه كتاب سبيل الفلاح.

أضف إلى ذلك، أن كتاب محمد بن عبد الوهاب عينه، له خطورة بالغة، لأنه ليس كتابا عقديا صرفا، أو كتابا علميا محضا، بل هو كتابٌ ألّفه فاعلٌ سياسي، في سياق سياسي، لتحقيق مآرب سياسية.

لم يصنف ابن عبد الوهاب كتبه لبيان ما يجوز وما لا يجوز في حق الله تعالى فقط، بل جعلها وثيقة تأطيرية دينية/سياسية، وكأنها ميثاق بينه وبين قرينه ابن السعود، لتأسيس الدولة. لذلك أدمج بشكل غريب بين التوحيد (عقيدة الإلهيات والنبويات والسمعيات)، وبين توسع الدولة ووحدتها (عمل سياسي)، فصار تراث وكتب ابن عبد الوهاب بمثابة وسائل التعبئة الإيديولوجية للدولة السعودية الناشئة، وهي كتابات خاصة بدولةٍ بعينها، وقُطْر بعينه، ولا يجوز تعميمها أو عولمتها على أقطار أخرى، كما لا يجوز تعميم الوثائق التأطيرية للدول والتنظيمات الأخرى على الدولة السعودية.

أضف إلى ذلك، أن كتب ابن عبد الوهاب العقدية لم تنفتح على التراث العقدي الإسلامي، بل ارتكزت على اتجاه واحد من اتجاهات المدرسة الحنبيلة فقط.

إن ربْط الفكر الوهابي بين التوحيد وبين الدولة والوحدة السياسية انطلاقا من اتفاق الدرعية الشهير، هو الذي جعل الوهابية يصفون المدن التي خضعت للسلطة بأنها دخلت الإسلام، ويصفون المدن والقبائل التي انفصلت عن دولتهم بأنها مرتدة، ويسمون غزوات الدولة السعودية ضد القبائل العربية فتوحات وغزوات، ومن أمثلة ذلك، ما كتبه ابن عبد الوهاب إلى أهل القصيم محرضا إياهم ضد أهل الزلفي : “الموالاة والمعاداة، لا يصير للرجل دين إلا بها، ما داموا ما يغيضون أهل الزلفي وأمثالهم، فلا ينفعهم ترك الشرك، ولا ينفعهم قول لا إلاه إلا الله”، وكأن إيمان أهل القصيم لا يستقيم إلا ببغضهم لأهل الزلفي، غير الخاضعين لابن سعود وابن عبد الوهاب حينذاك، وهذه دعوة سياسية بلبوس عقدي، قد تنطلي على أهل العلم فيعتبرونها خطابا دينيا علميا بريئا، ويسوقونها في منتدياتهم، وينشرونها في كتبهم، ولا يتفطنون لخطورتها.

ولبيان خطورة الفكر الوهابي الذي أدمج التوحيد في السياسة بشكل هجين، أسوق المثال الآتي:

انتقد الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى حكومة عبد العزيز آل سعود، وسجل ذلك في مبحث (الأمن المزعوم) من كتابه (الإسلام والأوضاع الاقتصادية)، وكان نقد الغزالي منحصرا في التعزير والتعذيب المتّخَذَيْن وسيلة للتحقيق في الجرائم، وهو نقد ليس ذا علاقة بالعقيدة أو التوحيد.

وبما أن الوهابية يخلطون بين الدولة والعقيدة، فإن علماءهم سيتولون الرد على الغزالي، ويصفونه بنعوت يُفهَم منها الكفر، ومنهم عبد القادر السندي (مدرس بمعهد الحرم المكي)، الذي قال في كتابه (رسالة السنة النبوية وشبهات بعض الناس حولها) : “فلا غرابة على الشيخ محمد الغزالي أن يقول في كتابه من كلمة شنيعة خبية مكذوبة، وكلام باطل مبني على العداوة والبغض والحسد لأهل التوحيد، وعلى رأسهم الحاكم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، الإمام العادل جلالة الملك عبد العزيز”، (ص : 26)، ثم تساءل أسئلة وأجاب : “نعم، إنها عداوة صريحة لأهل الحق والتوحيد” (ص : 27).

هكذا إذن، صار الغزالي عدوا لأهل التوحيد، والقارئ البسيط يدرك أن نقد الحاكم لا يمت بصلة إلى التوحيد أو الشرك. وأن الصحابة والصحابيات انتقدوا أبا بكر وعمر على عظم شأنهما، ولم يوصفوا بأعداء التوحيد. كما أن القارئ البسيط يعلم أن عداوة أهل التوحيد لا تعني سوى التكفير.

لهذه الأسباب، لم أبالغ حين وصفت الانفتاح على كتب ابن عبد الوهاب وفكره بالأمر الخطير الذي لا يجوز في بنية دولة غير السعودية. (قد تكون السعودية اليوم، بدأت في وضع جدولة للتخلص من ذلك الفكر).

لعل حركة التوحيد والإصلاح فطنت لهذه الخطورة مؤخرا، وانخرط قياديوها في سلسلة مراجعات مهمة جدا، جعلتهم ينفصلون شيئا فشيئا عن التراث الوهابي المشرقي، والانفتاح على التراث المغربي واستنباته في التنظيم، يتجلى ذلك من خلال إشارات وخطوات أذكر بعضها مما يوجد منَثَّرا بين يدي الباحثين على موقع اليوتيوب :

1 – محاضرة الدكتور أحمد الريسوني لأبناء الحركة عن القراءة الجماعية للحزب، وهي التي كانت تعدّ من البدع، لكن الفقيه الريسوني اعتبرها من الإبداع الذي يجب دعمه، والمحافظة عليه، كما عدّها من الفتوحات الكبيرة، وأنها من النبوغ المغربي، الذي اجتمع عليه الشعب والعلماء والأمراء.

2 – شريط يتحدث فيه الدكتور أحمد الريسوني عن أبي محمد صالح، وهو الولي الشهير بمدينة آسفي، حيث أشاد به وأثنى على عمله، الذي كان عبارة عن شبكة من الزوايا والرُّبَط المنتشرة بين آسفي ومكة، لتأمين قوافل الحجاج، وأشار إلى الزاوية المركزية بأسفي، وزاوية الإسكندرية التي جعل ابنه قيّما عليها.

أثناء الشريط، تكلم الدكتور الريسوني عن التصوف والزوايا وأولياء بعض المدن التي اشتهرت بهم واشتهروا بها (سيدي بوعراقية بطنجة – مولاي علي بوغالب بالقصر الكبير …)، وهذا الخطاب لم يكن سائدا في البنية الذهنية لكوادر الحركة منذ أواخر السبعينيات إلى ما قبل خمس أو ست سنوات من الآن.

3 – سلسلة محاضرات عن أعلام المغرب، في إطار تعريف أبناء التنظيم على أعلام بلدهم وصناع ثقافته، وما بذلوه من جهد فكري وجهادي، وقد خصصوا تلك المحاضرات لأمثال علال الفاسي وأبي شعيب الدكالي والمختار السوسي والمكي الناصري وماء العينين والقاضي عياض ومحمد بن عبد الكريم الخطابي ومحمد بن العربي العلوي وغيرهم، وقد توالى على إلقاء هذه المحاضرات بعض قيادات الحركة أو أساتذة من خارج التنظيم.

4 – محاضرة بعنوان (الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب) موجهة لأبناء الحركة، ولعلها موجهة إلى قياديين منهم، والمقصود بالاختيارات المغربية : * قراءة نافع * مذهب مالك * العقيدة الأشعرية * التصوف.

تضمنت المحاضرة إشارات مهمة، أكتفي بإيراد بعضها:

أ – المحاضرة كانت بمثابة ثمرة لقاءات مُراجعاتية، ناقش من خلالها أبناء التنظيم ذواتهم وأفكارهم، ولعلهم ألقوا بأعباء الصياغة إلى الدكتور الريسوني لما له من علم وقدرة معرفية، إضافة إلى مكانته الرمزية، لذلك قال في بداية المحاضرة تعريفا بها : “الموضوع الذي طرقنا بعض جوانبه في لقاءات سابقة، يندرج في إطار بعض المراجعات والتصحيحات والترقيات لحركتنا ولأفكارنا، وهو يعتبر ريادة في مراجعات الحركة الإسلامية”. ولنتأمل عبارتيه : لقاءات سابقة – المراجعات.

ب – المراجعات كانت بمثابة إحداث القطيعة مع الوهابية، وليس القطيعة مع المشرق. قال أستاذنا الدكتور الريسوني : “المراجعات أكثرها يتعلق بالتخلص من الفكر الوهابي المُسَعوَد، الذي غزا العالم الإسلامي في وقت فراغ كبير طيلة القرن العشرين، أو منذ قيام الدولة السعودية الثالثة، وما أتيح لها من إمكانات غزت بها العالم، واستقطبت أبناءه ودعاته وعلماءه … والحركات الإسلامية في العالم كله أخذت قليلا أو كثيرا من هذه المواقف السلبية تجاه تراثها وأوطانها ومذاهبها ورجالاتها. نحن من زمان ونحن نراجع عددا من القضايا، ونحن نصحح”.

ج – تولى الدكتور الريسوني نحت عنوان المحاضرة، ليجعله عنوان المراجعات، ووضعه أمام الحاضرين لمناقشته لتعديله أو تغييره أو تبنيه. ولعلهم وافقوا عليه، بدليل أنه سيُتَشَبّث به كما سنرى لاحقا.

د – في إطار النقد الذاتي، أشار الدكتور الريسوني إلى العلاقة بين القطرية والعالمية في فكر الحركة الإسلامية، ولفت الانتباه إلى أن الحركة الإسلامية غالبا ما كانت تُغَلّب العالمية، وتسقط القطرية أو تهمشها، وتبعا لذلك، أهمل منتسبوها أو نظروا بازدراء إلى كل ما هو محلي، وبالتالي أهملوا التراث المحلي لأوطانهم وأمجادها واختياراتها.

ورفعا لكل لبس، فإن الالتفات الحالي للاختيارات المغربية، لا تعني بالضرورة الدعوة إلى الانغلاق على كل ما هو مغربي، والقطيعة مع كل ما هو مشرقي، بل لا بد من الانفتاح، واستدل الريسوني في هذا السياق بالمشرقيَيْن : الجنيد العراقي، والإمام مالك المدني، وانفتاح المغاربة عليهما.

ه – أثناء الحديث عن التصوف، تطرق إلى تصوف الفقهاء، وأشاد به باعتباره أفضل تصوف وأسلمه وأقومه.

5 – محاضرة ثانية للدكتور أحمد الريسوني، بنفس عنوان الأولى، إلا أنها كانت في لقاء أعم، حيث كان الحاضرون أكثر من نظرائهم في المحاضرة الأولى، ويبدو من خلال التشبث بنفس العنوان أن الحاضرين في المحاضرة الأولى وافقوا عليه وأقروه، وأشار المحاضر إلى بعض النقاط، منها :

أ – تحليل عناصر العنوان : أشار الدكتور الريسوني إلى أهمية استعمال كلمة “الاختيارات” وعدم استعمال “الثوابت”، لأن الاختيارات تكون طواعية، أما الثوابت فقد تكون مفروضة. والهدف من استعمال “الاختيارات” للدلالة على أنها “ليست أشياء اضطرارية لا محيد عنها، حتى لا نؤسس تعصبا أو ضيق صدر”.

أما كلمة “المغربية”، فلا تحيل على المملكة المغربية، بل تدل على المعنى التاريخي لـ”المغرب”، وهو ضد المشرق، والمقصود بها المغرب الإسلامي الكبير، الذي يبدأ من ليبيا وينتهي بسواحل الأطلسي.

ب – بيّن الدكتور الريسوني أن التاريخ المغربي تاريخان : تاريخ سطحي، وهو المرتبط بالقادة السياسيين، وهو تاريخ المرابطين والموحدين والسعديين …، وتاريخ عميق، وهو المغرب العميق، وأن صانع هذا المغرب الحقيقي هو المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف.

ج – يميز الدكتور الريسوني في هذه الاختيارات المغربية بين الجوهر واللب، وبين القشور والشكل. حتى لا يدعو إلى الارتماء في الأشكال الموجودة في الساحة، أو الموروثة بكل سلبياتها وسكونها، ففي التصوف، قال : “يجب تصحيح التصوف وإصلاحه، وأن نقيم جوهر التصوف ولو بدون تصوف”، ولعله يقصد : ولو بدون طرق صوفية وزوايا. ونصح في هذا السياق بقراءة كتاب الرعاية لحقوق الله للحارث المحاسبي رحمه الله.

أما بالنسبة للعقيدة الأشعرية، فبيّن أن العقيدة الأشعرية جاءت في أصلها لإزالة الشبهات والنزاعات الفكرية، أما الآن، فالشبهات تغيرت، “ووفاء للمنهج الأشعري، يجب أن نتصدى لشبهات زماننا مع التمسك بالمنهج الأشعري”، وهو المنهج الذي يتميز – حسب الدكتور الريسوني – بالتوسط بين العقل والنقل، والتأويل المعتدل المنضبط، وعدم التكفير بالمعاصي.

6 – بعد هاتين المحاضرتين، التقطت الإشارة قناة النبأ، وخصصت للدكتور الريسوني أربع حلقات حوارية حول الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب، فزاد الموضوع جلاء وبيانا، جعل الحلقة الأولى تمهيدية عامة، أما الحلقات الثلاث الأخرى، فأفردها لتلك الاختيارات.

أثناء الحديث العام في الحلقة الأولى، أشار إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن الإعراض عن المذهب المالكي وقراءة نافع والمذهب الأشعري والتصوف، يدل على أننا لسنا أوفياء مع أسلافنا، وهو ما عبر عنه باللفظ : “نرى زهدا وجفاءً” مع عناصر هذه الاختيارات، ثم بيّن أن انتشار الإسلام واستتبابه في أقطار المغرب الكبير، إنما هو بفضل المنتسبين إلى هذه الاختيارات، وبفضل جهدهم وجهادهم وتضحياتهم ومثابرتهم، “فكيف لا نكون أوفياء نقدر لهؤلاء ؟”

وبعقليته المقاصدية، انتبه إلى ما حققته هذه الاختيارات في الشمال الإفريقي عبر التاريخ، فقال : “لو لم يكن لنا إلا هذا مما يقتضي التشبث بهذه الاختيارات لكان كافيا … مع العلم أن هذه الاختيارات هي من أرشد ما يُختار قديما وحديثا، فكيف إذا كانت قد حققت لهذه المنطقة انسجاما ووئاما واستقرارا، هذا لا يسمح بهذا الزهد وبهذا الجفاء الذي تروجه بعض الفئات”.

للإشارة، فإن قناة النبأ التي استدعت الدكتور الريسوني وخصصت له أربع حلقات من برنامجها، هي قناة ليبية، تبث إرسالها من استنبول، ولعل هذا الاستدعاء وهذا الاحتفاء بالدكتور الريسوني وموضوعه، يندرج ضمن محاولة الليبيين لترسيخ هذه الاختيارات المغاربية في التدين والتمذهب، في مواجهة تيار سلفي مدعوم من الإمارات والسعودية، وموالي للجنرال حفتر.

7 – بعد هذه المحاضرات والحوارات، رسا الدكتور الريسوني على خطوة أخرى، فعمد إلى تسجيل ما صدر عنه في كتاب مستقل، بنوع من التدقيق والتوثيق والتبسيط، واجتناب التعقيد والإيغال في التعميق، ووسمه بنفس العنوان السابق (الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب)، ويُلاحَظ في الكتاب :

أ – على مستوى الشكل : رغم صدور الكتاب عن دار الكلمة بمصر، إلا أن غلاف الكتاب وشكله لم يحِد عن الاختيارات المغربية، فعنوان الكتاب مثبتٌ بخط مغربي جميل، وفي وسط الغلاف صورة من الفسيفساء المغربي، وهما من الاختيارات الحضارية المغربية، يتكاملان مع الاختيارات المغربية المشار إليها في متن الكتاب.

وخلافا لكتب الدكتور الريسوني، التي يُكتَب على أغلفتها اسمه فقط، تمت كتابة اسم الحركة التي ينتمي إليها يمين أسفل الكتاب، وهي إشارة للدلالة على أن الكتاب ليس كتابا كسائر كتب المؤلف، بل هو وثيقة تأطيرية لأبناء الحركة، عليه تأشيرة الحركة.

ومما يؤكد هذه الفكرة، أن الكتاب قدّم له الأستاذ عبد الرحيم الشيخي. وهو الذي يشغل حاليا منصب رئيس الحركة. بخلاف كتب الريسوني الأخرى، التي لا يكتب مقدماتها أحد من أبناء التنظيم.

ب – على مستوى المضمون : القارئ الذي لا يتفطن لسياق الكتاب، قد يتصفحه فيخال أنه سيجد المؤلف غواصا – كعادته – في تحقيقات علمية، وتنقيدات دقيقة، لكنه سيفاجأ بنقيض ذلك، فالكتاب يكاد يكون خلوا من هذا وذاك، مما عوّدنا عليه الريسوني من إمتاع ومؤانسة بمؤلفاته وكتاباته.

والحقيقة أن هذه الكتابة لا تدل على تحول في كتابات الدكتور الريسوني أو انحدار قلمه، بقدر ما تدل على براعته ومهارته، ومُكنته من الكتابة بشتى أنواعها، حيث استطاع الانتقال من الكتابة العلمية الأكاديمية ذات النَّفَس الاجتهادي، إلى الكتابة المدرسية السكولائية، لأن هذا الكتاب يعتبر كتابا مدرسيا تعليميا، يقرب المذاهب والاتجاهات وأعلامها إلى قراء متعددي المراتب والتخصصات، منهم المهندس والطبيب والعامي والأستاذ وغيرهم، بخلاف الكتابة التخصصية التي لا تستهدف سوى شريحة من القراء.

انطلق الدكتور الريسوني في محاضراته وحواراته وكتابه من بيت ابن عاشر الشهير: في عقد الأشعري وفقه مالك // وفي طريقة الجنيد السالك، وأضاف إليها قراءة نافع.

ومما قاله في الكتاب مما يرسخ ما ذهب إليه في غيره : “هذا الكتاب ليس للمقاومة ولا للمقارعة، وليس بالضرورة ضد ما يأتي من الشرق والغرب، ولكنه فقط من باب قوله تعالى : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). إنه التفات ونظر في أنفسنا وكنوزنا، وفي بعض مكوناتنا ومكنونات تاريخنا، وهي دعوة للتعامل معها بالوفاء لا بالجفاء، وبالاستثمار لا بالإقبار، وهو بصفة خاصة، تعريف وتذكير وتنويه بالاختيارات المذهبية الكبرى التي صنعت تاريخ المغرب ووحدته وأمجاده، صنعت المغرب العميق والمغرب الأصيل، وصنعت جزءا كبيرا مُشرقا ومشرّفا من تاريخ الإسلام والمسلمين، وهي ما زالت قادرة على العطاء والبناء، وعلى الإنجاد والإمداد” ص : 8.

وأثناء الحديث عن المذهب المالكي، أمتع المؤلف وأطرب، وبيّن أن المذهب المالكي لم يكن صنيعة الدولة، بل هو الذي صنع الدولة، مثل الدولة المرابطية، ثم صار “مصدرا للشرعية والوحدة، وأداة للإصلاح والاستقرار”. ص : 37.

على سبيل الختم

لقد أحسنت حركة التوحيد والإصلاح صنعا حين أقدمت على هذه المراجعات الفكرية التي أراها مراجعات عميقة، وأحسنت صنعا حين أناطت مهمة النشر والشرح والتنزيل للعلامة الدكتور أحمد الريسوني، ولعله أحسن من يستطيع ذلك وأقدر.

ولقد أحسن الدكتور الريسوني حين أطلق عليها “الاختيارات” بدل “الثوابت”، لأن “الاختيارات” تدل على وجود اختيارات أخرى :

فالمغاربة التزموا قراءة نافع ومذهب مالك في الغالب الذي قد يقارب الإجماع ويدانيه، وأسهم هذان الاختياران في صناعة الهوية المغربية والإنسان المغربي من حيث يدري أو لا يدري، ومثال ذلك، حين يسمي المشرقي ابنه عبد المؤمن، يحقق الهمز كتابة ونطقا، وفي المقابل، يسمي المغاربة أبناءهم (عبد المومن) بدون همز، وهم بهذا يلتزمون قراءة ورش عن نافع، وقد يكون أحدهم لم يسبق له أن سمع بورش أو نافع.

أما الالتزام بالمذهب الأشعري فلم يكن كسابقيه، فبعض علماء المغرب وإن كانوا قلة، التزموا العقيدة السلفية، لذا نجد مغاربة شرحوا ودرّسوا ودرَسوا توحيد رسالة ابن أبي زيد القيرواني، مع المتون الأشعرية، كالسنوسية وتوحيد ابن عاشر. مما يدل على أن العقيدة السلفية يمكن أن تكون اختيارا من الاختيارات، وللتاريخ، فإن العقيدة الأشعرية سرت بين المغاربة في الغالب كما يسري الدم في العروق، وكان العوام يحفظون العقيدة السنوسية، ويتبركون بصاحبها، وهي عقيدة سليمة، واختصروها رغم قصرها، تقريبا للعوام، ووضعوا عقائد صغرى، سموها عقيدة النساء، فكانت الأشعريةُ عقيدةَ العلماء والعوام، وعقيدة الرجال والنساء، ولما اعتنق السلطان سيدي محمد بن عبد الله العقيدة الحنبلية، لم يؤثر على الشعب، بل بقي الشعب وعلماؤه أشاعرة.

أما الذين ارتضوا تاريخيا عقيدة ابن أبي زيد، فهم وإن سميتهم سلفيةً، إلا أنهم لم يكونوا وهابية، ولم يقسموا التوحيد إلى عبودية وربوبية وغيرها، فليُتنَبّه لهذا، حتى لا تختلط الاختيارات على من يختار.

أما التصوف، فهو اختيار من الاختيارات كذلك، وأغلب علماء المغرب كانوا صوفية، وحين التفتيش في فهارسهم، نجد إجازاتهم وأسانيدهم المسندة المتصلة إلى مصنفات الحديث والتفسير والفقه والأصول والكلام …، وفي الآن نفسه، نجد أسانيدهم إلى كتب إحياء علوم الدين وقوت القلوب والرسالة القشيرية والرعاية لحقوق الله والفتوحات المكية وغيرها، كما نجد أسانيدهم إلى الأوراد، كالصلاة المشيشية وحزب البحر والوظيفة الزروقية ….، وبعض الفقهاء لم يكونوا صوفية. لذا كان التعبير بـ”الاختيارات” دقيقا وموفقا.

وبما أن الأمر “اختيار” لا إلزام فيه، فإننا لا نتصور بين عشية وضحاها، أن يتحول أبناء التنظيم إلى أشعرية أو صوفية، ولكن، على الأقل، يمكن أن تحقق هذه المراجعات أمرين اثنين على المستوى القريب والمتوسط :

أولهما : الحيدة عن الفكر الوهابي، والتزام العقيدة السلفية بمنهج توحيد الرسالة، أو العقيدة الأشعرية بمنهج السنوسية أو المرشدة أو توحيد ابن عاشر أو غيرها من المتون، فكلاهما هدىً ورحمة والحمد لله.

ثانيهما : فرملة العداء للتصوف والأشعرية، فمن لم يلتزم طريقهما ومنهجهما، فعلى الأقل يحترمهما ولا يعاديهما، باعتبارهما اختيارا من اختيارات علمائنا، وجزءا أصيلا من هويتنا وتاريخنا وحضارتنا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك