https://al3omk.com/358076.html

مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها لعلال الفاسي

تقديم:

مما لا ريب فيه انه من العبث تقديم المرحوم علال الفاسي للطلبة .وهو رجل ملا الساحة المغربية طيلة نصف قرن بتحركاته وخطبه وكتابته وتضحياته . حسبنا ان نقول انه عرف بالإسلام الحق الناصع .وبعمق مقاصده وشمولية تشريعاته .وانه امن بالفكر وجند نفسه لخدمته من اجل ايقاض امته من جديد ,وانه عاشق الحرية وجاهد جهادا مستميتا لتحرير الوطن والمواطن . فلن ابالغ اذا وصفته بصفات متعددة .بلغ الذروة في كل واحدة منها: فهو العالم المفكر المجاهد المحرر. المتمرد على الجمود وعلى الظلم .فجر الطاقات الكامنة في انسان بلاده معتمدا اساسا على سلاح الامن والكلمة والصمود ,جمع بين الفكر والعمل وبين النظر والممارسة لا يسكت عن الظلم لا يقبل في الحق لومه لائم كان يسحر الناس ببيانه وعلمه وشجاعته وفكره . لن يسعفني الوقت ولا المقام .ان انا حاولت ان اعطي نظرة كاملة ومستوعبة عن انتاجه الفكري الواسع والمتنوع ولذا اكتفي بتقديم ابرز مضامين كتابه المعنوان ب””مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها””. ويشكل هذا الكتاب نصا أساسيا و محوريا و مفصليا لا تقل أهميته عن كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية للإمام محمد الطاهر بن عاشور. و لهذا لا يمكن القفز عليه أو المرور عليه مرور الكرام كما يقال. نعم أقول هذا و أكرره لأن حضور ما كتبه الفاسي متجسد في مجرد استئناف الكتابة المستقلة في مقاصد الشريعة و التي سبق أن دشنها قديما أعلام الفكر ألمقاصدي و في طليعتهم الإمام الشاطبي. و بذلك كان رالفاسي و قبله ابن عاشور من أبرز الرواد الذين استأنفوا الكتابة في مقاصد الشريعة. كتبا فيها بنسق مستقل سواء في مجال التوسع في الموضوع المقاصدي أو في مجال المعالجة المتحررة و التي تقتضي الصدور عن موقف فلسفي واضح و رؤية منهجية دقيقة لمقاصد الشريعة الاسلامية.
– فما هي أبرز مضامين هذا الكتاب ؟
– وماهي أهم الجوانب المقصدية التي تناولها ؟
– والى أي حد وفق علال الفاسي في بيان مقاصد الشريعة ؟
– وما هي الانتقادات التي وجهت اليه؟
-اين تكمن الحكة السلفية عند علال الفاسي؟
أولا عرض الكتاب :
الكتاب الذي بين أيدينا يعتبر نصا أساسيا و محوريا و مفصليا لا تقل أهميته عن كتاب مقاصد الشريعة للإمام الطاهر بن عاشور ، و أن ذلك حاضر بوضوح من خلال استئناف الفاسي الكتابة المستقلة في مقاصد الشريعة التي سبق أن دشنها قديما أعلام الفكر المقاصدي و في طليعتهم الشاطبي ، فكتب فيها بنسق مستقل ، سواء في مجال التوسع في الموضوع المقاصدي ، أو في مجال المعالجة المتحررة ، التي تقتضي الصدور عن موقف فلسفي واضح و رؤية منهجية دقيقة للفكر المقصدي في المغرب.وعلال الفاسي دائما همه الواحدالانسان حيث نجده يقول في الكتاب (مقاصد الشريعة) “”الانسان مركب من حيوانية هي بشريته .ومن روحانية وإنسانية هي فطريته””. وقد سلك العلامة علال الفاسي في بناء محتويات الكتاب إلى فقرات بلغت مائة و ثلاثة عشر فقرة مسبوقة بتقديم موجز ، أبرز فيه أسباب إقباله على الكتابة في موضوع المقاصد التي أجملها كون الذين تعاقبوا على الكتابة في المقاصد الشرعية ، لم يتجاوزوا الحد الذي وقف عنده الشاطبي ، أو لم يبلغوا ما إليه قصد، وأن بعضهم خرج عن الموضوع إلى محاولة تعليل كل جزء من أجزاء الفقه أخذا للمقاصد بمعناها الحرفي .كما عرض لمضامين الكتاب التي أحب لها أن تكون شاملة الجوانب ، وعامة التجليات ، معرفا بقسط من أصول تاريخ القانون ووسائل تطوره وكيف أن الشرائع الإنسانية كلها كانت تقصد إلى العدل ،ولما لم تبلغ مداه بحثت عنه خارج مصادرها التشريعية ، بينما بقي الفقه الإسلامي يحقق العدالة بأصوله الذاتية نفسها .كما قام بمقابلات بين الشريعة الإسلامية والشرائع الأخرى ، والحقيقة أنه تمحل كثيرا لكي يوضح تفوق وهيمنة الشريعة الإسلامية بما لها من خصائص و مزايا تجعلها تحتل الصدارة بين باقي الشرائع الأخرى ذات الوضع البشري أو السماوية التي لحقها تزييف أو تحريف ، والقول بأنها الوحيدة المستحقة لأن تبقى القانون الأسمى للمسلمين ، ولمن يريد العدالة الحق من بني الإنسان .كما تعرض لبعض قواعد استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية على غرار علماء الأصول ، فبدأ بالأدلة التفصيلية و سماها أصول الشرعة ، فخصص في مستهلها أربع عشرة فقرة لمباحث في علوم القرآن المجيد كالنسخ ، والإعجاز ، وترجمة القرآن المجيد لغير العربية ، و أنواع التفسير ، واستطرد للحديث عن المعتزلة الجدد و الإسرائيليات الجديدة ، والفن القصصي في القرآن الكريم ، ثم أعقب ذلك بالحديث عن جوانب من تصرفات الرسول (صلى الله عليه و سلم) من خلال سنته القولية و الفعلية و التقريرية ، فختم هذين الصنفين النقليين بمبحثي الإجماع و القياس ، كأصلين نظريين متفق عليهما ، وأتبع هذا وذاك بسرد أصول نظرية مختلف فيها ، بدأها بالاستدلال ،وأتبعها بالاستصحاب الاستحسان. لا شك أن من أساسيات الاجتهاد الفقهي دراية مقاصد الشارع ، فلا تحصل مرتبة الاجتهاد إلا لمن فهم مقاصد الشريعة على كمالها ، وتمكن من الاستنباط بناء على فهمه منها، فمن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة ، فهي قبلة المجتهدين ، من توجه إلى جهة منها أصاب الحق، فهي تعين الفقيه على التوازن والاعتدال وعدم الاضطراب في استنباط أحكام الوقائع المستجدة من أدلتها التفصيلية ، وذلك بتحقيق المناط و تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع بحسب الحال و المآل و الزمان و المكان ، وذلك لن يتأتى إلا من خلال فهم النصوص و تفسيرها و معرفة دلالاتها ، و التوفيق بين الأدلة المتعارضة و التوفيق بينها ، المبني على نظر مقاصدي يقوم على الموازنة الدقيقة بين الكليات و الأدلة الجزئية . لعل هذه الأمور مجتمعة و غيرها كثير لم تكن تغيب عن ذهن علال الفاسي أثناء تأليفه للكتاب
ثانيا مضامين الكتاب:
علال الفاسي عاش فترتين متباينتين ، فترتي الاستعمار و الاستقلال ، فكان لهما الأثر في تغيير نمط تفكيره إزاء المستجدات حيث كان عاملا الزمان و المكان من العوامل التي كان لهما الأثر البليغ في تغيير الأحكام الاجتهادية بما يناسب وقائعها ، فهو كان مجبرا على الموازنة المقاصدية بين التدقيق في فهم الواقع ، و التشبث بالأصالة المرجعية في تنزيل الأحكام على المستجدات ، فوقاه ذلك من التيارات الحديثة ودعاوى التجديد الجانحة التي تحاول توظيف النظر في المقاصد كغطاء لتحكيم الرأي والهوى، والتملص من الأدلة الجزئية الخاصة. لهذا أقول أن الفاسي قد كتب له النجاح في فهم مقاصد الشرعة بتمثيلها حقيقة على وقائع المستجدات ، ويدعم هذا الطرح تصريح محقق الكتاب الدكتور إسماعيل الحسني الذي يعلن فيه مدافعا بقوة : ” أن للفاسي إسهام واضح في نقل الفكر المقاصدي من علياء التنظير الأصولي إلى واقع التوظيف العملي ” ، وهذا التوظيف العملي كان باديا من خلال ربطه لقضايا الفكر الإسلامي وطنيا و دوليا بمقاصد الشريعة ، لأن ذلك أدعى للقبول والاقتناع من قبل المتلقين ، خصوصا و أن المقاصد تدور رحاها حول جلب المصالح ودرء المفاسد ، و الناس بطيعتهم يميلون إلى تحقيق هذه الغايات لهم ، لذا فهو ركز على الكليات والقواعد العامة للتشريع التي تحتمها الظرفية الآنية مقدما إياها عن النظر في جزئيات الأحكام و فروعها ، فيكتب لها إمكانية استيعاب النوازل الفكرية والقضايا الثقافية المستجدة.وهذا هو الذي ميز شخصية الفاسي رحمه الله.
أهم النظرات المقاصدية عند علال الفاسي:
الإسلام دين الفطرة:
لمّا كانت شريعة الإسلام هي آخر الشرائع وكانت مرسلة للنّاس كافة في كل زمان ومكان، فإنّه تعين أن تكون مبنية على وصف يشترك فيه سائر البشر، وترتضيه العقول السلمية هذا الوصف هو الفطرة؛ ذلك لأن شريعة الإسلام جاءت مصدّقة وموافقة لمقتضيات الفطرة التي جبل عليها الإنسان، ومكملة لها وآخذة بيدها إلى ما فيه سعادتها الدنيوية والأخروية.. قال تعالى “”إنَّ هذا القرآنَ يهدي للتي هيَ أقومُ “”يعلّق المرحوم علاّل الفاسي قائلا: «أي أنه يساعد الإنسان على إدراك أقوم الطرق وأنجعها لتحقيق ما تتطلبه فطرته الإنسانية من سعادة روحية ومادية، وهو يهديه لذلك لأنه يضع بين يديه التعاليم التي يدركها كلّ إنسان، بمقتضى فطرته كإنسان، ويجد فيها ما يحتاج إليه من دين وشريعة ومنهاج للحياة».ولما كانت التعاليم التي جاءت بها شريعة الإسلام هي تعاليم الفطرة فإن علاّل الفاسي يرى: «أن اتباع الطاعة في الأعمال الإنسانية يجعلها أعمالا شرعية، والخروج عنها يجعل العمل الإنساني في إطار خارج عن الشريعة، من ثمّ فهو خارج عن الفطرة».ويزيد الأمر توضيحا فيقول: «وإذن فلا بد من أن يكون الإسلام فيما جاء به ضامنا لسدّ الحاجيات التي يتوقف عليها الإنسان لتكون مدنيته كإنسان، ولذلك فلن تجد في الشريعة الإسلامية شيئا منافيا للفطرة الإنسانية . وإذا قلنا أن الإنسانية مجبولة على حب من أحسن إليها، فلا بدّ أن يكون الإسلام الذي هو دين الفطرة، مقرّا لهذه الجبلّة الإنسانية وفارضا وجوب شكر المنعم، وإذا قلنا أنها مجبولة على بغض المسيء فلا بدّ من تحريم التشريع للإساءة…» وعن الفطرة التي فطر الناس عليها في نظره: «هي فطرة الإنسان بصفته إنسانا، أي مطلق الإنسان الذي يملك جملة من العقل وقدرة على اكتساب المعرفة، واستعداد للمدنية، ومرونة عل الطاعة، إلى جانب ماله من حواس، يدرك بها المرئيات والمسموعات والمتصورات».وخلاصة القول؛ إن الشريعة إنّما جاءت تدعو لتقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها وإحياء ما اندرس منها، لذلك نجد الشيخ ابن عاشور رحمه الله يذهب إلى القول بأن المقصد العام من الشريعة هو حفظ هذه الفطرة «ونحن إذا أجدنا النظر في المقصد العام من التشريع، الذي سيأتي بحثه، نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة، والحذر من خرقها واحتلالها.وبالتالي فإن أي مقصد للشريعة الإسلامية لن يخرج عن سمت الفطرة، وأي اجتهاد على ضوء هذه المقاصد لابد أن يراعي مقتضيات هذه الفطرة.المصلحة والمفسدة: لقد أجمع جمهور العلماء على أن شريعة الإسلام، إن ما جاءت لرعاية مصالح النّاس، ورفع المشقة عنهم، وتحقيق السعادة لهم دنيا وأخرى. قال تعالى “””وما أرسلناكَ إلاّ رحمةً للعالمينَ””»(الأنبياء 107) «وإنّما يكون إرسال الرسول رحمة لهم، إذا كانت الشريعة التي بعث بها إليهم وافية بمصالحهم متكفلة بإسعادهم، وإلاّ لم تكن بعثته رحمة بهم، بل نقمة عليهم، فكأنه عز وجل يقول لنبيه: إنّ ما بعث به سبب لسعادة الدارين ومنشأ لانتظام مصالحهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر النعمة، سعد في الدنيا ولآخرة، ومن ردّها وجحدها، خسر الدنيا والآخرة».و لم يحرص الأستاذ علاّل الفاسي عندما تطرّق إلى المصلحة، على إعطاء تعريف محدّد لها من عنده، وإنّما اكتفى بذكر اختلاف الأصوليين حول تعريفها، وأتى بتعريفيين محدّدين لها لكلّ من الإمام الغزالي والخوارزمي. فقال: «وقد عرّفها الغزالي بأنّها عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرّة، وقال أنّه لا يعني بها ذلك وإنّما يعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع».نفس التعريف تقريبا نجده عند الخوارزمي: «المصلحة هي المحافظة على مقصود الشّرع بدفع المفاسد عن الخلق». والملاحظ في كلام علمائنا الأفاضل عن المصلحة، أنها لا تتجزأ بين الدنيا والآخرة بل هي شيء واحد، وأمرها مرتبط لا ينفك. وهو ما نجد علاّل الفاسي يؤكد عليه فيقول: «لاشكّ أنّ الشريعة الإسلامية مبنية على مراعاة قواعد المصلحة العامة في جميع ما يرجع للمعاملات الإنسانية لأنّ غايتها تحقيق السّعادة الدنيوية والأخروية لسكان البسيطة عن طريق هدايتهم لوسائل المعاش، وطرق الهناءة، ولكن مفهوم المصلحة في الإسلام لا يعني مجرّد النّفع الذي يناله الفرد أو الجماعة من عمل ما، ولو كان مناقضا لأسس الدين وقواعد الأخلاق فهناك مصالح لا شكّ فيها يلقيها النظر الإسلامي، ويضحّي بها في سبيل مصلحة أسمى وأهم، لابدّ منها لقيام المجتمع على الأنظمة التي يريدها الدين». إذن فعلاّل الفاسي رحمه اللّه يرى أنّه يمكننا التضحية بمجموعة من المصالح في سبيل قيام مصلحة يرتضيها الدين ويحث عليها. ومن المعلوم أنّ المصلحة بحدّ ذاتها ليست دليلا مستقلاّ من الأدلّة الشرعية شأنها شأن الكتاب والسنة والإجماع، وبالتالي فإنّه لا يصح بناء الأحكام عليها، واتّخاذها مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي، كما يحاول بعض من سفهاء العقول أن يفعلوا. ومن ثمّ فإنّه لاعتبار مصلحة ما، يجب أن تخضع لمقاييس وضوابط محدّدة تخرجها من فوضى المدلولات التي تدل عليها كلمة المصلحة، وهذا ما يؤكد عليه الأستاذ علاّل الفاسي رحمه الله، حيث يقول: «..فالمقاصد الشرعية تعمل على تحقيق المصلحة ولكن لا تخرج عن المقاييس التي وضعها الإسلام لمعرفة المصلحة الحقيقية من المصلحة المتوهّمة أو المرجوحة، ولا شكّ أنّ وضع الإسلام لمقياس تقاس به المصالح ضروري لعدم الوقوع في فوضى المدلولات التي تدل عليها كلمة المصلحة، والتي يفهم منها كلّ واحد بحسب ما يشتمله من أفكار أو مذاهب اجتماعية واقتصادية، وعدم اعتبار هذه المقاييس هو الذي أوقع العالم اليوم في هذا الاصطدام الهائل في الميادين». هذا وقد نقل علاّل الفاسي عن الشاطبي ما اشترطه المالكية للعمل بالمصلحة المرسلة، وهي شروط ثلاثة: الشـرط الأول: أن تكون متفقة مع مقاصد الشرع فلا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من أدلته. الشرط الثاني: أن تكون معقولـة في ذاتها، تتلقـاها العـقول بالقبـول متـى عرضـت عليها. الشرط الثالث: أن يكون في الأخذ بها حفظ أمر ضروري، أو رفع حرج لازم في الدين لقوله تعالى :””(وما جَعلَ عليكُم في الدينِ منْ) حرجٍ. بالإضافة إلى هذه الشروط الثلاثة، التي تبناها علاّل الفاسي في تقييد المصلحة، فإنّه يضيف شرطا آخر يعتمد بالأساس على الأخلاق، يقول: «مقياس كل مصلحة، الخلق المستمدّ من الفطرة، والقائم على أساس العمل لمرضاة مثل أعلى هو غاية الإنسان في الحياة، ومن العمل».
الإنسان والمجتمع:
أولا: الإنسان بين غايتين:
وأقصد بالغايتين غاية الإنسان كشخص، أي خيره ونفعه الذاتي، وهذا بطبيعة الحال يشمل في التصور الإسلامي، حياته الدنيوية والأخروية. والغاية الثانية هي غاية جماعته، وأمّته؛ أي عظمتها ورقيّها وسيادتها للأمم. وكثيرا ما تتضارب الغايتين وتختصمان فتعتدي إحداهما على الأخرى، وتسلبها حقّها، والتجربة الإنسانية توضح لنا كيف اضطربت الكثير من النظم والفلسفات بين هذه النزعة أو تلك، بعضها يوسّع من دائرة الفردية حتى تصل إلى الأنانية البغيضة، وإلى تفكيك روابط المجتمع، وتشتيت طاقاته (الرأسمالية الغربية نموذجا) وبعضها يوسع الدائرة الجماعية حتّى تقضي على كيان الفرد، وتكاد تلغي وجوده، إذ نعتبره شيئا تافها لا يستمد كيانه إلاّ بوصفه فردا في القطيع (الشيوعية الشرقية نموذجا). أمّا أمّة الإسلام فهي بمعزل عن هذا التطرف أو ذاك، لأنّها بكلّ بساطة أمّة الوسط، القائمة تعاليمها على الفطرة، والوسط كما يشرحه علاّل الفاسي في موضع سابق «هو الاستقامة على سمت الفطرة » ولكن هذا لا يعني أنّنا لا نعيش هذا المشكل وخصوصا في العصور الأخيرة، حيث البعد عن تعاليم دين الفطرة، والإقبال على فلسفات متطرّفة أثبتت بوارها وفشلها في بلدانها الأصلية. فعلى المستوى الفقهي نلمس هذه النّزعة الفردية، إذ نراه “الفقه” يركّز على الفرد، اجتهادا لقضاياه ونوازله، ويغفل عن الجوانب الاجتماعية والسياسية التي تهمّ الأمّة بمجموعها، وهذا أمر ملاحظ أيضا في مقاصد الشريعة الإسلامية التي صاغها العلماء منذ الغزالي إلى اليوم، فحفظ الدين والنّفس والعقل والمال والنّسل هي في الحقيقة ذات طابع فردي أكثر ممّا هو اجتماعي، قد يكون عذرهم هو أنّ بصلاح الفرد يصلح المجموع، إلاّ أنّه لا بدّ من الاهتمام بمقاصد الشرع التي تهم الأمّة، وإعطائها المكانة اللازمة لها في سلّم مقاصد الشريعة. هذا وقد أولى علاّل الفاسي للمسألة الاجتماعية أهمّية كبيرة في تفكيره وتنظيره، وما تخصيصه نصف صفحات كتابه النقد الذاتي للحديث عن الفكر الاجتماعي، إلاّ لأهمّية هذا الجانب في نظره. يقول رحمه الله: «لا يمكن لأمة أن تنهض من وهدة السقوط التي وقعت فيها، إلا إذا تدربت على أن تفكّر اجتماعيا، وتعوّدت على أن لا ترى في مسائل الأفراد، أو الطبقات الأخرى شؤونا بعيدة عنها أو غير عائدة إليها». ويتطرّق علال الفاسي للمسألة الاجتماعية في كتابه مقاصد الشريعة فيقول: «إنّ غاية الشريعة هي مصلحة الإنسان كخليفة في المجتمع الذي هو منه، وكمسئول أمام الله الذي استخلفه على إقامة العدل والإنصاف، وضمان السعادة الفكرية والاجتماعية، والطمأنينة النّفسية لكل أفراد ألأمة من الملاحظ أنّ ثنائيات (الدنيا والآخرة) و(الفرد والمجتمع) كانتا حاضرتان بقوة في تفكير عالمنا الفاسي، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على سلامة الفكر وشمولية النظرة، هاته الخاصّيات لا نجدها إلاّ لدى الفطاحل من العلماء رحمهم الله الذين لا ينفصم في ذهنهم مصلحة دنياهم ومصلحة آخرتهم ومصلحة الأفراد، ومصلحة الأمّة.
مقاصد الفرد ومقاصد الأمة:
من المهمّ الإشارة إلى قضيّة مهمّة جدّا، ربّما كانت هي السبب في غياب النظرة “المقاصدية الاجتماعية” عند الكثير من المقاصديين والأصوليين. هذه القضيّة قلّ من أشار إليها، وهي أنّ الفقهاء لم يلاحظوا أنّ الكتاب والسنّة حافلان بالخطابات الموجّهة إلى الأمّة، باعتبارها مكلّفا، بينما اعتبروا أنّ الخطابات الشرعية كلّها موجّهة للأفراد، حتّى ما سموه بالتكاليف الكفائية اعتبروه خطابات أفراد، بينما نلاحظ أنّ الشريعة اشتملت على نوعين من الخطابات التكليفية، خطابات للأفراد، وخطابات للأمّة، والخطابات الموجّهة للجماعة وللأمّة كثيرة . لقد ساهمت هذه النّظرة “العرجاء” للخطابات التكليفية الشرعية إلى اعتبار الشريعة موجّهة للأفراد، وبذلك تحوّل الفقه إلى فقه أفراد، وسيطرت على الفقيه النّظرة التجزيئية للأمور، فتقوقع الفقيه للبحث في زكاة الحلزون تاركا ما ليس لقيصر لقيصر. وطابع الفردية هذا، لم تسلم منه حتّى المقاصد التي صاغها العلماء قديما، وهذا بالطبع يأتي على حساب المقاصد التي تهم الأمّة. إلاّ أنّه بتنا نسمع مؤخّرا عن محاولات تجديدية مهمّة لتوسيع دائرة المقاصد حتّى تشمل باقي ألمجالات التي هي من الأهمّية بمكان، والتي تهمّ بالدرجة الأولى مقاصد المجتمع، والأمّة الإسلامية بصفة عامة. وبخصوص مقاصد علاّل الفاسي في هذا المجال فإنّه بدوره أتى على ذكرها إمّا مفصّلة في صفحات كتابه وإمّا مجملة في قوله، «والمقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلّفوا به من عدل، واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع». وقد تحدّث علال عن مجموعة من النقاط التي تهم مقاصد الشريعة بالنّسبة للآمة فتكلّم عن حرّية العمل وقال: «لكل أحد الحق في العمل ولكل عامل ما اكتسب وعلى الدولة أن تحمي الجميع من كل استغلال أو تعسّف أو ظلم». وعن الجانب الأمني قال علال بأنّه على الدولة أن تقاوم كلّ تطاحن قد يؤدي إلى القتل، في سبيل المال أو الفكر داخل المجتمع، وتحمي كلّ فرد أو جماعة أثناء قيامها بواجبها أو تمتّعها بحقّها، وتقضي على أسباب الفتنة والاضطراب ويدخل في باب الأمن أيضا أنّه «على الدولة أن تقاوم كل الأوبئة الاجتماعية التي تفتك بحياة الإنسان، وبصحّته وبسلالته، وفساد نسله ».
وعن حفظ ثروة الأمة قال علال: «ثم إن هناك أمورا عامة جعلها الله للجميع، لا يصح لأحد أن يحتكرها لنفسه، ومنها الكلأ والحطب والسوائل والمعادن، فكل موزون من المعادن، جامدا أو مائعا فهو ملك عام لا يصح التسلط عليه، وللدّولة الإسلامية أن تنظّم استغلاله». ولعلال رحمه الله فقرة بعنوان “دعوة الإسلام للسلام” صدّرها بقوله تعالى: )يأيها الناسُ ادخلوا في السلمِ كافةً، ولا تَتبعوا خطواتِ الشيطانِ إنّّهُ لكم عدوٌّ مبينٌ(. قال بعدها: «ذلك هو الإعلان القرآني بوجود سلم عالمي تندمج فيه الإنسانية كافة، وذلك باتّفاق على تحريم الحروب والتضامن في دفع المعتدين والتعاون على منع العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تؤدّي إلى الحرب بين الناس». في كلمات علاّل هذه نلمس مقصدين بارزين فيما يخص الإنسانية الأول هو مقصد السلام العالمي الذي لم يسبق دين من الأديان أو فلسفة من الفلسفات في إعلانه قبل الإسلام، والمقصد الثاني هو الدعوة إلى التضامن والتعاون الاقتصادي والاجتماعي بين الأمم. الاجتهاد المقاصدي: نصل الآن إلى ثمرة من أهم ثمرات مقاصد الشريعة، وهي الاجتهاد على ضوئها، ومحاولة إيجاد الحلول لمستجدات العصر المتلاحقة، بإعطائها الحكم المناسب لها، وإثبات أنّ الشريعة الإسلامية هي شريعة صالحة لكل زمان ومكان.
يشرح علال الفاسي أهمية الاجتهاد فيقول: «الاجتهاد هو العلم الذي وضعه الإسلام ليشرك به المجتهدين من الأكفاء في التشريع، وفي تفسير الخطاب الإلهي، وهو ما يجعل الشريعة الإسلامية قابلة للتطور والدوران مع المصلحة العامة والخاصة، في جميع العصور وفي جميع الجهات». وقد سطّر العلماء رحمهم الله مجموعة من الشروط التي يجب توفّرها في المجتهد، هذه اللائحة من الشروط قد تقصر وقد تطول بحسب نظرة كلّ عالم لما يجب أن يكون متوفّرا في المجتهد، نعرض فيما يلي لأهمّها على لسان عالمنا علال الفاسي رحمه الله، والذي جعلها ثلاثة شروط رئيسية وهي: المعرفة بالأدلة السمعية، والتأكد من دلالة اللفظ في اللغة العربية، ثم القدرة على الموازنة بين الأدلة. ثم يوضّح علال حجّية المقاصد فيقول: «وهي في غير ما نص عليه بصراحة تؤخذ من مقاصد الشريعة، التي تنطوي على كل ما يمكن أن يقع من حوادث وأحكام والمقاصد جزء من المصادر الأساسية للتّشريع الإسلامي، والحكم الذي نأخذه بطريق المصلحة والاستحسان أو غير ذلك من ضروب المآخذ الاجتهادية يعتبر حكما شرعيا، أي خطابا من الله متعلّقا بأفعال المكلّفين لأنّه نتيجة الخطاب الشرعي الذي يتبين من تلك المقاصد التي هي أمارات للأحكام التي أرادها الله». هذا وقد أسهب علال الفاسي رحمه الله في الردّ على من اعتبر المقاصد مصادر تشريعية خارجية «وإنّما أطلت في هذا الموضوع لأبيّن أن مقاصد الشريعة هي المصدر الأبدي لاستفاء ما يتوقف عليه التشريع والقضاء في الفقه الإسلامي، وأنّها ليست مصدرا خارجيا عن الشرع الإسلامي، ولكنّها من صميمه، وليست غامضة غموض القانون الطبيعي الذي لا يعرف له حد ولا مورد، ولكنّها ذات معالم وصوى كقصوى الطريق». ويرى علال الفاسي أنّ الحل والمخرج من الأزمة التي يعيشها الفقه ويعيشها المسلمون في باقي مجالات حياتهم، هو العودة إلى المقاصد، والاغتراف منها ضمانا لنهضة فقهية قويّة: «وإنّ في ثلة الفقهاء المجدّدين على قلّتهم ضمانا للسير بالفقه الإسلامي إلى شاطئ النجاة حتى يصبح مرتبطا بمقاصد الشريعة وأدلّتها، ومتمتّعا بالتطبيق في محاكم المسلمين وبلدانهم وليس ذلك على الله وعلى همّة المسلمين المجاهدين المجتهدين بعزيز».
التعليق على الكتاب:
وكان للطريقة التي تناول بها علال الفاسي مضامين كتابه بعض المؤاخذات من قبل بعض الباحثين بدعوى« أن تركيز المؤلف لم يكن على مسألة المقاصد في ذاتها، تعميقا لمعانيها، وتأصيلا لمفاهيمها، أو تطوير لقواعدها» إلاّ أنّ الواقع أنّ علال الفاسي تناول روح المقاصد في كتابه، وأتى بتطبيقات حيّة ومباشرة على الواقع، وقدّم اجتهادات وحلولا مقاصدي في مجموعة من القضايا، وكان غرضه رحمه الله من الطريقة التي تناول بها كتابه، المساعدة على فهم الإسلام وبذل الجهد في تعرّف أحكامه مباشرة من مصادره الأصلية.
أن الكتاب في مجمله عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها أثناء تصديه للتدريس الجامعي في شعبتي الشريعة و القانون ، قام بإلصاق رقاب تلك المحاضرات بعضها ببعض وكما اتفق ، وتدوينها في الكتاب الذي بين أيدينا ، والذي لا نكاد نلمس فيه أية إضافة جوهرية .””في علم المقاصد عن الحد الذي وصل إليه متأخرون علماء المقاصد الشاطبي و الدهلاوي وبن عاشور.
التعليق على بعض الافكارفي الكتاب:
يقول علال الفاسي””وبما لم يأتوا مما اقتضته درجة الرشد وحاجة اكمال الدين “”كتاب المقاصد الصفحة سبعة والتذكير الالهي في الخطابات التي كلفت الرسل بتبليغها يشتمل على اصول وتوجيهات وأحكام وعلى ضرورة الاعتراف بالوحي والنبوة .وعلى حتمية استعمال النظر والتفكير لبلوغ الاهداف المرسومة في العهد الرباني .وبذالك يكون الايمان مبنيا على اساس العقل والشرع وهو دليل الفطرة المركبة في انسانيته حدد الحقوق والواجبات فجعل الفصل بين الخير والشر والحلال والحرام .وهكذا تتدخل الشريعة مرة اخرى بعد ان ظهر مفعوليتها في الفطرة الانسانية فترافق الانسان اثناء ممارسته لحياته في المجتمع وتحمل عصا العقوبة .والشرائح الالهية تتفق في اصولها العامة ولكنها تختلف بحسب ظروفها وطبيعة الامة المنزلة عليها ولذا تتسم بروح المرونة ثم ان الشرائع زكت بعض العادات والاعتراف يقول علال الفاسي “”فالدين يؤكد كتيرا من العادات والتقاليد التي ابتكرتها الانسانية ويكسوها ثوب الشرعية .اذا كانت لا تتنافى مع غايته وما قصد اليه””. والشريعة بمقاصدها وأدلتها وإحكامها تعدل وتوجه الى العدل.اي انها تشريك الانسان المسلم في التشريع عن طريق الاشتهاد. ولا يعرف العدل عدلا و الجور جورا بذاته كما لا يعرف الحسن حسنا و القبح قبحا بذاته بل بالصفات التي أعطتها الشرائع اياه وبالمقاصد التي هدفت اليها باستخلاف الانسان على ان الفطرة والعقل والعرف كثيرا ما تتفق على استحسان ما هو حسن واستهجان ما هو قبيح او على التمييز ما هو عادل وما هو جائز كما هو متضح في الكتاب (مقاصد الشريعة ) .
ويقر علال الفاسي في مسألة الاجتهاد ويقول قائلا “”فالا صلاح أن يترك للإجماع مهمته كنظام الشورىبين المسلمين ، يرجعون اليه كلما عن لهم الامر أو حادث، يتبادلون الرأي ويبذلون الجهد لاستنباط الحكم من الدين بما يوافق حاجة العصر ورغبة التقدم””
الاتجاه السلفي في المغرب علال الفاسي أنموذجا :
تزعم المرحوم علال الفاسي الحركة الوطنية كما تزعم الحركة الفكرية في المغرب وفي العالم العربي والإسلامي .لن نتعرض لكفاحه السياسي من زاوية الجهاد في سبيل استقلال البلاد ووحدتها فهذا ميدان معروف به علال الفاسي منذ التاريخ وليس هو ما يهمنا في الحديث وانما نريد محاولة بيان بعض الحقائق عن كفاحه من اصلاح ديني في خط السلفية ومن اجل تثبيث الانسانية المغربية . يربط المرحوم علال نشأة الفكر الحديث بالسلفية ويجعلها تظهر في مذهب الامام أحمد ابن حنبل وفي اتجاهات من دفع عن الاسلام من المتكلمين ضد الفلسفات المستوردة و ضد الخرافة و الجهل كبن حزم و الامام ابن تيمية وابن القيم الجوزي تم يجعل هذه الحركة السلفية مستمرة في القرن الثامن عشر بثورة محمد بن عبدا لوهاب الذي أراد بها تحرير الفكر الاسلامي من الانحراف ومن سيطرة طرقين التي كان الاتراك يستعملونها على الشعوب العربية. ويقول المرحوم علال الفاسي أن اثر الثورة الوهابية وصل الى المغرب فقام على اثر ذالك مولاي سليمان بمقاومة النفوذ الطرقي. ويجعل الحركة السلفية تواصل من طرف مصلحي المسلمين كاجمال الدين الافغاني و محمد عبده الذين قاوموا التغلغل الاجنبي وناضلا من أجل سلامة الامة الاسلامية ودعو الى وحدتها و ضرورة عودتها الى أحكام القران الكريم . ان السلفية عند علال الفاسي هي تجريد الاسلام الطاهر النقي مما علق به من غشوات أو أوساخ أو أصداء ليظهر لونه الاول الناصع اللامع ثم بقي طيلة نصف قرن يعرف بهذا الاسلام و يعمل من أجله في الحقل الفكري و لاقتصادي و الاجتماعي وغيره. وهذا ما يقصد بالسلفية ومن أجل هذا كان سلفيا قولا وفعلا ولقد كرس حياته كلها في محاربة كل ما من شأنه أن يحدث من جديد صدأ أو وسخا على جسم الاسلام الناصع أو على عقول المسلمين النقية فحارب الدخيل المستعمر الاجنبي وقاوم الافكار المستوردة وناضل من أجل ان يبقى الاسلام مسقولا لامعا لا تشوبه شائبة . ومن اليسير ان نلاحظ ان السلفية لإسلامية و الانسانية المغربية يلتقيان في المعين و المشترك ولأصالة ويفترقان في المضمون اذ ان الانسية المغربية تحتوي على عناصر لا تدخل اساسا في السلفية وهي العناصر النابعة من المجتمع المغربي حتى قبل الاسلام كما اشار الى ذالك المرحوم الفاسي . والقول بالسلفية والإنسية يتفقان في اسلوب العمل وهو تجريد الاسلام وتجريد الشخصية المغربية من الداخل ومن الطفيليات التي من شأنها أن تلحق أعراضا بالمسلمين عموما والمغاربة خصوصا . وقد يعتقد البعض ان السلفية رجعية وجمود وان الانسية تعصب وانغلاق عن العالم وعن العصر وهذا غير صحيح سواء بالنسبة الى السلفية أو بالنسبة للإنسية . ان السلفية رجوع الى الاصل .الى الوحي المنزل والى كلام مبلغ الرسالة ولا يمكن لأي مسلم ن يناقشهما لااو يشك في صدقيهما وكل التفسيرات والاتجاهات المذهبية ان ما هي تأويلات واجتهادات وأحيانا انحرافات خطيرة فالخوارج والمعتزلة والشيعة وبعض النضيرات الفلسفية او الطرق الصوفية كلها تحاول ان تفسير بعض مضاهر الشريعة بالتفسيرات لا ليتفق عليها جميع المسلمين وتخلق احيانا فتنا وكم عرف تاريخ الاسلام من كوارث من هدا النوع بل منها من تسببت في الاستعمار المسلمين ونشر الشقاق في صفوفهم ومسخ عقولهم .وليس معنى هذا ان على المسلم ان يبقى مكتوف اليد والفكر بل بالعكس ذالك.عليه ان يفكر بالحرية وان يتدبر على ان يرد كل نتيجة توصل اليها القران و السنة فان وافقتهما قبلها وان خالفت احدهما رفدها فبهما تقاص المذاهب والنظريات الفلسفية والصوفية
ومن المعلوم ان السلفية لا تقتصر على جانب الاعتقاد والشرع بل كذالك على جوانب الحياة كلها بما فيها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.

خلاصة:
قدَّم علال الفاسي لكتابه بتقديم موجز, أبرز فيه أسباب إقباله على الكتابة في موضوع المقاصد التي أجملها في كون الذين تعاقبوا على الكتابة في المقاصد الشرعية, لم يتجاوزوا الحد الذي وقف عنده الشاطبي, أو لم يبلغوا ما إليه قصد، وأن بعضهم خرج عن الموضوع إلى محاولة تعليل كل جزء من أجزاء الفقه أخذًا للمقاصد بمعناها الحرفي.
كما عرض لمضامين الكتاب التي أحب لها أن تكون شاملة الجوانب, وعامة التجليات, معرفًا بقسط من أصول تاريخ القانون ووسائل تطوره، وكيف أن الشرائع الإنسانية كلها كانت تقصد إلى العدل (الاستقامة)، ولما لم تبلغ مداه بحثت عنه خارج مصادرها التشريعية, بينما بقي الفقه الإسلامي يحقق العدالة بأصوله الذاتية نفسها. كما قام بمقابلات بين الشريعة الإسلامية والشرائع الأخرى.
وبين بوضوح تفوق وهيمنة الشريعة الإسلامية بما لها من خصائص ومزايا تجعلها تحتل الصدارة بين باقي الشرائع الأخرى ذات الوضع البشري أو السماوية التي لحقها تزييف أو تحريف, والقول بأنها الوحيدة المستحقة لأن تبقى القانون الأسمى للمسلمين, ولمن يريد العدالة الحق من بني الإنسان.
وتعرّض لبعض قواعد استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية على غرار علماء الأصول, فبدأ بالأدلة التفصيلية وسماها “أصول الشرعة”, فخصص من كتابه مساحة لا بأس بها تحت عنوان “مباحث في علوم القرآن المجيد” كالنسخ, والإعجاز, وترجمة القرآن المجيد لغير العربية, وأنواع التفسير, واستطرد للحديث عن المعتزلة الجدد والإسرائيليات الجديدة, والفن القصصي في القرآن الكريم.
وأعقب ذلك بالحديث عن جوانب من تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال سنته القولية والفعلية والتقريرية, فختم هذين الصنفين النقليين بمبحثي الإجماع والقياس, كأصلين نظريين متفق عليهما.
وأتبع هذا وذاك بسرد أصول نظرية مختلف فيها، بدأها بالاستدلال وأتبعها بالاستصحاب، الاستحسان، المصلحة المرسلة, عمل أهل المدينة, العادة والعرف والعمل, وسد الذريعة.
ويرى علال الفاسي أنَّ المراد بمقاصد الشريعة: “الغاية منها”، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها.
وتطرق بعد ذلك لمسألة التعليل، فذكر مجموعة من الآيات التي توضح بجلاء أمر التعليل ثم قال: “ولا يضر التنزيه الإلهي أن يكون لحكمه غاية، لأنّه المدبر لشؤون الكون، فلا بد أن يكون التدبير على أحسن ما يريده هو”, ثم استرسل في عرض مضامين كتابه والتي يمكننا تحديدها فيما يلي:
مقدمات حول تاريخ القانون ووسائل تطوره، والعدل بين الشرائع الوضعية والشرائع السماوية, وأصول الشريعة الإسلامية، رؤية مقاصدية, والاجتهاد المقاصدي، وبعض مقاصد الشريعة الإسلامية الخاصة.
كما يرى علال الفاسي أن المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلّفوا به من عدل، واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع.
وقد تحدث علال عن مجموعة من النقاط التي تهم مقاصد الشريعة بالنسبة للأمة، فتكلم عن حرية العمل وقال: لكل أحد الحق في العمل ولكل عامل ما اكتسب وعلى الدولة أن تحمي الجميع من كل استغلال أو تعسف أو ظلم. وعن الجانب الأمني قال علال بأنه على الدولة أن تقاوم كل تطاحن قد يؤدي إلى القتل، في سبيل المال أو الفكر داخل المجتمع، وتحمي كل فرد أو جماعة أثناء قيامها بواجبها أو تمتّعها بحقّها، وتقضي على أسباب الفتنة والاضطراب … ويدخل في باب الأمن أيضا أنه على الدولة أن تقاوم كل الأوبئة الاجتماعية التي تفتك بحياة الإنسان، وبصحته وبسلالته، وفساد نسله.
وعن حفظ ثروة الأمة قال علال: ثم إن هناك أمورا عامة جعلها الله للجميع، لا يصح لأحد أن يحتكرها لنفسه، ومنها الكلأ والحطب والسوائل والمعادن، فكل موزون من المعادن، جامدا أو مائعا فهو ملك عام لا يصح التسلط عليه، وللدولة الإسلامية أن تنظّم استغلاله.
وتحت عنوان دعوة الإسلام للسلام التي صدرها بقوله تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ” (البقرة: 208).
قال علال: ذلك هو الإعلان القرآني بوجود سلم عالمي تندمج فيه الإنسانية كافة، وذلك باتفاق على تحريم الحروب والتضامن في دفع المعتدين والتعاون على منع العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تؤدي إلى الحرب بين الناس. في كلمات علال هذه نلمس مقصدين بارزين فيما يخص الإنسانية الأول هو مقصد السلام العالمي الذي لم يسبق دين من الأديان أو فلسفة من الفلسفات في إعلانه قبل الإسلام، والمقصد الثاني هو الدعوة إلى التضامن والتعاون الاقتصادي والاجتماعي بين الأمم.
وتحت عنوان العدل الدولي يقول علال: إنه ما من شيء يأمر الله به الأفراد في معاملاتهم مع بعضهم إلا ويأمر به الدول في علاقاتها الواحدة مع الأخرى.
قال عليه الصلاة والسلام: “لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”, ثم علق قائلا: وذهب معظم الشارحين على أن المقصود بالأخوة الإنسانية لا يخص أخوة الدين فلا يكمل إيماننا إلا إذا تفتحت قلوبنا لمحبة المخالفين لنا والرغبة في أن ينالوا من خير الدنيا والآخرة ما نلنا وما نحب لأنفسنا أن تناله..
لقد كتب علال الفاسي كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية لبيان صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، فالرجل كما تشهد بذلك بعض عبارات الكتاب، كان يواجه تيارًا قويًّا يدعوا إلى التخلي عن الشريعة، والإقبال على الغرب بعلومه وفلسفاته، لنتقدم كما تقدموا، ونتحضر كما تحضروا، فكانت صرخته عبارة عن كتاب سماه مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها في محاولة إلى ردهم إلى صوابهم، وتبصيرهم بمحاسن شريعتهم.
كانت هذه بعض الاجتهادات التي أشار إليها علال الفاسي والمبنية على فهمه لمقاصد الشريعة، ووعيه بمتطلّبات العصر وحاجاته، وكما قلت سابقا فهي اجتهادات قد يوافقه فيها البعض، ويخالفه فيها وآخرون ولكن المهم من كلّ هذا هو العودة إلى شريعتنا الغرّاء بفهم جديد ومتجدّد يستوعب أحداث العصر ألمتصارعة ويستظل بمظلة الشريعة ونصصوها ويأخذ بعين الاعتبار المقاصد التي رمى إليها الشارع من وراء أحكامه، ولا بأس بتغيّر بعض الأحكام لتغيّر الزمان، ففقهائنا الأجلاء رحمهم الله، تركوا لنا قاعدة جليلة قالوا فيها:””لا ينكر تغير الأحكام بتغيّر الزمان.””
تناول المرحوم علال الفاسي موضوع الاجتهاد في هذا الكتاب كاعلم ملتزم بالروح والشمولية والنظرة التالفية والغوص الموضوعي .فالربط بين جميع عناصر الموضوع عند المسلمين وعند غيرهم . في الماضي والحاضر ,وكأنه قبل على هده الأزمنة الطويلة فضغط عليها حتى جمعها في يد واحدة ثم ان علال الفاسي عاد بالحق الى نصابه .وأعاد حلقات الفكر الإسلامي الى سلسلة الفكر الإنساني عبر العصور وقد آبى خصوم الإسلام إلا أبعاده . وهكذا يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه بادئا بنفسه باعثا المجال للاقتداء والمنافسة ولكنه يحتفظ له بحدوده ومقاييسه فباب الاجتهاد مفتوح في الإسلام على أساس المقاصد الشرعية .
ولقدترك علال الفاسي بصماتهالواضحة في الفكر الإسلامي والتطورات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية المغربية المعاصرة وستبقى توجهاته واراه نبرسا يستضاء بنوره ومرجعا يعتمد عليه في نهضة مغربية قوامها الشريعة الاسلامية والاصالة المغربية جازاه الله عن الاسلام وعن بلاده خير جزاء وإثابة وأحسن مثواه.
– فرحم الله أئمتنا و علماءنا والفحول الذين أدركوا بالاجتهاد مناط العلة و المعلول ، و أزالوا بسبر الأدلة قوادح الشُبَه عن الدليل و المدلول .
أهم المصادر والمراجع:
_ المدخل لدراسة النظرية العامة للفقه الإسلامي(علال الفاسي).
– دفاع عن الشريعة(علال الفاسي).
– عقيدة وجهاد (علال الفاسي).
– مهمة علماء الإسلام(علال الفاسي).
– الإسلام وتحديات العصر(علال الفاسي).
– تاريخ التشريع الإسلامي(علال الفاسي).
– النقد الذاتي (علال الفاسي).
– الشاطبي ومقاصد الشريعة حمادي العبيدي .
– نظرية المقاصد عند الامام الشاطبي احمد الريسوني.

* باحث في سلك الماستر الادب العربي المغرب، تطوان

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك