https://al3omk.com/374734.html

الاتحاد الاشتراكي الذي كان..

بما أن مطلب الملكية البرلمانية ، الذي لا زال يتمسك به ما تبقى من أطلال حزب الاتحاد الاشتراكي ، كبديل للملكية التنفيذية ، قد عاد ليبرز من جديد ، فإنه لا بأس من سرد بعض المشاهد ، التي لازالت راسخة في الذهن ، كدليل و برهان قوي ، على الشموخ الذي كان يتمتع به هذا الحزب من قبل . هذه المشاهد ، بدت لشخص قد عاشها و هو صغير ، مثل حلم جميل ، في ليلة مطيرة ، لكنه انتهى بسرعة ، على وقع صاعقة تركته محتضرا .

كان الأوان صيفا ، و كانت الرطوبة على أشدها ، و كانت محطة القطار الرباط ، تعج بالمسافرين ؛ الذين تحرروا لتوهم من عبئ المسؤوليات ؛ و كلّ متجه نحو تمضية العطلة الصيفية ، في أحد الأمكنة . لكن الذي يروي هذا الحديث ، لم يكن يعرف أين يذهب ؛ فلحداثة سنه ، سلّم أمره لأخيه الأكبر ، الذي كان بمعيته بعض قرنائه .

سار القطار زمنا طويلا ، أو هكذا تبدّى له ، وفي نهاية الرحلة ، لما ترجّل رفقة أخيه و مرافقيه من على مثن القطار ، علم آنذاك ، أن هذه المدينة الكبيرة ، ذي الكثافة السكانية (الصينية) ، التي حلّ ضيفا غير مدعو عليها ، هي مدينة الدار البيضاء .

و بعد أن استقلوا سيارتي أجرة ، ساروا مدة من الزمن ، قطعوا خلالها الطرق ، و اخترقوا العديد من الشوارع . وبينما هم كذلك ، بدا له و هو بداخل السيارة التي كانت تسير بسرعة ، أن المنازل ، و ناطحات السحاب ، و أعمدة الإنارة الكثيرة المتلاصقة ، ذي الأضواء الملونة ، تسير نحو الخلف ، بنفس السرعة التي كانت تسير بها سيارة الأجرة .

و فضلا عن ذلك ، فالمواضيع المتنوعة ، التي تناولها أخيه و مرافقيه ، طيلة زمن الرحلة ، و التي كانت تتناسل من بعضها البعض من دون نهاية ، إذا ما أضفنا عليهما ضجيج المدينة ، و صوت محركات السيارات ، كل ذلك ، جعله يكتف بالصمت ، في انتظار نهاية لهذه الرحلة المجهولة المتعبة .

أمام باب بناية كبيرة ، محاطة بسياج حديدي ، عليه طلاء أخضر ، توقفت أخيرا سيارة الأجرة . فتقدّمت الرفقة أمامه ، دالفين إلى داخل هذه البناية ، بشكل يوحي على أنهم ، إما على موعد ، أو معرفة مسبقة بما يحصل داخلها ؛ أما هو ، فكان لا يزال يتخلف إلى الوراء . بغثة ، وجد أن البناية التي تبدو صامتة من الخارج ، فهي على الرغم من اتساعها ، و كبر مساحتها ، مملوءة عن آخرها بالشباب . أعمارهم كانت تتراوح بين العشرين و الثلاثين ، أو ما يزيد .

ثم ما لبثوا أن نهضوا من أمكنتهم ، و انطلقوا يهتفون بصوت واحد ، و هم يحيون الوالجين الجدد ؛ و يخصّون بالهتاف ، اسم أخ الراوي هذا.. لكن هذا ، الذي لم يكن قد تجاوز بعد ، سن التمييز ، تسمّر واقفا عند أول خطوة خطاها داخل البناية ، و هو لا يدري ، ما الذي تراه عيناه .
في اليوم الموالي ، كانت المفاجئة . العديد من الشخصيات ، التي لم يكن يعرف عنها شيء ، إلا من خلال قنوات الأخبار الوطنية ، ها هو الآن ، يراها بالعين المجردة . عندئذ ، اختلطت عليه الأمور ، لكنه علم فيما بعد ، عن طريق بعض الشباب ، الذين انسجم معهم ، أن الأمر يتعلق بورش ، نظمته شبيبة حزب الاتحاد الاشتراكي .

استمر الورش لمدة ثلاثين يوما ، و كان في كل يوم يحضر أساتذة كبار ، يلقون الندوات ، و يلهمون الشباب . و كان من بين الأمور التي لا زالت عالقة بذهن صاحبنا ، هو ذلك الشعار ، الذي مذ أن سمعه ، حفظه غيبـــا و عن ظهر قلب. وكان كلما صدحت به حناجر ذلك الكم الهائل من الشباب ، كهدير قوي ، إلا و تملّكته رعدة ساخنة ، سرت في جميع أنحاء جسده .

لم يكن يعلم معاني ذلك النشيد ، و لم يكن يعرف أولئك الأشخاص الثلاثة ، المذكورين به ، و سبب ذكرهم دون غيرهم . و لم يكن يعلم السبب الذي جعل هؤلاء المنشدين الشباب ، تزداد أوداجهم انتفاخا ، و يرتفع صوتهم أكثر فأكثر ، كلما انتهوا إلى السطر الذي يضم أسماء – هؤلاء الثلاثة – . حتى يُخيل إلى المستمع ، إما أن هؤلاء قديسون ، أو أن لهم في أعناقهم دين ، و عليهم أن يردوه لهم.

و بعد ما مرت سنوات عن تلك المشاهد ، و اشتد عود صاحبنا الفكري ، علم جيدا تلك المعاني ، و عرف من يكون أولئك الثلاثة . عرف معنى الاشتراكية ، و عرف معنى الديمقراطية ، و عرف معنى التحرير . كما علم أن المهدي هو المهدي بن بركة ، ذلك (الحاضر/المختفي) ، و أن عمر هو عمر بن جلون ،الذي اغتيل بسبب أفكاره ، و أن “كرينة” ، هو محمد كرينة ، المناضل الصغير الذي أهمله سجّانوه ، فسقط صريعا .

لقد شهد تلك اللحظات ، في وقت بدا له فيما بعد ، أنه وقت كان فيه حزب الاتحاد الاشتراكي ، يقام و لا يقعد له ، و شبيبته تستوعب الكفاءات ،و تنتج الإطارات ، و تكوّن القادة ..لكنه شهد أيضا في هذه السنوات ، كيف انهار طود كبير من علياءه ، و صار من كثرة القعود ، مصاب بالتخمة ، لا يستطيع قياما و لا نهوضا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك