https://al3omk.com/374912.html

الأشرار وصناعة الصدمة الأخلاقية

ليعذرني الكاتب الأمريكي ستان كوهينلأني سأستعير من عنوان كتابه الملهم (الأشرار والصدمة الأخلاقية) متاهة هذا الدرس الأخلاقي الغارق في تشريح ما يسمى في الفسيولوجيا المرضية اضطراب الهوية التفارقي.

ولا أعني في ذلك طبعا الغوص في تنميط المرض إياه من جانب تخصصه النفساني الطبي، ولا من جانب المعالجة التشخيصية الاكلينيكية. فأنا لست عالما سيكولوجيا او رائيا ثاقبا في علم الأوبئة او استشاريا في علاجات التنويم المغناطيسي.

إنما أقرأ بعض الظواهر الاجتماعية في جانب يخص سوسيولوجيا الإعلام (علم اجتماع الإعلام) الذي تتحدد أدواره انطلاقا من العلاقة الديداكتيكية التي تربط المجتمع بوسائل الإعلام.

صحيح أن موضوعة دراسة الاتصال كأحد الظواهر الاجتماعية لاتزال رقعتها المعرفية جديدة على السوسيولوجيا الإعلامية، ومدعاة للتندر والاستكشاف في حالات السلوك والمواقف والعمليات الاجتماعية القريبة من مجتمع الصراعات وتذبذب القيم.

لكنها متحفزة دوما للتموقع في صلب رهانات الثورات الاتصالاتية والمعلوماتية ضمن ركام الصناعات التقانية والإعلام الآلي الذي بصم مرحلة جديدة في علاقة جدلية بالمجتمع عامة والافراد والعلاقات الاجتماعية خاصة.

تلك العلاقة المفتوحة المشوبة بعديد انبجاسات وأسئلة قلقة؛ تفرض حدودا ومفاهيم جديدة حول المعرفة وقيمها وتشكل وعي آخر ضمن سياقات ثقافية متحولة.

وهو ما يدلل الطريق باتجاه قراءة وتحليل سياقات تجسير الدراسات الاجتماعية الإعلامية للظواهر المؤثرة في العلامات والأنساق الجديدة الصادمة. ما يعزز فرضية الصدمة الأخلاقية التي يتواضع خبراء الاعلام والميديا على وصفها ب (رد الفعل الاجتماعي) تنبيها الى ما وراء فعل الصدمة او الممانعة النفسية.وهو تشخيص مستبصر تعوزه الرؤية والتخطيط قبل الفعل والتفاعل.

وسأكون واعيا بالأسباب التي تجعل من هذا المعنى نوعا من التبرير المنطقي والتمثل العقلاني لدرجات امتصاص مشكلات المجتمع ودرجات تدويرها لمعضلات الأخلاق وقيم العيش المشترك بين أفراده.و” ما على الدارس للأخلاقيات إلا أن يولي اهتماما خاصا إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام -وهذا من صميم مهمتي كباحث وإعلامي -في تحديد المشاكل الاجتماعية وتشكيلها. فقد عملت وسائل الإعلام منذ وقت طويل كأدوات لإثارة السخط الأخلاقي الذي يصب في مصلحتها الخاصة، حتى اذا لم يشعروا بالخجل لكونهم متورطين في حملات تشويه عنيفة، حيث إن نشرهم حقائق معينة ربما يكفي لإحداث قلق أو غضب أو سخط أو ذعر. عندما تتوافق هذه المشاعر مع الإدراك بوجوب حماية قيم معينة، يتم تقديم مرحلة إعداد شروط مسبقة للقاعدة الجديدة أو تحديد مشكلة اجتماعية”1 –

إن إفراز المعرفة الأخلاقية على ضوء معايير ثابتة للسلوك الإنساني، هي إحالة إلى الديونتولوجيا او علم الواجبات كما هو مستوحى من الجذر اليوناني.

يقف هذا النوع من العلوم على تقييم السلوك الإنساني وإضفاء الرغبة في عكس المعايير السلوكية ذاتها على ما تحمله الأخلاق كوحدة نسقية في بناء الواجب والمعرفة وسبب التهذيب والمبدأ القيمي وسؤال الثقافة.

ومن ثمة فالاعتبار الرمزي للأخلاق والمسؤولية الواجبة تواجهها لا تستوعبها المتقابلات النسبية الأخرى، من أوصاف الأفضلية في جلبة الخير والنهي عن الظلم ومعاملة الناس واحترام الرأي وتوقير المسن.. الخ، حيث التخلق أسمى درجات الأخلاق وأعلاها منزلة. فبها تنزل القيمة الاعتبارية للأخلاق منزلة الواقع وتبلغ من الاستقامة ما يجعل الخلق التزاما ومسؤولية وممارسة.

وكلما تأثرت الملكة النفسية (الأخلاق بمفهوم أبي الوليد ابن رشد) بعفوية صدور الأفعال دون فكر أو تأمل، كلما صار لها وثوقا راسخا في اليقين العقلاني، واستدبرت متحلقات ما يكمن في تركيبها الفطري والاكتسابي.

ولأنها تتغير بتغير بشريتها وتتخلق بتوافر عناصر استردادها وتحوطها، فإن المدينة الفاضلة التي تنسج من ضلعها وتخرج من عظامها هي أخلاق متحولة قمينة بالتدافع والتكور والاحتدام.

فما عداها تصير وقد قوض جانب من قيامها وتشكلها، وصار لزاما أن تتراجع عقيدة وحدتها وتوحدها!

ولتلك الفضائل التي تشكل عناصر قوة الأخلاق ومنفذها العامر إلى الوجود المحتوم والجسد المرسوم، حيث يستقي الفلاسفة عبر سيرورات الزمن والنظريات السابحة في ذرى التحليل والتعليل، معارشالسعادة النظرية، التي هي المعرفة العلمية الفلسفية، القائمة على الأربع فضائل شهيرة:الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة. حيثلم تصمد في وجه الأرياح المتعاركة تحت جفل الضحالة التي أصابت العالم القيمي، والغموض الآبق الذي طفق ينتحل صفات العدل والمساواة والصدق والأمانة والإخلاص والنقاء، ويتجندل بموبقات الجريمة والادعاءات الكاذبة وصناعة البروباجندا اللقيطة وتحويل الأنظار نحو الصغائر من الأمور والترهات الجدباء.

إنها بخلاصة شديدة علامات صناعة الصدمات الأخلاقية المتحولة التي أنهت عصورا باذخة من الحماس اليوطوبي، ومن القناعة بكفاءة الفلسفة كمعرفة تأملية لا يقينية، والتي تجعل الكائن البشري المتعقل والحكيم في مركز تفكيرها، مشاغبة هدفية التخليص المقدس من الحيوانية والغرائزية.

ومن تلكم العلامات الآفلة بزوغ أنماط وقطائع متناغمة ومصارف للوثوقية والدوغمائية ومثالب للشكية والاستضعاف، والتخفي في لبوس ليس في الحقيقة سوى أقنعة وسرابيل غدر ودناءة!

وليس من الغريب أن يتسارع السوسيولوجيون خلال عمليات تحليل الخطاب الإعلامي والسياسي إلى اكتشاف ما تذخره نوازع الصدمات الأخلاقية المتعاقبة وشروداتها الكظيمة في دروب وأسقف الأحداث والوقائع الدموية التي شهدتها البشرية طيلة قرنين سالفين. إذ لم يجدوا مثيلا لتلكم المذابح والمجازر والإبادات الجماعية وكل صنوف الظلم والاستبداد، ما يجعل من الصدمات الأخلاقية علامة بارزة في باراديجم الوجود القيمي والإنساني، من حيث كونه أسقط كل نظريات قيم التسامح والسلام والعيش المشترك وتحقيق الأمن والعدالة والإنصاف والمساواة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

– 1 ـ الصحافة : قضايا نقدية ـ ستيوارت آلان ، ترجمة بسمة ياسين ـ مجموعة النيل العربية، القاهرة ط1 / 2009 ص : 300

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك