https://al3omk.com/412996.html

الدرس المستمر للعروي

لا خروج، لنا نحن العرب المسلمين، من نفق التأخر التاريخي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، من دون تبني العقلانية منهجا، وأسلوبا، وفلسفة في الحياة.

في هذه الورقة، سنحاول ملامسة بعضا مما جاء في مداخلات وتفاعلات المفكر والمؤرخ عبد الله العروي في اللقاء الفكري المنظم بالرباط يوم الخميس 18 أكتوبر من السنة الجارية، وذلك احتفاء بكتاب جديد يؤرخ لحياته ومساره الفكري من تأليف الدكتور عبد المجيد القدوري.

وقد اعتمدنا في هذه الورقة على القراءة التركيبية التي قدمتها جريدة ” المساء” مشكورة في عددها 3869 بتاريخ 20/21 أبريل 2019.
إن قراءة متمعنة في ما جاء في القراءة التركيبية التي أشرنا إليها أعلاه، تجعلنا نسطر أربعة عناوين لمداخلات وتفاعلات الأستاذ العروي.

– أول هذه العناوين: الحتمية التاريخية، اليوم، لسؤال المنفعة والمصلحة العامة

أفهم أن هذا العنوان يحيلنا على السؤال الجوهري الذي مازال يحرجنا جميعا في الوطن العربي الإسلامي، اقتصاديين وسياسيين ومثقفين وإعلاميين وهو، كيف السبيل إلى التنمية المستدامة؟

إن تحقيق المنفعة والمصلحة العامة لكل الوطن العربي الإسلامي، لن تتحقق في زمن العولمة الجارفة بسرعة تطوراتها الاقتصادية والتكنولوجية، إلا من خلال:

حل العرب لعقدة التقابل والثنائيات (شرق/ غرب، الأنا/ الآخر). فالمطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تتجه عنايتهم، شعوبا وحكومات، نحو إيجاد حلول عملية للمشاكل اليومية من قبيل، غياب النظام في الشارع العام، تأخر الخدمات، التماطل في أداء العمل، عدم الاستفادة من المرافق العمومية، السعي إلى تحقيق رفاهية الأفراد داخل المجتمع…

وكأننا بالرجل يعطي مفهوما إجرائيا، واقعيا، للسياسات العمومية. فالسياسة العمومية للحكومة، هي مجموع هذه الأشياء. أو لنقل، إن تنزيل السياسة العمومية على أرض الواقع للحكومة في أي بلد، ليلمسها المواطن (ة)، هي كل الخدمات التي تشبع حاجيات الناس من طرق، وماء، وكهرباء، وخدمات صحية…وتعليم جيد، وتشغيل…

كما أن المصلحة العامة والمنفعة، على مستوى العلاقات الاقتصادية الدولية لكل بلد عربي إسلامي، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال اقتصاد قوي، تنافسي. إن العلاقات الاقتصادية الدولية أساسها المنفعة والمصلحة العامة. فالدولة الصديقة، هي التي لنا معها مصالح.
إن ما يصنع التقدم هو الاقتصاد والسياسة المبنيين عن المنفعة والمصلحة العامة للدول ومواطنيها.

ومن حسنات وسائل الاتصال والإعلام أنها تمكن المواطن العادي من إدراك أن الحروب المدمرة في الشرق الأوسط، وفي ليبيا، ومن قبل في العراق….لا سبب لها إلا تحقيق المنفعة والمصلحة العامة للشركات العملاقة وللدول الأصلية لها، تحت مسميات مختلفة يختارها صناع العولمة بعناية فائقة.

– وثاني العناوين الأربعة: الواقعية

تعني الواقعية من بين ما تعنيه، أن ننطلق من الواقع اليومي، مما نراه في الشارع يوميا. وقد استشهد المفكر العروي بالمفكرين الكبار وعلى رأسهم عالم الاجتماع الأول، ابن خلدون. فالعروي، يجد عندهم موقفا مماثلا لموقفه.

وبهذا الصدد، تساءل العروي هل الشارع ينطلق من مفهوم الحضارة والهوية؟

طبعا لا، حسبه. إن هذا الشارع ينطلق من أسئلة بسيطة، تتعلق بالواقع اليومي الملموس مستشهدا بأمثلة من حياة البسطاء كالمرأة التي يهمها العلاج الطبي لمرضها ولا يهمها هوية الطبيب. فالواقعية كما أوضح العروي من خلال عدة أمثلة من حياتنا اليومية تقتضي الانطلاق من المواقف العفوية لأغلبية الناس، بعيدا عن التجريد وعن المواقف الحالمة المتعالية.

– ثالث العناوين: كيف السبيل إلى التحديث؟

لا سبيل إلى التحديث غير تبني العقلانية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وهي تعني من بين ما تعنيه الانطلاق من مبدأ: المنفعة والمصلحة العامة للبلد وللمواطنين والمواطنات.

كما تعني العقلانية الاستفادة من الفكر العالمي، والتجارب والنظريات العالمية كيفما كانت مرجعياتها الايديولوجية. فهي أدوات فقط، ينبغي الاستفادة منها لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

فلا تقديس، ولا خلود، لأية نظرية اقتصادية أو اجتماعية، لم تثبت صلابتها على أرض الواقع اليومي للمواطن البسيط.

– العنوان الرابع: البحث العلمي، المدخل الحقيقي لتحقيق المنفعة والمصلحة العامة

بداية نعتقد أن ما عبر عنه الاستاذ العروي بالمنفعة والمصلحة العامة هو تبسيط لتقريب المعنى الملموس من الناس البسطاء. وهي في معنى آخر، بلغة الاقتصاديين التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا الباب، يعتقد العروي أن المثقف الملتزم هو الذي يلتزم بمجال تخصصه. ولا يخلط بين الجغرافيا والاقتصاد والفلسفة والفيزياء والأحياء…

وكأني بالرجل يدعونا مرة أخرى في الوطن العربي الإسلامي، وكيف لا وهو مؤرخ؟ يدعونا إلى تدارك تأخرنا التاريخي من خلال البحث العلمي، كل في حدود تخصصه لأن التخصص العلمي هو ما يوسع الهوة بيننا وبين الدول المتقدمة. وهو المدخل الحقيقي للتنمية المستدامة بمفهومها الراهن.

ولنا أن نضطلع عن الميزانيات المخصصة للبحث العلمي في اسرائيل، وأمريكا، واليابان، والصين…وكل البلدان التي تغزونا بسلعها وأفلامها وثقافاتها.

خلاصة القول، نعتقد أن مانبه وما ينبه إليه المفكر العروي منذ عقود انطلاقا من أنه مؤرخ، هو ما دعا إليه أمثاله من المفكرين الجابري والخطيبي وسبيلا وبلقزيز وعبد الله كمال …ويزخر وطننا العربي الإسلامي بالطاقات الفكرية.

ما يدعون إليه جميعا مع الاختلاف في المنطلقات هو، تبني العقلانية فكرا، ومنهجا، وأسلوبا، لأنها هي ما مكن الدول المتقدمة من تقدمها، ومن سيطرتها على العالم.

أما هويتنا الثقافية والدينية فهي ليست محل جدل أو جدال.

إن القوة الاقتصادية والسياسية هي ما يمكن من تحقيق التنمية المستدامة بمفهومها الحالي. ولا سبيل إلى هذه التنمية من دون اعتماد المنفعة والمصلحة العامة في علاقاتنا الدولية، اقتصاديا وسياسيا، إن نحن نريد تدارك التأخر التاريخي.

وكما يقول الدكتور كمال عبد اللطيف في كتابه ” درس العروي” الصادر في 1999، قد يبدو خطاب عبد الله العروي دوغمائيا، إلا أن تأملا هادئا لمراميه ولمساره الفكري ونوع اختياراته، يجعلنا ندرك مبررات استمراره على الخط نفسه، ومن أجل الأهداف عينها.

ختاما، من غير تبني العقلانية، ستستمر الدول العربية الاسلامية في اجترار تأخرها التاريخي اقتصاديا واجتماعيا، وما يجري في وطننا العربي الإسلامي اليوم، ما هو إلا مظهر من مظاهر التخلف السياسي والاقتصادي الذي يؤدي ضريبته القاسية المواطنون والمواطنات. ولذلك هم ينتفضون إعلانا منهم عن الظلم الاجتماعي.

فهل نستوعب الدرس التاريخي، المستمر، للمفكر العروي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)