https://al3omk.com/432906.html

قيم الوطنية المغربية.. شرط لبناء المستقبل

يحدث، في بعض الأحيان، أن تختلط الأمور على بعض “الأشقاء” أو “الأصدقاء”، فيخطئون في حق بلادنا و قد يسيئون لها في أمور لا تحتمل ذلك. لكن، حالما يتم التنبيه، يعتذر المعنيون و يصححون ما صنعوا، و تستمر الحياة. ثم تمر الأيام، و قد يعيد البعض نفس الخطأ، مرة أخرى، بنفس الصيغة أو بصيغ أخرى مغايرة. نقلق و ننفعل، ثم يعلو لدينا صوت الحكمة على صرخة الغضب، يقينا منا أن قدرنا في هذه البقعة المباركة الشريفة أن نكون نحن الأكرم، و نستحضر أن التماس العذر “للشقيق” و “للصديق”، سمو أخلاق وفضيلة، و أن العفو دليل كرم و برهان تسامح.

لكننا، بنفس القوة، صرنا نحرص على أن نوصل الرسالة لمن يعنيهم الأمر، بأننا لن نقبل أقل من أن يتم التعاطي مع قضايانا باحترام تام و بتركيز أقوى و بحرص أكبر، لأن المملكة المغربية دولة من صنف الكبار، تاريخا و حاضرا، قيادة و شعبا، هوية و رسوخا حضاريا، تفاعلا وإسهاما في صيرورة هذا العالم و دينامية الأحداث فيه.

يوم أمس، الخميس 20 يونيو 2019، حدث شيء من كل ما ذكرته. وكانت البداية هي انتباه المغاربة إلى تداول شريط فيديو عبارة عن أغنية أو نشيد، مواكب لفعاليات كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، التي تنظمها مصر، تظهر فيه على خريطة القارة، خريطة بلادنا مبتورة من الصحراء المغربية عن باقي أجزاء الوطن. فيما تم تعويضها بعلم “كيان” غير موجود سوى في مخيلة و دهاليز بقايا أجهزة مخابرات دولة “شقيقة”، نتمنى لها التحرر من كوابيس و أوهام الحرب الباردة.

في البداية، اعتقد العديدون أنها ربما “مزحة سخيفة” في محاولة من البعض، هنا أو هناك، للصيد في الماء العكر و توتير الأجواء، لغرض في النفس، استغلالا لظرفية خاصة يعلمها الجميع. لذلك تسرب الشك في صحة الأمر من الأصل. ثم مع توالي الدقائق، ظهر أن الزلة قد وقعت فعلا، و قيل لنا في رسالة اعتذار عاجلة، أن ذلك لم يكن إلا سهوا لن يتكرر.

صراحة، بدى أنه من الصعب عدم تصديق بأن ما وقع كان مع سبق إصرار بليد حد التفاهة، اجتهد أصحابه بنية الإساءة بشكل لا يمكن قبوله. لكن، كعادتنا كظمنا الغيظ، وتريثنا، وقلنا أن أقل استنتاج يمكن الخروج به، هو تأكد وجود ارتباك لدى جهة، نحسبها معزولة، في مكان ما في دولة شقيقة، حاولت بعث رسالة للتعبير عن شيء ما، ربما ضيق أو حرج من أمر ما. ويبقى المهم هو وصول الإعتذار بسرعة، وفي ذلك ما فيه من حكمة غلبت التفاهة. و لا شك أنه قد تم تسجيل الأمر و تم استنتاج خلاصات أولية في انتظار اكتمال الصورة.

و لأنه كما يقال رب ضارة نافعة، لنا أن نفتخر بأن ما حصل يوم أمس كان فرصة جديدة لنرى هبة شعبية تلقائية، على مواقع التواصل الاجتماعي و في حوارات الناس فيما بينهم، عبر من خلالها مواطنو المملكة عن رفضهم أن تمس يد الخبث، أيا كانت، حبة واحدة من رمال صحرائنا، و أكدوا أن لا مجال للسهو أو للنسيان أو للخطأ في التعاطي مع مقدساتنا و رموزنا. و لا شك قد عاد إلى النفوس سؤال يطرح عديد من الناس بصدق: لماذا تزعج بلادنا البعض، إلى الحد الذي يبيحون لأنفسهم أمورا لم تكن أبدا في أعراف وتقاليد العلاقات بيننا، و لا هي من معين قيم الاحترام والتقدير الكامل و التعاون و التضامن والمحبة للجميع، التي يزرعها المغرب باستمرار ؟

و في ترابط و تزامن ذو دلالة كبيرة، تابعنا عشية نفس يوم 20 يونيو 2019، ما شهدته المنطقة الصناعية المندمجة “أتلانتيك فري زون” بجماعة عامر السفلية، بإقليم القنيطرة، التي كانت على موعد مع تاريخ مسار المجهود الصناعي للمغرب. وكان الحدث هو حفل تدشين جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، للمنظومة الصناعية للمجموعة الفرنسية “بي إس أ” بالمغرب، التي ستحفز تطوير قطاع السيارات الوطني بالمغرب، بعد مشاريع شركة رونو بطنجة.

المصنع الجديد تبلغ طاقته الإنتاجية 100 ألف عربة ومحرك مرتبط بها، سنويا. و بعد انتهاء أشغال التوسعة، ستتضاعف طاقته الإنتاجية، و سيوفر قبل سنة 2023، على الأقل 4 آلاف منصب شغل مباشر، و أضعاف ذاك بشكل غير مباشر. و هو مشروع يدخل في إطار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة في 19 يونيو 2015، بين الدولة المغربية و المجموعة الفرنسية “بي إس أ”. بلادنا وفرت التجهيزات و بنيات الاستقبال اللوجيستيكية، فيما استثمرت المجموعة الفرنسية 3 ملايير درهم، وتعتزم استثمار مبلغ مماثل في مشاريعها المستقبلية. و لاستيعاب أهمية الموضوع، أشير فقط إلى رقم مشتريات “بي إس أ” للأجزاء المصنعة بالمغرب، التي بلغت 700 مليون أورو سنة 2018، و من المتوقع أن يصل هذا المبلغ إلى مليار أورو من المشتريات قبل 2025.

نائب المدير التنفيذي لـ”بي إس أ” بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا السيد جان كريستوف كيمار، أقر أن المغرب، وأكثر من أي وقت مضى، “يقع في قلب استراتيجية نمو مجموعة “بي إس أ” التي تعد اليوم من بين أكثر مصنعي السيارات نجاحا بالعالم”. مشيرا إلى أن مجموعته “اختارت المغرب لاحتضان مركز القرار الجهوي الخاص بها”. وفي هذا الكلام ما فيه من توفر تدبير استراتيجي حكيم يرعاه عاهل البلاد لهذا المحور من الصناعة الوطنية.

من جميل الأمور أن المجموعة الفرنسية “بي إس أ” لم تكن وحدها حاضرة في نشاط يوم أمس، بل تقدم أيضا للسلام على جلالة الملك، السيد شينغ لونغ مي، نائب رئيس المجموعة الصينية “سيتيك ديكاستال”، رقم واحد عالميا في صناعة إطارات العجلات من الألومنيوم، والتي تصل القدرة الإنتاجية السنوية لمصنعها المشيد على قطعة أرضية تبلغ مساحتها 24 هكتارا، باستثمار يناهز 4 ملايير درهم، إلى 3 مليون إطارا.
كما تقدم للسلام على جلالة الملك، السيد هيراي يوشينوري، نائب رئيس المجموعة اليابانية “أساهي غلاس كو”، أحد الرواد العالميين في صناعة الزجاج متعدد الاستعمالات، بما فيها صناعة السيارات. و كذا السيد حكيم عبد المومن، المتصرف المدير العام لـ”إي جي سي -أنديفر أوطوموتيف”، وهي وحدة صناعية نابعة من تحالف بين المجموعة اليابانية “إي جي سي” والشركة المغربية “إيندوفر”. وتصنع هذه الوحدة التي تمتد على مساحة 13 هكتارا، باستثمار يبلغ 1,5 مليار درهم، زجاج السيارات، والزجاج من الجيل الجديد.

و أنا أحكي هذه التفاصيل، أملي أن يستوعب الجميع دلالات كل المعطيات التي تحدثت عنها، و أن يفهم بعض الذين “لا يعجبهم العجب” في هذه الأرض، لماذا نلمس كل ذلك الكم من “المحبة و الأخوة” التي يشملنا بها بعض “الأشقاء” و “الأصدقاء”. ولماذا يتم “عن طريق الخطأ”، تحريف التاريخ و خيانة الجغرافية من خلال بتر جزء غالي من أرضنا في خرائط رسمية، كتعبير عن “حسيفة” غائرة في قلوب البعض. وظني بمن يقوم بتلك الخطيئة، أنهم لو استطاعوا لفعلوا أكثر مما قد تتصوره عقولنا المسالمة و قلوبنا الطيبة.

كما أتمنى أن نستوعب جيدا، ما سبق أن نبهت إليه في مقالاتي، من أن الدبلوماسية الشجاعة و الراشدة التي يرعاها جلالة الملك محمد السادس، إفريقيا و دوليا، و دعمه لبناء منظومة شراكة استراتيجية بين دول الجنوب على قاعدة “رابح – رابح”، و دفاعه عن المصالح الاستراتيجية لوطنه، و سعيه لتعزيز جاذبية المغرب لاستثمارات مهمة خاصة في قطاع صناعة السيارات، و معدات الطائرات، و في السياحة، و حرصه على تحديث أنماط إنتاج مختلفة، و وقوفه على الاختيارات الاستراتيجية الكبرى للاقتصاد المغربي، كلها أمور أزعجت عددا من أصحاب المصالح الاقتصادية الكبرى. وإذا كان الأمر طبيعيا، طالما ظل في حدود التنافس الإعتيادي، إلا أننا لا يمكن إلا أن نأسف لمسعى جعل التنافس الاقتصادي وتدافع المصالح، شبه حرب مواقع، تبيح، في نظر لوبيات ضاغطة، الضرب تحت الحزام و تجاوز الأعراف و حتى المس بالثوابث.

لكل ذلك ستبقى دعوتي قائمة و راهنية، بأن علينا جميعا كمغاربة، أن ندافع عن وطننا، و نحصن و نحمي مكتسباته، و نعزز مؤسسات دولتنا الوطنية، و نفتخر بذاتنا المجتمعية، و بهويتنا المتنوعة الروافد، و أن نسعى، بوعي و موضوعية، إلى قطع الطريق على العدمية و التسفيه. و لا مشكل أبدا، و نحن على تلك الحالة، أن نستمر في النضال من أجل الأفضل، من أجل ديمقراطية أكثر تعبيرا عن طموحات المواطنين، و عن حكامة ترابية تعزز قيم الن اهة و الجدية، وعن عدالة مجالية توفر تنمية أكبر، و عن خدمات صحية و تعليم عمومي في المستوى. كما يمكننا انتقاد السياسات العمومية الفاشلة و انتقاد الأشياء السلبية الأخرى، و هي كثيرة و متنوعة و بعضها خطير يستحق مقاربات و برامج استعجالية، كمسألة إدماج الشباب، و محاربة الهدر و التسرب المدرسي و الفقر و التهميش الاجتماعي..إلخ.

لكن، رجاء لنفعل كل ذلك بكثير من الروح الوطنية الإيجابية، و من الثقة الراسخة في بلادنا المغرب، و أن نحرص عليه و على رموزه و ثوابثه، و أن ننتبه إلى أن هذا ”الواقع” الذي لا يعجب البعض عندنا، و الذي فيه كثير من الأشياء التي يجب أن نتجاوزها و نغيرها، هو نفسه ذلك الواقع الذي تحاربنا عدة جهات بسببه و بسبب ما حققته بلادنا.

وإذا كان صحيحا أن واقعنا كان من الممكن أن يكون في حالة أفضل لولا بطء معدل التنمية، خلال السنوات الأخيرة، بسبب بعض العوامل الموضوعية، و بسبب كثير من العوامل الذاتية المرتبطة بغرق الفاعل الحكومي في عجز مستمر عن إبداع و بلورة رؤية متكاملة، و استمراره في التخبط في تناقضات أعضاءه و حساباتهم السياسوية، إلا أنه برغم العوائق المتراكمة و المستجدة، و ضعف تدبير عدة قطاعات عمومية من طرف حكومة نستحق منها الأفضل، لكي لا أقول أننا نستحق أفضل منها، ستبقى سبيل صناعة المستقبل، في رأيي، رهينة بالوقوف المنضبط في صف وطنية مغربية إيجابية وفاعلة، تكون إطارا لتحديث أداء كامل لمنظومة تدبير الشأن العام الوطني، و تحرير الطاقات واعتماد الكفاءة و الاستحقاق، و تشجيع شباب المغرب، كل شباب المغرب. تلك هي سبيل المستقبل، ولا أرى سبيلا إليه غير هذه السبيل. وفي الأخير، نهمس في مسامع أشقائنا وأعدائنا و نقول لهم “اللهم كثر حسادنا يا وطني”.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.