بين العلم والخرافة.. لماذا لا يعتني المغاربة بصحتهم النفسية؟
https://al3omk.com/435157.html

بين العلم والخرافة.. لماذا لا يعتني المغاربة بصحتهم النفسية؟ لا يعترف الكثير من المغاربة بوجود أمراض نفسية

إكرام أقدار – صحفية متدربة

لا تقل الصحة النفسية أهمية عن الصحة الجسدية، بل إن العلاقة بين النفس والجسد علاقة تكاملية، إذا أن العديد من الأمراض الجسدية تنشأ تحت وطأة الضغوط النفسية، حسب العديد من المختصين. فهل يعنتني المغاربة بصحتهم النفسية؟

تشير إحصائيات أصدرتها وزارة الصحة أن %84 من المغاربة يعانون من مشاكل وضغوطات نفسية، في المقابل 197 طبيبا نفسيا فقط هو عدد الأطباء الذين يعملون بالقطاع العام في المغرب. وهو عدد قليل جدا مقارنة بالمتوسط العالمي الذي تبلغ نسبته 3.66 طبيبا نفسيا لكل 100 ألف نسمة. ويشير أطباء نفسيون إلى أن التوتر والقلق والإكتئاب من أكثر الأمراض النفسية انتشارا عند المغاربة.

ليلى، سيدة في الثلاثين من عمرها متزوجة وربة بيت، تجزم أنها لم يسبق أن زارت طبيبا نفسيا، توضح بالقول: “يقوم الأطباء النفسيون باستجوابات لمرضاهم وتبادل أطراف الحديث معهم مقابل ثمن باهض، والأسوء أن الطبيب يطلع على كل أسرار المريض”.

ويرجع مصطفى الشكدالي، المختص في علم النفس الاجتماعي، السبب الأساس في عدم زيارة المغاربة للطبيب النفسي إلى الكيفية التي يفهم بها الأغلبية المرض النفسي والعقلي، والخلط الذي يحصل بينهما على مستوى الفهم الاجتماعي أو الصورة النمطية للمغاربة عن المرض النفسي.

وأشار إلى أن المؤسسات العمومية حول الصحة النفسية والعقلية تعطي “صورة مأساوية عن الوضعية في بلادنا، وتخلص إلى أن الصحة النفسية والعقلية لا تحظى باهتمام المغاربة، باعتبارها شرطا ضروريا في الحياة بل حتى المواطنون يضعونها في آخر أولوياتهم”.

مصطفى (24 سنة)، مواطن لا يرى مانعا من زيارة الطبيب النفسي، يقول: “في مرات عديدة، غالبا ما أقوم بزيارة طبيب نفسي بسبب الاضطرابات التي أتعرض لها أثناء العمل، ذلك أنني أصبحت أعاني جسديا من مرض القولون العصبي، لكن التكلفة الباهظة للعلاج والمتابعة تمنعني من ذلك”.

الدكتور جواد مبروكي، وهو طبيب ومحلل نفساني، أوضح في تصريح لجريدة “العمق”، أن “المغاربة يزورون الطب النفسي لأن لا اختيار لمريض يعاني من أمراض نفسية ويتألم ويتعذب، مثل سائر الاختصاصات الطبية مثل المريض بالكبد، لا حل له إلا زيارة اختصاصي لمعالجته”.

و يضيف الشكدالي :” هناك تخيلات اجتماعية تنتشر عبر السينما أن الطبيب النفسي هو الذي يجلس وراء المريض ويتركه يتحدث أو صورة الأحمق الذي يضحك ويتسلق الجدار وهذه الصور خيالية وليست الواقع. والطب النفسي هو كسائر الاختصاصات الطبية حيث يشخص الطبيب نوع المرض ويصف دواء بيولوجي لإعادة النظام البيولوجي العقلي الى مساره العادي كما يفعل طبيب الامراض القلبية حيث يصف العلاج لاعادة النظام الطبيعي للقلب “.

من الملاحظ كثيرا أن الكثير من الناس لا يفرقون بين الاضطرابات النفسية و الأمراض العقلية، فيحدث خلط بين الاثنين، إلا أن جميع الفئات العمرية معرضة لهذه المشاكل النفسية كيفما كان سنها ووضعها الاجتماعي. يقول الكوتش سعيد الوردي: ” كل الفئات الاجتماعية تذهب إلى الطبيب النفسي في الحالات الغير متحكم فيها” و يضيف : “مدفوعين وغير مخيرين”.

و من جهته يصرح الدكتور جواد مبروكي :”كل الفئات الاجتماعية وخاصة المنحدرة من القرى حيث يمثلون أكثر من 50 في المائة والفئة الشعبية الفقيرة والمتوسطة أساسا. وأكثر المرضى هم من الفئة الأمية، وبالنسبة للسن، فكل الفئات من الرضيع إلى الطفل ومن المراهق إلى البالغ وحتى الشيوخ. وهناك اختصاصات في الطب النفسي للرضيع والطفل والمراهق وحتى في الشيخوخة”.

و يضيف : “يجب أن نفرق بين الطبيب النفسي والمعالج النفسي. فالطبيب النفسي يعالج بالطرق النفسية وبالأدوية الخاصة بكل مرض. أما المعالج فليس طبيبا وليس باستطاعته وصف الأدوية .وعندما نتحدث عن الوعي بعلم النفس واللجوء الى اختصاصي في علم النفس أو كوتش أو مدرب في التطوير هنا نجد طبقات مثقفة وغنية هي التي تلجأ الى هذا التخصص لأنه مكلف ماديا”0

خديجة، (طالبة جامعية 23 سنة) ترجع سبب عدم زيارتها لطبيب نفسي إلى الصورة النمطية التي خلقها المجتمع عن الأطباء النفسيين ” حيث أننا لم نتعود على ذلك، فالسائد أن المختلين عقليا فقطهم من عليهم زيارة طبيب النفسي. حتى إن كان لابد أن أزور طبيبا نفسيا خوفا من أن يظن الآخرون أنني مختلة عقليا “.

يقول الكوتش سعيد الوردي : “إلى جانب “أحمق ومجنون ومجدوب، تصل القائمة إلى خمسين مصطلحا في نفس الاتجاه يصف به المغاربة كل من زار طبيبا نفسيا لأنه يعاني مرضا أو اضطرابا نفسيا. غير أن هناك تغيرا ملحوظا في السنوات الأخيرة “، و يضيف “تغيرت نظرة المغاربة للمرض النفسي، بالنظر إلى التحولات الاجتماعية و الثقافية و الانفتاح على الثقافات الأجنبية. وقبل انتشار الطب النفسي بشكل واسع كانت ولا زالت إلى حد ما بدائل أخرى أبرزها الفقهاء والأضرحة والرقاة”.

إن إهمال غالبية المغاربة لصحتهم النفسية في تقاطع مع الاهمال الذي يعيشه هذا القطاع في المغرب، مما يستدعي الاهتمام به أكاديميا والتوعية إعلاميا بأهمية سلامة الصحة النفسية .