https://al3omk.com/437927.html

قراءات متقاطعة في آفاق الشراكة بين المغرب والإتحاد الأوروبي

عمل المغرب شأنه شأن العديد من الدول المتقدمة و النامية على حد سواء، الدخول في مجموعة من التكتلات الإقتصادية الإقليمية و غير الإقليمية بعدما أدرك ضرورة التكامل الاقتصادي و أهميته في الاستقرار الإجتماعي، و أيضا من خلال السعي نحو تدبير النواقص باختلافها، من خلال مقاربة تشاركية و جماعية، حيث عمل المغرب على عقد شراكة مع الإتحاد الأوروبي في إطار متعدد الجوانب ( أمني- اقتصادي- اجتماعي- مالي)، عبر مراحل تاريخية تم من خلالها تعزيز روابط هاته الشراكة و التوافق على مجموعة من الاتفاقيات في مختلف المجالات، و التي اعطت المغرب دفعة جديدة لعملية تحديث الدولة و ترسيخ الانتقال الديمقراطي، حيث حصل المغرب على مكانة”الشريك المميز” سنة 2008 بعدها ستعزز باتفقيات اعتمدت خطة عمل ما بين سنوات 2013-2017 و التي تم التركيز من خلالها على التقريب التدريجي للتنظيمات التشريعية بين الأطراف، و تعزيز التعاون القطاعي و الجانب الإنساني من خلال دعم الاصلاحات الاقتصادية بهدف الرفع من النمو، كما يتمثل أهم إنعكاس مالي لاتفاقية الشراكة في حجم تدبير المداخيل الجبائية المتوالية، مع تفكيك الرسوم الجمركية التي تقدر بالنسبة للفترة المتراوحة ما بين 2000 و 2012 حتى حدود 2018 ب 1,9% من الناتج الداخلي الإجمالي، و هي كلها أليات ترمي إلى التحربر التجاري و المالي و النقدي تنصب في النهاية إلى مصلحة الطرفين

بناء على ما تقدم يمكن القول أن الشراكة مع الاتحاد الاوروبي تصنف بشراكة رابح-رابح لما لها من محاور مشتركة مع المغرب و دول الإتحاد الاوروبي في ضل العولمة و تفشي المخاطر الأمنية التي برهن من خلالها المغرب عن تميزه على الصعيد الدولي سواء في مجال الأمن الداخلي او مكافحة الإرهاب عبر الحدود ذلك بفضل اجهرته الأمنية ذات الكفاءة و التجربة العالية، أيضا ما تتيحه هاته الشراكة من دعم للإستثمار الداخلي الذي يعطي انطلاقة تفعيل مجموعة من المشاريع ذات النفع العام، زيادة الى تبادل التجارب في العديد من القطاعات لعل أبرزها الإدارة العمومية و نهج برنامج “حكامة” الذي قدمه الإتحاد الاوروبي للمغرب كمدخل للإصلاح الإداري الشامل.

و بما أن المغرب أكثر البلدان الإفريقية والعربية قربا من دول القارة الأوربية إلى جانب انفتاحه على المحيط الأطلنتي والبحر المتوسط، في المقابل يشغل الإتحاد الأوربي حيزا كبيرا من القارة الأوربية التي تتميز بموقعها الإستراتيجي المتمثل في كونها جزءا من العالم المعاصر، ومجاورتها لكل من آسيا وإفريقيا، وإطلالها على المحيط الأطلنتي والبحر المتوسط، وتوفرها على معابر دولية، كل هاته المميزات ساهمت و دفعت بالطرفين إلى الإتفاق على مجموعة من القضايا المشتركة و التي تهم الجانبين لعل أبرزها محاربة الهجرة لما لها من انعكاسات وخيمة سواء على مستوى الأمني أو الإجتماعي و الاقتصادي، أيضا ردع الإرهاب و التنسيق المشترك بغية محاربته و إقلاع جدوره، و بالتالي يمكن القول ان الشراكة متعددة الأبعاد تستهدف عدة مجالات، فعلى المستوى السياسي تروم الى إقامة الحوار السياسي من أجل تعزيز العلاقات بين الطرفين، وتعزيز قنوات التشاور والتقارب والتفاهم حول مختلف القضايا المسيرية المشتركة، والدفاع عن المصالح بينهما، و على المستوى الاقتصادي تهتم بدراسة المشاريع الاقتصادية المشتركة، كالمبادلات التجارية، الإستثمار، التنافس الصناعي، التعاون الاقتصادي، كما تستهدف مستويات اجتماعية و ثقافية بغية تنمية التعاون الاجتماعي، و دعم المساعدات بالاضاقة الى تجويد التعاون الثقافي والتربوي والعلمي والتقني، وتبادل الخبراء و التجارب والتواصل والاتصال و بالتالي فكل هاته الجوانب تساهم في تعزيز الأمن الداخلي للطرفين و تجويد الاستثمارات الداخلية و خلق مناخ للأعمال.

لقد عرفت علاقة المغرب بالاتحاد الأوروبي قفزة نوعية بعد منح المغرب صفة الوضع المتقدم الذي هو نتاج تطور العلاقات الوطيدة بين الطرفين، و هنا نستحضر توجهات جلالة الملك الراحل الحسن الثاني الذي بادر في سنة 1987 بمطلب الانضمام إلى المجموعة الأوروبية معتمدا في ذلك على مجموعة من المبررات الإقتصادية، الجغرافية، والتاريخية بين الطرفين، و سرعان ما أعاد بشكل حكيم جلالة الملك محمد السادس هذا التوجه سنة 2004 حينما طالب الأوروبيين بمنح المغرب وضعا أكثر من مجرد شراكة، وهو ما تم الإتفاق عليه بجعل المغرب يمتاز بمكانة “الوضع المتقدم” الذي ينبني على فكرة توسيع دائرة العلاقات بين الإتحاد الأوروبي والمغرب لتشمل معظم الأنشطة بإستثناء العضوية في المؤسسات التقريرية والتنفيذية للإتحاد الأوروبي، و منه يمكن القول ان هاته الشراكة تصنف حسب المنطق الإقتصادي و الأمني ضمن علاقة رابح-رابح حيث ترمي الى التعاون المشترك نظرا لمجموعة من الدوافع، فبالنسبة لبلدنا نجده حريص على مأسسة و تعزيز العلاقات مع الإتحاد الأوربي. و الحصول على موارد مالية جديدة تمكنه من تحقيق معدلات تنمية اكبر و تحقيق الإقلاع الإقتصادي، كما نجد في الجهة المقابلة الإتحاد الأوروبي شأنه شأن المغرب مدفوعا هو الآخر بدوافع حفزته على هاته الشراكة لعل أبرزها التحديات الأمنية المرتبطة بالأمن الأوربي من ضمنها الأخطار التي تعترض الدول الاوربية مصدرها الضفة الجنوبية و الشرقية للبحر المتوسطة كالهجرة السرية التهريب ..الخ و ايضا مكانة المغرب الجغرافية كقاطرة للعبور نحو دول إفريقيا، زيادة إلى تبني المغرب لنظام اقتصادي راسمالي محفز مع الطروحات الأوربية. حيث نجح في تدشين مجموعة من الأوراش التنموية و الإصلاحات التي قام بها المغرب وفق الرؤية الجديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس على عدة مستويات (السياسية،الحقوقية،تحديث القطاع المالي،توفير الاستثمارات، تفعيل الجهوية المتقدمة، و غيرها عديدة )

بناء على ما تقدم يمكن استخلاص فكرة اساسية تتمحور في اعتبار المغرب بالوقت الحالي في حاجة إلى الإتحاد الاوروبي و هذا الأخير في حاجة له و أن هاته الشراكة تجد توافقات عديدة لاسيما و أن المغرب أصبح في السنوات الأخيرة من أكبر الدول الإفريقية الرائدة في مجالات عديدة، و تمكين المملكة من أقطاب صناعية كبرى، و نهج سياسية مالية تقوم على تعويم الدرهم، و خلق مناخ إداري يحفز على الإستثمار و أيضا قابلية الدولة للتحديث المستمر و ما تعرفه من مراحل متقدمة في ترسيخ للديمقراطية و حقوق الانسان المقترنة بما تمخض عن الوثيقة الدستورية لسنة 2011 .و هي كلها مؤشرات جعلت المغرب يحضى بثقة تكتلات اقليمة و قارية عديدة، لعل أقاربها دول الإتحاد الإفريقي و عضويته في منظمات دولية أخرى جعلت الإتحاد الاوروبي يتمسك بهاته الشراكة و يجعلها ذات افاق مفتوحة على التعاون للمشترك و المستدام.

* باحث جامعي

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك