طارق: قانون الإضراب يجرم الاحتجاج.. ويجب سحبه مثل مدونة الشغل
https://al3omk.com/443561.html

طارق: قانون الإضراب يجرم الاحتجاج.. ويجب سحبه مثل مدونة الشغل في حوار معه.. طالب بإعادته للحوار الاجتماعي

قال أستاذ القانون الاجتماعي بكلية الحقوق المحمدية محمد طارق “إن مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب يجعل من الإضراب جريمة، داعيا إلى ضرورة سحبه من المؤسسة التشريعية وطرحه للنقاش العمومي، على غرار ما حدث مع مدونة الشغل.

وطالب الأكاديمي، في حوار مع “العمق”، بإشراك المجتمع المدني والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والأحزاب السياسية في النقاش، موضحا أن “قانون الإضراب” يحتوي على كثير من الفراغات التي تجعله مناقضا لمقتضيات حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية.

وأكد مفتش الشغل أن نقاش “قانون الإضراب” ليس محصورا على العمل النقابي بل تعدى ذلك إلى مجالات جديدة بعد ظهور التنسيقيات والائتلافات، مشددا على ضرورة استحضار قوانين الحريات العامة خلال مناقشة “قانون الإضراب”، موضحا أن هذا الأخير لم يعد آلية نقابية بل أصبح آلية مجتمعية للتعبير والاحتجاج.

وفي ما يلي النص الكامل للحوار:

*هل  قانون الإضراب “تكبيلي”، في ظل مقتضياته الحالية؟

**أستطيع أن أقول في جملة إن “مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب” يجعل من الإضراب جريمة. وهذا التوصيف كافٍ عن مختلف التوصيفات الأخرى. لأنه جرّم ممارسة حق دستوري، وحق إنساني موجود في الاتفاقيات الدولية، والشرعة العالمية لحقوق الإنسان.

* هل من مخرج للأزمة بعد رفض كل النقابات للقانون؟

**الموقف المبدئي لجل المركزيات النقابية هو رفض مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتدابير ممارسة الحق في الإضراب جملة وتفصيلا. وهي تطالب بإخراجه من المسار التشريعي، أي البرلمان، وإعادة إحالته على الحوار الاجتماعي.

أعتقد أن حكومة عبد الإله بن كيران كانت جد متسرعة في وضع مشروع القانون التنظيمي للإضراب في مسطرة التشريعي، بعد المصادقة عليه من طرف المجلسين الحكومي والوزاري، بدون إخضاعه لنقاش وتشاور عموميين مع أطراف العلاقة الإنتاجية أي المركزيات النقابية والاتحاد العام لمقاولات المغرب، وكان من المفروض عرض التشريعات الاجتماعية بشكل عام على هذه الأطرف، وليس فقط مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب.

الحكومة في الولاية التأسيسية بعد 2011 كانت مطالبة بأن تفتح الحوار مع أطراف العلاقة الإنتاجية ومع ممثلي المشغلين والنقابات، لكن مادام أنها لم تقم بهذا الأمر، فقد أحالته في آخر الولاية التشريعية على البرلمان قصد التغطية على الالتزام الدستوري بإخراج القوانين التنظيمية في الولاية الأولى بعد إقراره.

*ألا ترى أن الأولوية هي إخراج قانون النقابات قبل “قانون الإضراب”؟

**لا أحد يختلف حول ضرورة الحاجة إلى وضع القوانين، لأننا نعيش في بلد يجب أن يحترم فيه الجميع القانون، ولكن طريقة إخراج هذا المشروع، ومضامين المشروع تثيران الكثير من المشاكل، وتفتحان الكثير من سوء التأويل والفهم لآلية ولحق دستوري وإنساني.

وبالتالي، إذا بقي هذا المشروع كما هو عليه، وتمت المصادقة عليه بمنطق الأغلبية والمعارضة، فسيخرج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ، ولكن  ستكون النتيجةهي أننا لن نطبق روح الوثيقة الدستورية التي تتحدث عن هذا الحق.

*ما العمل في ظل كل هذه المعطيات؟

**“قانون الإضراب” يحتاج للعودة إلى الفضاء الأساسي المتمثل في الحوار الاجتماعي. وأن يتوافق عليه الفاعلون كما حدث في مدونة الشغل، فقد تمت إحالتها على البرلمان في كثير من المرات ولم تخضع لأي تصويت، ليتم إخراجها وإنتاج كل نصوصها، بل كل فصولها في محطات الحوار الاجتماعي، وبعد ذلك أحيلت على البرلمان وتمت المصادقة عليها بالأغلبية المطلقة.

وبالتالي، المفروض اليوم على الحكومة هو أن تفتح تشاورا عموميا، لأن “قانون الإضراب” ليس هو حق مرتبط بالمركزيات النقابية وبالعمل النقابي فقط، بل هو مرتبط بالحريات العامة. فإخراج قانون الإضراب هو مرتبط بإعادة النظر في قوانين الحريات العامة من قانون التجمهر وقانون الجمعيات، ومرتبط كذلك بإعادة النظر في مقتضيات مدونة الشغل، التي لازالت لم تطبق بعد بتصريحات للحكومة، والتي قالت إن الكثير من فصول المدونة لا تطبق، وأن هناك تطبيقا معيبا لبعض فصولها.

إخراج “قانون الإضراب” لا يحتاج فقط إلى تشاور مع ممثلي العمال وممثلي الباطرونا، بل يحتاج إلى تشاور مع الجمعيات الحقوقية لأنه شأن حقوقي. ويجب أن يُحال هذا النقاش على المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهنا أقصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

*رئيس “الباطرونا” طالب بجعل هذا النقاش عموميا، فهل هذا هو المطلوب؟

**أنا متفق مع فتح “قانون الإضراب” على النقاش العمومي، لأنه ليس معركة أو نقاشا مغلقا بين ممثلي الباطرونا وممثلي العمال. هو نقاش مجتمعي. فالمغرب اليوم يعرف أشكالا جديدة للإضراب لم يبق معها للمركزيات النقابية وقع وتأثير. نتحدث اليوم عن إضراب الأطباء، والأساتذة المتعاقدين، ونتحدث عن نظام التنسيقيات، وهو فاعل ويؤثر وتستجيب الحكومة لبعض مطالبه.

اليوم، هناك أشكالا جديدة للاحتجاج وللإضراب، لم يبق معها الإضراب مجردة آلية نقابية صرفة، بل أصبح آلية مجتمعية للتعبير والاحتجاج وللمطالبات بتغيير بعض الوضعيات المختلة.

“قانون الإضراب” يجعل الحكومة مطالبة بفتح حوار عموميا بالتشاور مع مختلف فعاليات المجتمع المدني، فهذا الأخير يجب أن يكون حاضرا. ثم إن مناقشة قانون الإضراب هو لحظة للحوار السياسي بين الأحزاب السياسية، لأن الغرض ليس هو إخراج قانون لا يتم تفعيله، بل يجب أن يكون قانونا متوافقا عليه من طرف كل الفاعلين حتى يحترمه الجميع.

*دعت الجمعيات الحقوقية إلى تكتل لإسقاط المشروع، ما تعليقك؟

**أنا مع إعادة إخراج “قانون الإضراب” إلى النقاش العمومي، وفتحه في وجه المركزيات النقابية والمشغلين مع إدخال الجمعيات والأحزاب السياسية في هذا النقاش المجتمعي، ليكون عندنا قانون يحترم كل هذه التطورات وكل هذه الأشكال الجديدة.

نحن في زمن الانفتاح الديمقراطي وهو ما يتطلب الحوار، وهذا الأخير لم يكن متطلبا في زمن مدونة الشغل ومع ذلك قامت الحكومة آنذاك بإخراجها إلى نقاش عمومي متجسد في الحوار الاجتماعي، اليوم الدستور يلزم الحكومة بفتح تشاور عمومي في مجموعة من فصوله الدستورية.

لقد جاءت الوثيقة الدستورية عن طريق تشاور عمومي، وبالتالي لا أفهم لماذا قانون الإضراب فقط من يستثنى من التشاور العمومي، إن المقاربة التي تنتهجها الحكومة غير سليمة ومحتاجة إلى تجويد على مستوى المنهجية والمقاربة. فالنص الحالي فيه الكثير من الفراغات التي تقييد الحق أكثر مما تضمنه.

*أعلنت الحكومة أنها لن تسحب “قانون الإضراب” بمبرر أنه ملك للمؤسسة التشريعية، هل هذا المبرر صحيح في ظل ما ذكرته من سحب مدونة الشغل سابقا؟

**أعتقد أن “قانون الإضراب” لا يحتاج إلى المزايدات السياسية، وهل هو ملك للحكومة أم ملك للبرلمان؟ المشروع هو ملك للمغاربة. فهذا القانون سينظم حقا دستوريا. وبالتالي يحتاج إلى كثير من الشجاعة.

اليوم البرلمان يعتبر أن تجميد “قانون الإضراب” هو خدمة وضمان لهذا الحق، والحكومة تعتبر أنها أنهت المسؤولية السياسية والدستورية بإحالته على البرلمان، ولكن إخراج القانون يستهدف فقط تجويده، وليس اعتباره لعبة لتوازن القوى بين الحكومة والمؤسسة التشريعية.

يجب أن يعمل الجميع على إخراج مشروع قانون تنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب لتجويده كي نضمن به الحق أكثر من أن نجعله منه آلية للضغط على النقابات أو لمنع ممارسة الحق في الإضراب.