الصحافة بين مطلب التحديث وتحدي الثورة الرقمية
https://al3omk.com/475062.html

الصحافة بين مطلب التحديث وتحدي الثورة الرقمية

أعاد اللقاء الذي نشطه محمد برادة الاعلامي المخضرم المدير العام السابق ل”سابريس” اشكالية “أي نموذج اقتصادي للصحافة اليوم هل ستختفى الصحافة الورقية؟”، الدفء الذي افتقدته قاعة مصطفي الخوضي بوكالة المغرب العربي الأنباء، من خلال اعادة طرح الاسئلة الحارقة للصحافة والاعلام والتحديات المتعددة التي تواجهها خاصة في ظل التكنولوجيات الجديدة.

وإذا كان المساهمون في هذا اللقاء من أجيال الصحفيين والاعلامين بمنابر ومسؤوليات مختلفة، أجمعوا على الحاجة لاعطاء نفس جديد للسلطة الرابعة باتخاذ اجراءات عاجلة من طرف الفاعلين كفيلة بإحداث نقلة نوعية مأمولة من خلال توفير بيئة ملائمة تتيح فرص اطلاق حوار اعلامي يمكن من تبديد التوترات وعدم الفهم بغية فتح آفاق جديدة.

وبغض النظر عن جدية بعض المقترحات التي خلص اليها لقاء محمد برادة منها الدعوة الى تطوير المقاولة الصحفية في سياق النموذج التنموي الجديد وخلق جسور التكامل بين الصحافة الورقية والاعلام الرقمي مع بحث السبل الكفيلة بعقد مناظرة وطنية حول قضايا الصحافة والنشر والتوزيع.

غير أن ما غاب عن الحاضرين، أن التكنولوجيات الحديثة أسهمت في كسر احتكار الصحافيين والإعلاميين لمجالات نشر وتعميم الأخبار والمعلومات، وأدخلت فاعلين جددا. كما أجهزت الثورة الرقمية على ما تبقى من الصحافة الورقية منها، وهو ما ساهم في إفلاس وانقراض عدد كبير من مقاولات الإعلام التقليدي، الذي أضحى يعيش ” قصة موت غير معلن” رغم محاولات الصحافة المكتوبة التعامل مع هذه المتغيرات منها احداث منابر اليكترونية سمح لها بنوع من الاستقلالية المهنية.

ومن الملاحظ أن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها المغرب خلال الثمانينات التسعينات من القرن الماضي، كان لها انعكاس على المشهد الإعلامي الذي عرف بدوره حركية ملموسة ساهمت فيها أيضا، منافسة الصحف الأجنبية والعربية للصحافة الوطنية، وظهور جيل جديد من الصحفيات والصحافين المهنيين من ذوي المؤهلات العلمية والفكرية والثقافية العالية، وهو ما فرض على الصحافة محاولة ولوج عالم الإحتراف عبر التحول إلى مقاولة.

وإذا كانت الصحافة الوطنية كانت في البداية صوتا للجماهير، التواقة للعدالة وحقوق الإنسان، وكان رأسمالها مصداقية الأخبار، والرأي، والتعبير عن الموقف. فإنه كان مطروحا عليها أن لا تبقى عبارة عن نشرة داخلية أو منشور دعائي، لكي تغدو صحافة وفق مواصفات الإعلام الحديث.

وبالرغم من أن المنشأة الصحفية، ليست مقاولة بالمفهوم الصرف للمقاولة الإقتصادية أو التجارية، بل إنها مقاولة من نوع خاص، تقدم منتوجا اعلاميا فكريا وثقافيا، يحمل رسالة اجتماعية، وقيما أخلاقية، إلا أنه في نفس الوقت منتوجا يخضع لإكراهات السوق .

وإذا كان القانون المغربي يصمت عن موضوع مفهوم المقاولة، ليس فقط في الميدان صحافة والإعلام، ولكن حتى في الميدان الاقتصادي والتجاري، فإن محاولات لرسم بعض ملامح المقاولة الصحفية، خاصة خلال المناظرة الوطنية الأولي للاعلام والاتصال سنة 1993، وفي اجتماعات لجنة بطاقة الصحافة فضلا عن ندوة “مستقبل المقاولة الصحفية في المغرب” التي نظمها المجلس الوطني للشباب والمستقبل وابرام العقد البرنامج في 2005 بين هيئات المهنيين ووزارة الاتصال.

وهكذا طرحت لجنة بطاقة الصحافة ولأول مرة معايير تقترب من المواصفات المهنية للمقاولة الصحفية والتي سيتم اعتماد جانبا منها فيما بعد، كشروط يجب توفرها في هذه المقاولة التي سيتم تصنيفها اعتمادا على معايير ترتكز على جانبين: وتيرة صدور الصحيفية والهيكلة المهنية.

فبالنسبة لوتيرة الصدور، فالجريدة المهنية، هي التي صدر منها 300 عدد في السنة بالنسبة لليوميات، و40 عددا للأسبوعيات، مع مراعاة مقتضيات الفصل 11 من قانون الصحافة الذي ينص على أن المقصود بلفظ نشرة ” جميع الصحف والمجلات والدفاتر والأوراق الإخبارية التي ليست لها صبغة علمية محضة، ولا فنية ولا مهنية، والتي تصدر في فترات منتظمة، ومرة واحدة في الشهر على الأقل” .

وبخصوص الهيكلة المهنية فيقتضى الأمر أن تتوفر الصحيفة على رئاسة تحرير، وسكرتارية تحرير، و12 محررا من ذوي المؤهلات الجامعية إذا كانت يومية، وأربعة محررين في نفس المستوى إذا كانت الصحيفة أسبوعية. ويلاحظ أن الصحافة المكتوبة التي كانت صحافة حزبية بامتياز، لم تكن تضع ضمن استراتيجياتها الإنتظام على شكل مقاولة بالمفهوم الإقتصادي والتجاري، وذلك باعتبار أن الإعلام بصفة عامة كان ينظر إليه كمؤسسة سياسية واجتماعية، أكثر منه مؤسسة ذات طبيعة اقتصادية أيضا.

وتظل المقاولة الصحافية، الإطار الأمثل للنهوض بالاعلام ، حزبيا كان أم خاصا، شريطة العمل على اعتماد العصرنة والتحديث النجاح في مواجهة تحديات الرقمنة، مما يفرض على الصحافة التفاعل الإيجابي مع التحولات في عالم متغير، وفي نفس الوقت الإجابة على الإشكالات التي تطرحها وسائط الاتصال في الزمن الرقمي، ليس فقط على المستوى القانوني والتنظيمي؛ ولكن أيضا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لتجويد وتطوير الأداء الإعلامي تجاوبا مع الحاجيات الجديدة للجمهور.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.